معركة “الفلافل” بين الدول

لم يعد الصراع بين البشر قاصراً فقط على السطو على مقدرات الآخرين من خيرات طبيعية، بل بات حول الطعام وهويته وكيفية تسجيله لدى منظمة اليونسكو للعلوم والتربية كتراث ثقافي يتبع الدولة. ودائما ما تتبادل الدول الاتهامات حول أحقية ملكية صناعته لا سيما الأطباق الشهيرة التي وصلت إلى العالمية.

قد يبدو الأمر للبعض ساخرا، أو غير جدي، مقارنة بملفات دولية ساخنة يدور حولها صراع محتدم الآن، لكن تراث الدول الثقافي والفني هو الآخر من الأهمية بما يجب على الدول المحافظة عليه من السرقة لأنه جزء من تاريخ الدولة وهويتها.

بالتأكيد الفن الشعبي، والأطعمة الشعبية، هي جزء أصيل من مكونات الهوية الشعبية للدول، وهي تلعب أدواراً عدة في تعزيز الانفراد والتميز السياحي، لهذا تبدو المجتمعات حريصة على موروثاتها الفنية، أو ذاكرتها الثقافية من المحو، أو السرقة من قبل الغير.

الحقيقة أن معركة الفلافل بين الدول هي أكبر وأوسع من ذلك، فكل من سوريا ولبنان ومصر تدعي أيضا ملكيتها لها

نجد مثلا أن إسرائيل حاولت طمس الهوية الفلسطينية من خلال سرقة أشهر أطعمتها الشعبية “الفلافل والحمص” ونسبها إليها، وروجت لذلك في أوساط السياحة، والفنادق والمؤتمرات الثقافية الدولية، بل وصل بها الأمر إلى تقديمها في المحافل الدبلوماسية، وعندما زار الرئيس الأسبق أوباما إسرائيل قدموا له الحمص والفلافل على أنها أطباق شعبية إسرائيلية.

الحقيقة أن معركة الفلافل بين الدول هي أكبر وأوسع من ذلك، فكل من سوريا ولبنان ومصر تدعي أيضا ملكيتها لها، وبينما يقول السوريون إنهم هم من طوروها بإضافة الحمص بدل الفول، وأن بلادهم عرفتها قبل 4 آلاف سنه عندما ظهرت في بلاد ما بين النهرين، فإن اللبنانيين يدعون أحقيتهم في ملكيتها قبل الآخرين، أما المصريون فيدخلون معركة إثبات نسب الفلافل وهم الأكثر هدوءا، لآن مستندات ملكيتهم لها منقوشة على جدران المقابر الملكية في وادي الملوك  قبل آلاف السنين ، وهي توضح طريقة دش الفول وإضافة الخضروات له وتخمير أقراص الطعمية.

جميل أن ينشغل العرب في خلافات حول أصول الطعمية، أفضل بكثير من حمل السلاح ودخول معارك سياسية يتم إراقة الدماء فيها.

وبغض النظر عن مكوناتها وإذا ماكانت مصنوعة من الفول أو الحمص، فهي مازالت باقية منذ بدء حضاراتهم الأولى، وأسهمت إسهاما حقيقيا في سد رمق الشعوب، وتجلت وقت الأزمات حتى صارت سيدة الطعام الشعبي في بلاد العرب مجتمعة.

دخل الأتراك الصراع دفاعا عن صناعتهم ذات الشهرة الواسعة

معركة أخرى كبرى تشهدها أوربا حول “الشاورما” التركية التي نقلها العمال الأتراك إلى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فهي الآن تقريبا موجودة في كل المدن والقرى الأوربية، فمثلا في ألمانيا وصل حجم العمالة فيها إلى 42 ألف عامل، وهم  يحققون أرباحا تصل إلى ملياري يورو سنويا، لكن الاتحاد الأوربي الذي لا يرتبط بعلاقات مودة مع تركيا يرى أن انتشار “الشاورما” بهذا الحجم إنما هو انتشار للهوية الشعبية التركية على أراضيه، فقررأن يمارسا ضغطا علي هذه الصناعة بحجة أن مادة الفوسفات التي تضاف إلى لحم الشاورما لجعلها لينة، ومنعها من الجفاف، والمحافظة علي مذاقها لمدة طويلة، هي ضارة على صحة الإنسان وهذا طبعا وفق لجنة الصحة في المفوضية الأوروبية، إضافة إلى أنها تصيب الإنسان بأمراض الدم وتصلب الشرايين.

