ما الذي يحصل في انتخابات الإكوادور؟

أجواء الانتخابات الرئاسية في الإكوادور
أجواء الانتخابات الرئاسية في الإكوادور

لم أكن أتوقّع أن يلتفت جانب من الإعلام العربي الى الإكوادور ولا الى انتخاباتها، باعتبارها بلدا نائيا وغير مُغرٍ للجمهور العربي، أمّا وقد حضرت ولو تحت عناوين موجزة ومعلومات متضاربة، فآن لي أن أدلي بدلوي كي أُساهم في تقديم تلخيص شامل ومبسّط لهذه الجولة الانتخابية بصفتي باحثة في الشأن الاكوادوري وشاهد عيان على الحدث.

قبل الخوض في التفاصيل، يجدر بنا أوّلا التعريف بأهم المرشحين الرئاسيين والتيارات السياسية التي يمثلونها ومعرفة سبب تأخر الإعلان الرسمي عن الفائز بالمرتبة الثانية إلى الآن، رغم أن عملية الاقتراع تمت يوم 7 فبراير/شباط الماضي. ذلك اليوم، دُعي 13 مليون اكوادوري لاختيار رئيس للبلاد و137 نائبا للبرلمان و5 نواب لبرلمان الأنديز (برلمان إقليمي). وكانت التوقعات تُجمع من البداية على فوز غير مُريح للاقتصادي أندراس أراوس، مرشح أنصار الرئيس السابق رافاييل كوريا، رائد تيار اشتراكية القرن الحادي والعشرين، النهج الاقتصادي السياسي الذي قاده الرئيس الفنزويلي السابق تشافيز ودعمه رؤساء سابقون وحاليّون في المنطقة أمثال: بوليفيا، البرازيل، الأرجنتين، الأوروغواي… وصدقت التوقعات بحصول أراوس على المركز الأول بـ 32.7% من الأصوات، لكنها نسبة تمنعه من حسم السباق منذ الجولة الأولى. أما المرتبة الثانية، فقد كانت محلّ تجاذب بين ياكو بيريز مرشّح السكان الأصليين ومرشح اليمين، عملاق المال غيارمو لاسو. وأهّلت عمليات الفرز النهائي اليميني لاسو للجولة الثانية، لكن خلافا حصل بشأن النتيجة سنشرحه تباعا.

تداولت بعض وسائل الإعلام الدولية خبر فوز مرشح السكان الأصليين بيريز، عندما صرّح هذا الأخير بتأهله للجولة الثانية، والحال أن التصريح صدر عند إعلان نتائج فرز 97% من الأصوات فقط، ومنحته  تقدما بفارق ضئيل. وتمهّل الإعلام المحلي و الشارع في مباركة هذا التصريح، لأن فرز ما تبقى من الأصوات كان يحتمل انقلاب الترتيب، نظرا لأنها متعلقة بمحافظة يمينية، وذلك ماحصل فعلا، وجعل اليميني لاسو يذلّل الفارق ويتفوق على مرشح السكان الأصليين، الذي احتجّ على ذلك وطالب بإعادة فرز 17 محافظة.

من المؤكد أن مطلبا مثل هذا سيثير استغراب غير الإكوادوريين وربما السخرية من سقف الطموح العالي لمرشح السكان الأصليين، لكن معرفة طبيعة المتنافسين وتفاصيل المعركة في حد ذاتها كفيل باستيعاب حجم الطلب الذي نال رسميا موافقة المجلس الوطني الانتخابي.

في المقابل، يمثّل ياكو بيريز مرشح السكان الأصليين، أملا وفرصة استثنائية لانتقام أنصاره من عقود من التهميش والعنصرية الفجّة

فالمرشح اليميني لاسو يمثّل في الواقع الطبقة الاجتماعية الإكوادورية التي ترى الحل لتقدم البلد في تبنى النظام الرأسمالي والانفتاح الاقتصادي وفتح الباب أمام قروض صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وترحب بالــ”رعاية” والتوجيه الأمريكي حتى وإن كلّف الأمر اختراق سيادة البلد. وبدون شكّ، يرى لاسو وأنصاره في الفائز بالمرتبة الأولى عدوّا لدودًا، باعتباره مرشح تيار الرئيس السابق رافاييل كوريا الذي امتنع خلال حكمه من 2007 حتى 2017 الاقتراض من صندوق النقد الدولي وتوجّه لبدائل أخرى من الشرق. إضافة الى تحدّيه الإدارة الأمريكية من خلال غلق قاعدتها العسكرية الوحيدة في الإكوادور وطرد السفيرة الأمريكية عند تأكده من ضلوع السفارة الأمريكية في دعم محاولة انقلاب عليه كادت تطيح به في 2010. إضافة إلى إصدار أمر لسفارة بلده في لندن بإيواء مؤسس شبكة ويكيليكس جوليان أسانج ومنحه الجنسية الاكوادورية، على إثر اتهام الإدارة الأمريكية له بالتجسس على أمنها، ونشره جانب من وثائقها السرية.

في المقابل، يمثّل ياكو بيريز مرشح السكان الأصليين، أملا وفرصة استثنائية لانتقام أنصاره من عقود من التهميش والعنصرية الفجّة للفوز بكرسي الرئاسة لأول مرة، وممارسة حقهم المشروع في حكم أرض سكنوها قبل الإسبان. وما يزيد من إصراراهم على فوز مرشحهم في هذه الدورة بالذات، هو الغنيمة التي حققوها في هذه الانتخابات التشريعية وفوز حزبهم باتشاكوتيك لأول مرة أيضا بـ 27 مقعدا من إجمالي 137 في البرلمان مقابل 12 مقعدا فقط لحزب منافسهم اليميني لاسو. بهذا المنطق يهرع السكان الأصليون الى تبني نظرية المؤامرة وتصديق مرشحهم الذي أقنعهم بأن منافسه تدخّل في عمليات الفرز وقلب النتيجة لصالحه، خصوصا وأن الرجل ذو نفوذ مالي وسياسي واسع.

لكن ما يرغب السكان الأصليون في  غض الطرف عنه، هو حقيقة أن أصواتهم مجتمعة لاتتجاوز مليون صوت من جملة 13 مليون، بمعنى أن التفسير الرياضي للنتيجة يُنصف منافسهم حتى في حال أضفنا لهم جزءا من أنصارهم الاكوادوريين غير الأصليين، إضافة الى وعي أغلبهم بأن ممثلهم بيريز لم يكن خيارا مُقنعا بالنسبة لهم لأسباب تاريخية، لكن اتحادهم والنتيجة التي وصلوها تجعلهم يتجاوزون اختلافاتهم معه، ويتمسكون بفرصة المرور الى الجولة الثانية وتحقيق الحلم من خلال الإصرار على مطلب إعادة الفرز.

في الحقيقة، يرى بعض العقلاء بين أنصار بيريز أن لغة التصعيد التي تبناها احتجاجا على انقلاب الترتيب في الدقائق الأخيرة، وطرحه مطلب إعادة الفرز من جهة وموافقة منافسه والمجلس الانتخابي على ذلك من جهة أخرى، سببا كافيا للتخلي عن نُصرته في الجولة القادمة لأن الأمر يُخفي صفقة بين أكثر من طرف، قبِل بها بيريز. وتسعى هذه الصفقة حسب البعض، الى إرضاء مرشح السكان الأصليين بيريز لغضب أنصاره من خلال إثبات نزاهة الفرز وحفاظه في نفس الوقت على صورة الزعيم المقاوم والعنيد في نظرهم. في المقابل، ودون إضاعة وقت أكثر، يترك لمنافسه أحقية مواجهة العدوّ المشترك أندراس أراوس مقابل ثمن هو الأعلم به.

لماذا يُصرّ لاسو على المجازفة والمرور للجولة الثانية. الجواب باختصار يعود في جانب منه الى العنصرية المقيتة

جدير بالذكر أن التوقعات تُجمع على أن مرور مرشح السكان الأصليين بيريز الى الجولة الثانية تجعله أقدر بكثير على التفوق على أراوس نظرا لقدرته على تجميع أصوات كافية للفوز من صفوف أعداء أراوس. في المقابل، يعجز المرشح اليميني لاسو عن ذلك باعتبار أن أعداءه يفوقون أعداء خصمه أراوس بكثير. ولسائل أن يسأل إذن: مادام التصويت في الجولة الثانية لبيريز أضمن من التصويت للاسو في مواجهة العدو المشترك أراوس، لماذا يُصرّ لاسو على المجازفة والمرور للجولة الثانية. الجواب باختصار يعود في جانب منه الى العنصرية المقيتة التي تحرك نفوس الاكوادوريين البيض، والتي لاتقبل بأي شكل بالقبول برئيس من السكان الأصليين مثلما كان الحال في بوليفيا. ومن ناحية أخرى، يبدو أن المرشح اليميني لاسو وبوصفه الحائز الوحيد على الدعم الأمريكي، مطمئن لفوزه في الجولة الثانية أيضا، عبر تنفيذ خطة مٌحكمة تضمن له مكافأة جديدة من الإدارة الأمريكية مقابل تعاونه المستمر معها والذي يعود الى سنة 1999، أيام كان وزير مالية في حكومة جميل معوض ونسّقا معا لاستغناء البلد عن عُملته المحلية واعتماد الدولار الأمريكي كعملة رسمية.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة