الأصوات المخنوقة في “سودان ما بعد الثورة”

عبد الفتاح البرهان

ثمّة نصيحة ساخرة يتبادلها الصحفيون في السودان، وهي إذا خرجت لتغطية المواكب الاحتجاجية على ما آلت إليه الأوضاع بعد انقلاب (البرهان – حميدتي) فحاول أن تتجنّب الأماكن التي يرتادها الناس عادة أو شوارع التظاهرات، فقد تعاجلك عبوة “بُمبان” تبتر يدك التي تكتب بها، أو رصاصة تمزّق لسانك، وتسلبك القدرة على الكلام، فلا تقوى بعد ذلك أن تتفوّه بكلمة، وتخبر الناس بحقيقة ما يجري، فزخّات الرصاص الطائش وكثافة الغاز المُسيل للدموع، والأصوات المخنوقة في “سودان ما بعد الثورة”، قصة حزينة تستحقّ أن تُروى.

الأثير الأسير

كانت “هلا 96” إحدى الإذاعات المألوفة، تعمل وفقًا للقوانين السارية والفضاء المفتوح، وهى أحد المنابر القليلة للمعرفة والوعي والدفاع عن خطّ الثورة، فجأة توقّفت بعد بيان البرهان، ومُنعِت من البثّ بصورة تعسّفية. عاد الدكتور عبد الله حمدوك رئيسًا للوزراء ولم تعد إذاعة “هلا”، حتّى إن الزملاء ابتدروا حملة تضامنية انطلاقًا من ذلك الصوت الإذاعي المكبوت “الأثير..الأسير”، فلم يتضامن معهم أحد من السياسيين، كما لو أن الحرّيات معركة خاصّة بقبيلة السلطة الرابعة فقط!

عالميًّا، حافظ السودان على مكانته في منتصف الدائرة الحمراء للحرّيات هذا العام، وحصل على الرقم “159”، ما يعني أن القوانين الوحشية التي استخدمها النظام القديم ضدّ وسائل الإعلام لا تزال سارية. والدائرة الحمراء إشارة إلى أن العمل الصحفي في البلدان التي تظلّلها خطير للغاية، أو يواجه صعوبات جسيمة، ليعيدنا ذلك إلى مخاوف القمع بعد الثورة، وغياب صوت الإعلام الحرّ.

انتهاكات مستمرّة

إذاعة “هلا” ليست وحدها بالطبع، فهنالك صحيفتان لم تعاودا الصدور بعد، وهما الديمقراطي والحداثة، بجانب توقّف قناتي أم درمان والشروق في وقت سابق بسبب الحرمان من الإعلانات، وغاب الرأي الأخر في خضم مارشات الإعلام الرسمي المُوجّه، ما يعني أن الجنرال ونائبه -ورئيس الوزراء كذلك- يفضّلون فقط سماع صدى أصواتهم، ولا ينبغي لأحد أن يعكّر مِزاجهم بـ(لا) الاعتراضية. وفي الوقت ذاته، يتعرّض الصحفيون السودانيون للتضييق والمعاملة السيّئة أثناء أداء واجباتهم المهنية، التي تصل إلى المنع والضرب والاعتقال أحيانًا، وهو -دون شكّ- أمر يثير القلق، ويبعث الشكوك حول طبيعة الإجراءات التي أعلنها قائد الجيش في 25 أكتوبر/تشرين الأوّل الماضي، ويُصنّفه في خانة الانقلاب العسكري لا وصف آخر، لأن الدولة المدنية بطبعها حفيّة بحرّية التعبير، تسمح بتدفّق المعلومات، ولا تضيق أبدًا بالنشر وتغطية الأحداث وإجلاء الحقائق أيًّا كانت، طالما أنها وفق الأعراف المهنية.

الانتهاكات الأخيرة الآخذة في الاتّساع، شملت إغلاق بعض إذاعات “إف إم”، وإخضاع العديد من المراسلين للتحقيق، وتعرّض أحد الصحفيين لرصاصة مطّاطية أثناء تغطية المظاهرات، وآخر للاعتقال، بجانب قطع خدمة الإنترنت في سائر البلاد عن جميع مواقع التواصل الاجتماعي، عدا الإنترنت الأرضي، بشكل حجب كثيرًا من المواقع الصحفية، وخنق الحقيقة التي يسعى الناس إلى معرفتها، قبل أن تعود تدريجيًّا، وقد تُقطع مرّة أخرى. إنها ردّة فظيعة عن مطالب الشارع، وعودة إلى ممارسات الأنظمة الاستبدادية، ولا يمكن بأيّ حال التسامح مع ذلك، خصوصًا بعد ثورة عظيمة توشّحت بالسلمية، وشهد لها العالم لفرط خصوصيتها، وشجاعة الجيل الذي نفّذها.

الذين بيدهم السلطة في دول العالم الثالث تحديدًا، سواء ارتدوا النياشين العسكرية أو ربطات العنق، تراهم أشدّ تبرّمًا بالرأي الأخر، ويفضّلون نوعًا من الإعلام فقط يمجّد الإنجازات الإدارية، ويعتّم على الواقع، ويخدع الناس، بل يستخدم مال الدولة في انتاج صور ومعلومات مُضلّلة، ومنع وسائل الإعلام من الوصول إلى لحقيقة، عدا تلك التي تريد السلطة التعبير عنها، وعادة يجري التحكّم في التقارير الإخبارية بطريقة أقلّ وضوحًا وأكثر مكرًا.

الإنترنت وحق المعرفة

ولعلّ أخطر ما في الأمر الآن هو حالة الجدل الصاخب بين الحكومة والشارع بشأن قطع خدمة الإنترنت الذي استمرّ نحو شهر، حيث زعمت السلطات أنه بات يهدّد الأمن القومي، ويثير الكراهية بين مكوّنات المجتمع السوداني، وهو ادّعاء مردود عليه، دون أن تنتبه لفوائد أخرى تتيحها تلك الخدمة، والضرر البالغ الذي أصاب الشركات وشرائح واسعة منحها الإنترنت فرصة مهمّة للعلم والعمل والتواصل مع الآخرين في أنحاء العالم، ودون ذلك يبقى السودان جغرافيًّا معزولًا منطويًا على مأساته في زمان الفضاءات المفتوحة، وكان من الممكن تلافي كل ذلك بسنّ قوانين تصون حقوق الأفراد والكيانات، بدلًا عن الحجب الكامل والهروب إلى الوراء.

بجانب ذلك -وهذه ملاحظة بدهية- فإن غياب خدمة الإنترنت والحصول على الصورة الكاملة عمّا يجري بعيدًا عن الأنظار، يثير السخط العام ويدفع الناس إلى التجمهر، أي “عندما لا توجد أخبار حقيقية، فإن الشائعات تأخذ المكان. وبالتالي، فإنه لا يوجد خطاب تخريبي ضدّ النظام فقط، وإنما يوجد أماكن للتجمّع الشعبي، تبدو في الوقت نفسه ذات أهمّية كبيرة من أجل توسيع هذا الخطاب” وفقًا للأمريكي جيمس سكوت.

ختامًا، فإن قضية الحرّيات لا ينبغي أن تشغل بال الصحفيين وأهل الإعلام وحدهم، فهي معركة سياسية ومجتمعية، وفضيلة تستوجب الاهتمام العام، واستفراغ الجهد الوطني وتعاون الجميع، من أجل ميثاق يحفظ قدسيتها ويُحصّنها من الانتهاكات، فبغير الحرّيات لا يكون الوطن، ولا معنى للثورة، ولا أمل في الديمقراطية.

المصدر : الجزيرة مباشر