دخل الأتراك الصراع دفاعا عن صناعتهم ذات الشهرة الواسعة، وقال رئيس رابطة الشاورما في ألمانيا “كينان كويونكو” إن قرار المفوضية الأوربية الرامي لحظر مادة الفوسفات هو قرار سياسي يعتبر بالنسبة لهم بمثابة الحكم بإعدام صناعة الشاورما في أوربا، في حين رآه آخرون أنه قرار عنصري يهدف إلى محو اسم أهم وأشهر وجبة من الوجبات السريعة في أوربا بسبب هويتها التركية، واسمها التركي.

لا يمكن هنا أن نتطرق إلى هذه الصراعات ونغفل صراع الكسكسي، فهو واحد من أشهر الصراعات في المنطقة المغاربية وتحديدا بين المغرب والجزائر، فكلا الدولتين بعد صراعهما المرير على إقليم الصحراء ترى  كل منهما أن طبق الكسكسي يخصه وحده، وبينما عارضت الحكومة الجزائرية طلب المغرب بتقديم طلب لليونسكو على ملكية هذا الطبق،  فقد قامت بتدعيم تقديم الكسكسي في فنادقها والتوسع في نشره عالميا على أنه طبق شعبي جزائري، ومن ثم وإمعانا في ممارسة الضغط على المغرب قامت بتقديم طلب إلى اليونسكو باعتبار أن موسيقى الراي هو فن جزائري خالص.

حتى الولايات المتحدة لم تخلوا من هكذا صراع،  فقد شهدت ولاية تكساس حربا مشابهة لحرب الفلافل

كل قارات العالم تسري فيها الغيرة على موروثاتها الفنية، ومحاولة حمايتها من السرقة، ففي أقصى قارات العالم نجد هناك صراعا مريرا بين أستراليا ونيوزيلندا على ملكية حلوى “البافلوفا” ، فكلاهما تدعي ملكية صناعتها، وظل الصراع قائما إلى قرابة قرن من الزمان، لكن المعركة أخذت ابعادا جديدة في سنة 2009 عندما اتهم رئيس وزراء نيوزيلندا المنتخب حديثا وقتها أستراليا بسرقة مطبخهم.

أحدث هذه الصراعات هو ما يدور الآن بين روسيا وأوكرانيا حول حساء “البورش” المصنوع من الكرنب والشمندر،  فالصراع تفجر بعد ضم روسيا لجزيرة القرم، وهنا تقدمت أوكرانيا إلى اليونسكو بطلب تسجيل هذا الطبق كطبق أوكراني الأصل، لكن الحكومة الروسية ثارت ثائرتها وتقدمت بطلب مضاد مدعم بالحجج والبراهين على أن هذا الطبق هو من تراثها الوطني واحد أشهر الأطباق الروسية.

حتى الولايات المتحدة لم تخل من هكذا صراع،  فقد شهدت ولاية تكساس حربا مشابهة لحرب الفلافل عندما تم سرقة صناعة طبق اللحم بالفلفل الحار الذي  تشتهر بها الولاية،  وتم تغير معالمه بإضافة الجبن أو الفاصوليا له، وهنا صارت ثائرة الناس في الولاية معتبرين أن المكونات الجديدة هي طمس لهوية الولاية وانتقاص من ثقافتها وقام المسؤولون فيها بتحذير الولايات الأخرى من مغبة تغير مكونات طبقهم.

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة