المؤامرة على نقابة الصحفيين.. أول الرقص حنجلة!

نقابة الصحفيين المصريين
نقابة الصحفيين المصريين

عندما سألت من الفتى؟ جاء الرد بأنه يعمل صحفياً في جريدة “الأخبار”، فأدهشني أن يكون صحفياً ثم يتأمر على مهنته، فهل هي مهنته فعلاً؟!

لقد طالعت تصريحات الموصوف أعلاه في الصحف بصفته عضواً في مجلس النواب المصري، وكيف أن هذا المجلس الذي طرد في جلسته الأولى النائب الوفدي والصحفي في نفس الوقت محمد عبد العليم لأنه وجه انتقاداً لحزب “مستقبل وطن”، نشاهد فيه هجوماً على وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل، وانبرى فيه هذا النائب فيطلب بإعادة تعديل قانون نقابة الصحفيين بحجة أنه قديم ومشوه ولم يعد مسايراً للعصر، فهل هذه أولويات لأي نائب مع جلسات البرلمان الأولى؟!

فالمعنى اننا أمام دفع من الخلف، في هذا الاتجاه، لإكمال المهمة في الاجهاز تماماً على مهنة الصحافة

ليس عندي دفاع عن أسامة هيكل، الذي هو الاختيار الحر والمباشر للحاكم العسكري، ليس هذه المرة فقط، فقد سبق للمجلس الأعلى للقوات المسلحة أن اختاره وزيراً من قبل، وهذا الهجوم عليه راجع لأن الطلب بعودة وزارة الإعلام من جانب الأذرع الإعلامية للسلطة المصرية، كانت دوافعه رغبة الضباط الذين يديرون المشهد الإعلامي من وراء حجاب، في التخلص من مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى للإعلام الذي يتصرف كما لو كان في عهد مبارك، فيرى نفسه أنه رجل دولة يتعامل مع رأسها، وليس تابعاً لهذا الجهاز أو ذاك، فأما وقد حدث تنازع على الاختصاص بين الوزارة العائدة والمجلس القائم، وعلى المكاتب أيضاً، وتم التخلص من مكرم فلا معنى لبقاء أسامة هيكل المحسوب على شخص عبد الفتاح السيسي، وقد نجحت الأجهزة في التخلص من آخر كان قريباً من الحاكم ومحسوباً عليه، هو ياسر رزق، ولا مانع من استغلال أزمات هنا أو هناك من أجل الضرب تحت الحزام، كما يحدث الآن مع هيكل، من حيث اتهامه بالجمع بين راتبين، وهو أمر كان عليه وقت اختياره فهل هي مشكلته أم مشكلة من سكت عليه ومن اختياره مع هذا الجمع؟!

وعندما يأتي أحدهم مبكراً للحديث عن قانون نقابة الصحفيين، وكأن البلد خلت من المشكلات فلم يعد فيها من مشكلة سوى قانون النقابة، الذي لم يعد يساير العصر الحديث، فالمعنى اننا أمام دفع من الخلف، في هذا الاتجاه، لإكمال المهمة في الإجهاز تماماً على مهنة الصحافة، وإذ تم القضاء على الصحافة، فلم يعد توزيعها يومياً يتجاوز الربع مليون نسخة في بلد كان توزيع بعض صحفها يتجاوز المليون نسخة للصحيفة الواحدة، فلا مانع من أن تمتد الأيدي لتعبث بالنقابة؛ وبداية الرقص حنجلة.

ورغم الإجابة بأن عضو مجلس النواب المفدى يعمل بالصحافة، فلم يسبق لنا أو لأحد من الزملاء الذين تواصلت معهم أن قرأ له شيئاً، مع أنه يعمل في مؤسسة قام تاريخها على صناعة النجوم، ولا شك أن اختياره ليكون مرشحاً لمجلس النواب، هو اختيار لمن هم من خارج السياسة وخارج الحضور العام وهي مواصفات الحكم الحالي في الاختيار والاصطفاء ولكل المواقع، ولو كان الفتى له ارتباط بنقابته وبتاريخها، لما كان له هذا الموقف أبداً!

كانت هناك محاولة منفردة من قبل النقيب إبراهيم نافع في منتصف الثمانينات بتعديل قانون النقابة، وكان أن كلف الشؤون القانونية بمؤسسة الأهرام، بإعداد قانون جديد

إن قانون نقابة الصحفيين قديم نعم، وقد كان هو آخر قانون وقعه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ليلة وفاته، ويقال إنه عرض عليه للتوقيع في مطار القاهرة وهو يودع أحد ضيوفه، وعاد الى بيته في هذه الليلة ليلقى ربه، وهو قانون يتحدث عن الفكر الاشتراكي، ويرتب أدواراً لوزير الارشاد القومي في النقابة، كما توجد به بعض النصوص الخاصة بالاتحاد الاشتراكي ونحو ذلك، لكن هي نصوص ميتة لا تعني شيئاً مع وجودها، تماماً كما كان النص الدستوري قبل التعديل عن الحزب الواحد، ومع هذا أخذت مصر بالتعددية الحزبية، وكما أن الدستور كان يتحدث عن الاشتراكية في وقت أن اندفع فيه النظام لبيع القطاع العام، وصدر حكم المحكمة الدستورية يؤكد أن عمليات البيع لا تتناقض مع هذه النصوص الدستورية.

فقانون النقابة هو قانون إجراءات ينظم عملية القيد، وعقد الجمعية العمومية، وانتخابات مجلس النقابة والنقيب وما إلى ذلك، وقد أعطى للجمعية العمومية حق الموافقة على لائحته التنفيذية، وهي لهذا تتغير حسب الظروف، ولا تجد الجماعة الصحفية أن في القانون الحالي ما يحتاج إلى تعديل، لاسيما وأنها تدرك خطورة تعديله، حيث التخوف دائماً من رفع مشروع قانون للبرلمان فيصدر قانونا على غير ما تريد، فأخذت بقاعدة أخف الضررين، فأيهما أولى: بقاء هذه النصوص البالية التي لا ترتب أوضاعاً مرفوضة، أم منح السلطة الفرصة للعبث والتلاعب؟!

لقد كانت هناك محاولة منفردة من قبل النقيب إبراهيم نافع في منتصف الثمانينات بتعديل قانون النقابة، وكان أن كلف الشؤون القانونية بمؤسسة الأهرام، بإعداد قانون جديد، فلم تطالع الجماعة الصحفية مشروع القانون، حتى توافدت لحضور ندوة حوله، اكتظت بها القاعة في المبنى القديم وحضر شيوخ المهنة ورموزها مثل نقيب النقباء كامل زهيري وصلاح عيسى، وندد الجميع بهذه المؤامرة، ووجد الأخير أن الاجتماع تجاوز الحضور المتعارف عليه للندوات، فهتف نعتبر هذا الحضور جمعية عمومية غير عادية وطلب موافقتها على عدم قبول أي تعديل  لقانون النقابة سواء مشروع نافع أو غيره، فكانت الموافقة بالإجماع ليتم القضاء على هذه المؤامرة مبكراً!

لقد كان هذا المحرض الرئيسي لهذا الحشد، هو النص في مشروع القانون الجديد على قبول العاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون، فكانت المؤامرة واضحة، فالهدف إذن هو إغراق جدول العضوية لتكون عقدة الأمر بيد وزير الاعلام، الذي قد يدفع بالمذيعة نجوى إبراهيم لتكون نقيبة للصحفيين.. هكذا كانت الدعاية ضده!

الآن صار للإعلاميين نقابتهم الخاصة، لكن تظل أهداف السلطة من تعديل قانون النقابة هي تأميم هذا الكيان بقانون بعد أن تم تأميمه في الحقيقة، وقد يكون النقيب هو صاحب مصلحة في ذلك من خلال رفع مدة ولايته من سنتين إلى أربع سنوات، ومن مدتين إلى مدد، والمعلن أن القانون لم يعد يساير العصر!

وعندما تسأل عن الجديد في هذا العصر، فسيكون الرد لأن قانون النقابة لا يسمح بقيد الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية، مع أن حل هذه المشكلة لا يحتاج الى تعديل  القانون الذي لم يشترط الشكل الورقي في تعريفه للصحف، ومن هنا يمكن اعتبار المواقع الالكترونية التي تبث بترخيص من المجلس الأعلى للإعلام  صحفاً، وقد لا يستدعي الأمر أكثر من تعديل في اللائحة توافق عليه الجمعية العمومية، أو بدون ذلك، لكن الامتناع عن هذا الحل، هو بهدف إيجاد مشكلة ليكون هناك مبرر منطقي لتعديل القانون القديم، والمشوه، والذي لم يعد يناسب العصر.

إن الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة