السفير معصوم مرزوق يكتب: هل هي حرب على المياه؟!

بناءً على برقية من الخارجية الأمريكية (كُشِفَ عنها قبل سنوات) التقى السفير الأمريكي بالرئيس عبد الناصر يوم 2 يناير/كانون الثاني 1964 كي يحذر بشكل غير مباشر من احتمال أن تتفق الدول العربية بقيادة مصر على تحويل نهر الأردن.

ذكر السفير الأمريكي في برقيته إلى إدارته أنه قال لعبد الناصر: “إن أيّ دولة مشاطئة لنهر الأردن تحصل على إمدادها الرئيسي من المياه ستتأثر بذلك لن يكون أمامها سوى اللجوء إلى القتال، ففي النزاع بين الجمهورية العربية المتحدة وإثيوبيا، لو حوَّلت الأخيرة النيل الأزرق؛ فإن مصر بكل تأكيد سوف تتحرك لإيقاف ذلك، وأشرت إلى أن إسرائيل سوف تفعل الشيء نفسه”.

كانت إجابة الرئيس ناصر الوحيدة هي أنه سأل: هل تعني أننا إذا حوّلنا مياه نهر الأردن، فإننا يمكن أن نتعرض لاعتداء إسرائيلي؟ اعترضت على استخدام كلمة (اعتداء)، وقلت إن المياه ضرورية للغاية لكل دولة بالشكل الذي يدفعها للتحرك للدفاع عنها، وهذا لا يمكن اعتباره (اعتداء)، حينذاك قال الرئيس: “إن ذلك يعني أننا يجب أن نظل أقوياء ومستعدين”، ثم توقف عند ذاك عن مناقشة الموضوع، وقد ظهر عليه أنه غير راغب في مناقشة أيّ تفاصيل حول لقاء القمة “.

إن برقية السفير الأمريكي في القاهرة، شتاء 1964، تعكس موقفا مبدئيًّا للولايات المتحدة الأمريكية من مسألة حقوق دول المصب في نهر دولي

هذه البرقية وغيرها نُشرت ضمن الوثائق التي تفرج عنها الخارجية الأمريكية دوريًّا لمرور زمن طويل عليها، ولكنها بلا شك تثبت وتؤكد مواقف رسمية لا تستطيع أمريكا التنصل منها اليوم.

لقد شجعت أمريكا إسرائيل -أو على الأقل لم تعترض- على قيام المقاتلات الإسرائيلية بتدمير كل المعدات والأفراد في موقع تحويل نهر الأردن، وكانت الحجة القانونية هي أن إسرائيل مارست حقها في الدفاع عن النفس وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

إن برقية السفير الأمريكي في القاهرة، شتاء 1964، تعكس موقفا مبدئيًّا للولايات المتحدة الأمريكية من مسألة حقوق دول المصب في نهر دولي، بل إن السفير ضرب مثالًا محددًا بأن ذلك ما سوف تقوم به مصر حال قيام إثيوبيا بتحويل النيل الأزرق (وهو ما قامت به مؤخرًا).

وقبل أن يغادر ترمب منصبه تحدث عن نية مصر العسكرية تجاه سد النهضة، وذلك بالطبع لا يمكن الاعتداد به، فلا يمكن البناء على سلوك أو تصريح لترمب؛ فهو كما كتب عنه أقطاب أنصاره مثل جون بولتون “يتصرف برعونة ولا مسؤولية ولا يهتم بالعمل المؤسسي”.

‏وربما سمع من زائر رسمي سوداني وقتها شيئًا عن الموقف المصري، فسارع ترمب ex officio بالإعلان.

‏يبقى أن الخيار العسكري هو أحد أوراق التفاوض المهمة على المستوى الدولي بوجه عام

ولا شك أن ذلك يحرج الحكومة المصرية، فهي أن أنكرت رسميًّا، فهي تتخلى عن ورقة تفاوضية قد يهمها أن تبقى بشكل غامض في الخلفية، وإذا أعلنت أن ذلك موقفها خسرت مبكرًا أيّ دعم إقليمي أو دولي تحاول حشده الآن.

لذلك أظن أن الصمت كان هو الموقف الأمثل لمصر، كما أن الضجة علي الجانب الإثيوبي بشأن ما قاله ترمب مبررة لنفس الأسباب، فهي تريد أن تدفع مصر لتأكيد ما قيل كي تخسر أي تأييد، أو أن تنفي مصر فتقيد حرية مناورتها وتفقدها ورقة تفاوضية.

‏يبقى أن الخيار العسكري هو أحد أوراق التفاوض المهمة على المستوى الدولي بوجه عام، ولا يشترط نية استخدامه أو استخدامه بالفعل، حيث يكفي أن يدرك خصمك أنك تمتلك هذا الخيار ولديك القدرة على استخدامه، وذلك يؤثر على قراراته التفاوضية، وقد يمهّد لحل سلمي توافقي رغم أنه بديل عسكري.

تصريح ترمب عن نيات مصر بالنسبة لسد النهضة -يشبه تصريحاته بشأن كورونا- تفتقد إلى الحكمة والعلم والرصانة، فضلًا عن خلوها المعتاد من الدبلوماسية، لذلك كله لن يهضم العالم ذلك الضجيج الصادر من أديس أبابا، ولن يفهم سر دقات طبول الحرب التي رقصت عليها تصريحات المسؤولين الإثيوبيين.

ومن البديهي أن مصر إذا لم تجد عن الحرب بديلًا، فإن آخر من كانت ستخبره بذلك هو الرئيس ترمب الذي كان يجلس معظم الوقت في البيت الأبيض كي يكتب تويتات تغضب منه أغلب حلفائه وكل مرؤوسيه!

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة