“نائبة” تونس

حاول الغزو الثقافي الغربي فرض العلمانية بمفهوم فصل الدين عن الحياة، وليس عن الدولة فقط في بلاد العالم الإسلامي، وتبنى الفكرة رعايا المشروع التغريبي من النفر الذين يحملون أسماء المسلمين بل وينتسبون إلى قبائل عربية مشهورة أو أسر علمية كبيرة، ومع ذلك تفوقوا على أساتذتهم الأعاجم في الحقد على الإسلام والرغبة في إزاحة شرائعه وشعائره، ونجح الغرب في مساعدة بعضهم في الوصول إلى سدة الحكم، وعندها بدأت مرحلة فرض العلمانية بالحديد والنار، وتعقب المناوئين بالسجن والاعتقال، وهي المرحلة التي أطلق عليها فضيلة الإمام يوسف القرضاوي مرحلة “توحش العلمانية” وكتب عنها كتابة خاصة عام 1989 بعد صدور كتابه “الإسلام والعلمانية وجها لوجه” وضرب مثالا على ظاهرة التوحش عربيا بتونس وإسلاميا بتركيا حيث كان الرئيس التونسي بورقيبة يرى نفسه أتاتورك العرب، واستطاع بالفعل أن يقتفي خطى مصطفى كمال، ومحاولته لمنع فريضة الصيام التي تصدى لها فضيلة الإمام الطاهر ابن عاشور متواترة مشهورة.

والمتابع للمشهد التونسي يرى صدق الشيخ القرضاوي وسبقه في الحديث عن توحش العلمانية في النموذج التونسي، وأنها علمانية استئصالية لا تسمح بوجود مخالف أو معارض، كما أنها من البداية تتخذ من ثوابت الشريعة الإسلامية غرضا لها وهدفا، ومحاولاتهم مثلا للعبث بقوانين الله في الميراث متجددة متتابعة، والسعي لتنحية الإسلام أو حتى العادات التونسية التي مرجعها إليه حثيث لا يتوقف!

العجيب في المشهد التونسي أن تتزعم مشهد البلطجة امرأة وتتصدى للتشبيح “نائبة” شاهد الجميع ما تقوم به من تقويض للعمل النيابي داخل البرلمان

ونظرا للمكاسب التي حققها التوحش العلماني في تونس في الخمسين سنة الماضية من خلال النظام الذي أعاد إنتاج نفسه بوراثة زين العابدين بن علي لأستاذه بورقيبة وهو على قيد الحياة، بل واستطاع النظام العودة إلى الحكم بعد الثورة برئاسة الباجي قايد السبسي أحد وزراء بورقيبة الأوائل، لذا يسعى هذا التيار للحفاظ على هذه المكتسبات على الأقل واستغلال رخاوة قبضة السلطة وعجزها عن بسط هيبة الدولة وسلطة القانون في تحقيق مكاسب أكبر.

ومن الظواهر التي واكبت الربيع العربي ظاهرة البلطجة السياسية أو التشبيح السياسي وهو تطور طبيعي للبلطجة الإجرامية، وكلاهما يستغل الآخر في تحقيق أهدافه وبينهما تكامل وتناغم، ولعل كثرة عدد السكان في مصر حول الظاهرة إلى تنظيم كان تابعا لأجهزة الشرطة ورجال المباحث مباشرة، وبلغت تقديرات أعدادهم إلى ثلاثمائة ألف بلطجي، وبعد انكسار الشرطة في ثورة الخامس والعشرين من يناير انتقلت تبعيتهم لجهاز المخابرات، وقد انتشر هذا الأمر في حينه وأصبح حديثا في وسائل الإعلام، وكان لتنظيم البلطجية دور مهم في حركات التمرد على الرئيس المنتخب ومساندة الثورة المضادة في الانقلاب عليه .

لكن العجيب في المشهد التونسي أن تتزعم مشهد البلطجة امرأة وتتصدى للتشبيح “نائبة” شاهد الجميع ما تقوم به من تقويض للعمل النيابي داخل البرلمان، وتعطيل لمؤسسات الدولة عن أداء عملها، بل وانتقلت لممارسة قطع الطريق بنفسها واقتحمت مع مجموعة من الخارجين عن القانون مبنى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وعبثوا بمحتوياته ومكتبته، واحتجزوا مجموعة من الدارسين والباحثين بداخله ، وضربوا خيمة للاعتصام أمامه للمطالبة بإغلاقه، حتى تدخلت الشرطة بعد تجمع عدد من العلماء والنواب للمطالبة بإيقاف هذه المهزلة، وبالفعل تم فض الاعتصام بعدما استولت “عبير موسى” على بعض منشورات الاتحاد التي تتحدث عن “عقد النكاح وآثاره” وكأنها وقعت على سر نووي أو أسلحة دمار شامل، بما أظهر أنها لا تعرف الفرق بين النكاح والسفاح !

وكانت “النائبة” ومن وراءها قد تقدموا برفع دعوى أكثر من مرة لإغلاق فرع الاتحاد ويرفضها قضاء تونس، فلجأت إلى الاقتحام وفرض حالة الأمر الواقع بالاعتصام، وقد أحسن علماء تونس باللجوء إلى النيابة العامة للتعامل مع الخارجين عن القانون ورفع دعوى ضد هذه “النائبة”، لكن يبقى البعد السياسي وموقف الدولة من الإساءة إلى تجربة تونس ومحاولة تشويه صورتها، لاسيما وأن أصابع العبث الخارجية واضحة ومكاتب تمويل الثورة المضادة واحدة ومكانها معروف لا يخفى على أحد.

أما التراخي في عدم الأخذ على يد العابثين بمؤسسات الدولة والخارجين عن سلطة القانون، فإنه يعرض الدولة ومؤسساتها للخطر، والعاقل من اتعظ بغيره، ولو استمرت هذه البلطجة فلن تكون هذه المرأة مجرد “نائبة” في البرلمان وإنما ستصبح نائبة من نوائب الدهر.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة