مقالات

محمد البرادعي يكتب للجزيرة مباشر: هل حانت لحظة التغيير في العالم العربي؟

البرادعي: عدم اليقين بشأن هويتنا هو رد فعل ونتيجة لعقود من سوء إدارة مقدراتنا من قبل حكام مستبدين (رويترز)
البرادعي: عدم اليقين بشأن هويتنا هو رد فعل ونتيجة لعقود من سوء إدارة مقدراتنا من قبل حكام مستبدين (رويترز)

في العالم العربي اليوم ظاهرة خطيرة لتصنيف هويات البشر من خلال بعد واحد، سواء كانت دينية أم طائفية أم عرقية أم قومية. وكثيرا ما نسمع أصواتا تقول إنه لا يوجد ما يسمى بالعالم العربي أو إن الدين الإسلامي هو هويتنا الوحيدة أو إن الاضطهاد الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني لا يخصنا.
وهذا الاضطراب وعدم اليقين بشأن هويتنا هو رد فعل ونتيجة لعقود من سوء إدارة مقدراتنا من قبل حكام مستبدين، كثيرا ما انغمسوا في صراعات على السلطة من أجل مصالحهم الشخصية وعلى حساب المصلحة العامة.

من المهم أن نبدأ في التفكير في إعادة ضبط مسارنا الحالي وتحديد اختياراتنا التي ستكون ذات أهمية جوهرية في رسم مستقبلنا

وقد ساهم هذا التوجه الخطير في النظر إلى الهوية في تآكل التماسك المجتمعي وتشرذم العالم العربي. كما زج بمناطق كثيرة منه في دوامة من العنف والبؤس. وللأسف فإن هذا التوجه مخالف تماما لواقع عالمنا اليوم، والذي يتسم بالحركة الدائمة للأشخاص والبضائع والأفكار والتبادل الحيوي بين الثقافات. ومن هذا المنطلق أصبحت الهوية متعددة الأبعاد ومركبة بشكل أكبر من ذي قبل. كما أن هناك جهودا حثيثة لإبراز القواسم المشتركة بين البشر والتقليل من أهمية الاختلافات وذلك بهدف تعزيز التعايش السلمي بين الشعوب والأمم.

ويعني هذا المنظور الجديد في فهم الهوية أن الشخص يمكن أن يكون مصريا قبطيا أو لبنانيا شيعيا أو عراقيا كرديا أو مغربيا أمازيغيا ومع ذلك فإن ما يجمعه مع غيره من المواطنين والجيران من قواسم مشتركة مثل اللغة والجذور والثقافة والتاريخ والجغرافيا يَجُب الاختلافات التي يمكن أن تكون موجودة. إن هذه الرؤية للهوية أساسية للحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي يجب أن نبنيه سويا.

في مناطق كثيرة من العالم العربي لم نتمكن حتى من التوافق على العقد الاجتماعي المطلوب الذي يحدد القيم والمبادئ الأساسية اللازمة لضمان التماسك الاجتماعي

ومن المهم في هذه اللحظة العصيبة التي يعيشها العالم بسبب الجائحة أن نبدأ في التفكير في إعادة ضبط مسارنا الحالي وتحديد اختياراتنا التي ستكون ذات أهمية جوهرية في رسم مستقبلنا. والسؤال هنا: هل من الأفضل من ناحية الأمن والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتقدم الحضاري والثقافي أن ننعزل في كيانات صغيرة ليس لديها مساحة كبيرة للمناورة مما يجعلها فريسة سهلة للمطامع الخارجية؟ أم إنه من الأفضل لنا النظر إلى نماذج مثل الاتحاد الأوربي وغيره من التجمعات الصاعدة الأخرى حول العالم؟
إن أعضاء هذه التجمعات السياسية والاقتصادية الكبيرة تدرك عن حق أن غالبية الأخطار التي تواجههم هي أخطار عابرة للحدود وأن أغلب التحديات والفرص أمامهم تتطلب العمل الجماعي.

وإذا انتهينا، كما آمل، إلى أن من مصلحتنا التقارب والعمل المشترك، فانه يجب علينا أولا أن نتوقف عن التستر على عيوبنا أو إلقاء اللوم على الآخرين. وبعدها نبدأ في حوار عميق ورصين تشارك فيه النخب المثقفة عبر العالم العربي سواء في الداخل أو الخارج، وهي النخب التي تم تهميشها إلى حد كبير. ومن أجل أن يكون لهذا الحوار جدوى وتأثير، فإنه يجب أن يشارك فيه كذلك المجتمع المدني الذي استبعد وقمع لفترات طويلة وذلك بهدف أن تكون الشعوب حاضرة في هذا الحوار.
ويجب أن يكون تركيزنا على أمهات الأمور: من نحن؟ وما هي عناصر أمننا القومي؟ وما الذي نرغب في تحقيقه وما هي أفضل السبل للوصول إلى ذلك؟

هناك أهمية قصوى لوجود نظام أمن إقليمي قائم بذاته يعتمد على أعضائه ويمكن الوثوق في قدراته لحمايتنا وحماية مصالحنا

إننا في مناطق كثيرة من العالم العربي لم نتمكن حتى من التوافق على العقد الاجتماعي المطلوب الذي يحدد القيم والمبادئ الأساسية اللازمة لضمان التماسك الاجتماعي. إن العلاقة الملتبسة في بعض الأحيان والمثيرة للجدل في أحيان أخرى بين الدين والأخلاق والقانون والتي تسببت في إثارة العديد من النزاعات والخلافات هي مثال واضح على هذا الأمر.

إن مثل هذا الحوار سيؤكد لنا أن الجامعة العربية، التي اعتبرت تجسيدا لهويتنا الرئيسية، قد أصبحت ميتة إكلينيكيا. كما سيوضح لنا أيضا أن نظام أمننا الإقليمي قد انقلب رأسا على عقب وأصبح يعتمد على الاستعانة بقوى خارجية في كثير من الأحيان. هذا بالإضافة بالطبع لما أظهره الربيع العربي من وجود حاجة ملحة لإصلاح أنظمة الحكم من حيث سيادة القانون والمشاركة السياسية وحقوق الإنسان. وسيكون من الواضح أيضا أننا أصبحنا في ذيل الركب من ناحية امتلاكنا للأدوات الأساسية للتقدم وهي العلم والتكنولوجيا والتعليم والبحث العلمي، وهو أمر غير مفهوم بالنظر إلى الموارد البشرية والمالية التي بحوزتنا.

إننا بحاجة ماسة إلى نظام ديمقراطي للحكم يتسم بالشفافية والمحاسبة يدعمه مجتمع مدني نشط. كما أننا بحاجة ماسة إلى أن نتعلم العيش معا داخل وعبر الحدود كأمة واحدة تقبل التعدد وتحترم الأقليات.

نحن بحاجة إلى اللحاق بالعالم الحديث عن طريق الاستثمار في مراكز التكنولوجيا المتقدمة وجامعات الصف الأول على مستوى العالم ومراكز الدراسات

إن هناك أهمية قصوى لوجود نظام أمن إقليمي قائم بذاته يعتمد على أعضائه ويمكن الوثوق في قدراته لحمايتنا وحماية مصالحنا. ويجب أن يكون هذا النظام قادرا على المبادرة في التعامل مع العلاقات المعقدة مع جيراننا. وفي هذا السياق فإن الحوار مع إيران وتركيا
اللتين نتشارك معهما في الكثير ونختلف معهما في الكثير هو أمر لا يحتمل التأجيل. كما أن من الأولويات الحيوية وجود استراتيجية موحدة وواضحة بشأن كيفية التعامل مع إنكار إسرائيل السافر للحقوق الفلسطينية.

البرادعي: يجب علينا أن نضع حدا للحروب العبثية وعمليات سفك الدماء المروعة التي تسحق شعوبنا

نحن بحاجة إلى اللحاق بالعالم الحديث عن طريق الاستثمار في مراكز التكنولوجيا المتقدمة وجامعات الصف الأول على مستوى العالم ومراكز الدراسات. نحن بحاجة لكي نصبح مساهما فعالا في الحضارة وليس مجرد مشاهدا سلبيا.

وأخيرا وقبل كل شيء يجب علينا أن نضع حدا للحروب العبثية وعمليات سفك الدماء المروعة التي تسحق شعوبنا ونسعى لحل خلافاتنا من خلال الحوار والتعايش المشترك. إن هذه الحروب ما زالت وصمة عار على ضميرنا الجمعي.

إنها بلا شك مهمة شاقة، لكن آمل أن يكون لدينا الشجاعة والحكمة للبدء في اتخاذ الخطوات الأولى. إن عملية الإصلاح التدريجي والشامل أمر لا مفر منه والوقت ليس في صالحنا إذا أردنا أن نتجنب المزيد من التدهور وخطر اندلاع قلاقل واضطرابات لا يمكن التحكم فيها.

المصدر : الجزيرة مباشر


حول هذه القصة

المزيد من مقالات
الأكثر قراءة