قصّة المرأة التي فرّت من الصين!

جاء صوت صديقي القديم من أقصى الدنيا يعاتبني على ما كتبته في هذه الزاوية خلال الفترة الماضية، عن المشكلات التي تدور مؤخرًا في الصين. ذكّرني مُحدّثي عبر الهاتف من بيجين بتلك الأيام الخوالي التي قضيناها معًا في مدنها الساحرة ورحلاتنا العديدة بأقصي أركانها الشاسعة، وأحلامنا المشتركة بأن ينهض الشرق من أقصاه عند المحيط الهادئ، حتى تحطّ الشمس عند المغرب حيث المحيط الأطلسيّ.

عندما وجدتُ العتاب شديدًا، طلبتُ منه أن يكمل أطراف الحلم المشترك وهو “أن نصبح أحرارًا لا عبيدًا لحزب أو عسكر”. فكم تمنّيت مع صديقي -الذي أصبح ذا منصب حسّاس في الدولة والحزب الشيوعيّ- أن يقدّم الشعب الصينيّ القويّ معدنه نموذجًا ناجحًا، بعد المعاناة التي مرّ بها من حروب ومجاعات، قتلت عشرات الملايين منهم خلال القرن الماضي، فإذ بالحزب الحاكم، يقوده إلى الخلف، بما يهدّد أحبّاءنا الطيّبين هناك، وبخاصّة المسلمون الذي يعيشون تحت القمع والتطهير العرقي على مرأى ومسمع من العرب مِمّن يلوذون بالصمت، حتى أصبح النظام الصينيّ نموذجًا للأنظمة الديكتاتورية، وداعمًا لها بالمال والتكنولوجيا وأحيانًا بالسلاح، ويرعى مؤسّسات فساد خطيرة في أنحاء المعمورة.

دفعني الرجل إلى سؤاله عن مرشدته في الحزب الشيوعيّ كاي شيا (Cai Xia) بعدما علمتُ فرارها إلى الولايات المتحدة عام 2018، أثناء فترة اعتقالي لمدّة 29 شهرًا. هنا توقّف صديقي عن الكلام، لأنه يعلم أنه “في الصين شبكة الإنترنت مثل الحائط لها عيون وآذان”.

 محنة كاي شيا

أكملتُ قراءة الحديث الذي أدلت به كاي شيا لوكالة الأنباء الفرنسية، ونشرته مجلة (فورين أفيرز) الأمريكية في ديسمبر 2020 عقب فرارها، مع كونها نموذجًا فريدًا للقادة الشيوعيين الذين تشبّعوا بأفكار زعيم الثورة (ماو زي دونغ)، حتى أصبحت قائدًا عسكريًّا وأحد فلاسفة الحزب الذين يُعلّمون الكوادر المتوسطة والعليا وقادة المقاطعات والوزراء وأعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعيّ، النظرية السياسية الماركسية وتاريخ الحزب الصينيّ.

وُلِدت كاي شيا لأسرة عسكرية شيوعية في بداية الحرب بين حزب الكومينتانغ الذي يُمثّل القوميين الديمقراطيين والحزب الشيوعي، حيث كان جدّها ضمن قادة انتفاضة الفلاحين بقيادة (ماو). شارك والدها في الحرب لمقاومة الاستعمار الياباني، أثناء الحرب العالمية الثانية، وبعد سيطرة الشيوعيين على الحكم، تمتّعت “عائلتها الثورية” بمعاملة خاصة، جعلتها لا تعاني أبدًا المصاعب التي عاناها معظم الصينيين في عهد ماو، ناهيك عن عشرات الملايين من الناس الذين ماتوا جوعًا في مسيرة الوثبة العظيمة إلى الأمام.

آمنت كاي شيا -رغم جذورها البرجوازية- بالاشتراكية، بما جعلتها تحفظ عن ظهر قلب كلَّ ما ذُكِر في الكتب الماركسية اللينينية، وما قاله الزعيم ماو، وأصبحتْ “من المؤمنين المخلصين الذين يتمنّون أن يبنوا مجتمعًا شيوعيًّا خاليًا من الاستغلال والقمع يورّثونه لأبنائهم”. تصوّرت شيا -عند انضمامها إلى الجيش عام 1969، مع اندلاع الثورة الثقافية التي عانى الشعب ولاياتها- أن المجتمع المثاليّ سيتشكّل كما يقول الزعيم ماو، مع تطوّر الحرية وتوافر سبيل العيش الكريم للجميع، بما جعلها مؤمنة بأن الماركسية هي الحقيقة الوحيدة في الوجود.

عادت كاي شيا إلى الحياة المدنية عام 1978، حيث عملت بنقابة العمّال للحزب في مدينة سوتشو، ونظرًا لثقافتها الواسعة أصبحت مُعلّمة مرشدة بمدرسة الحزب المركزية في بيجين، التي تأتي على قمّة هرم النظام التعليميّ للحزب الشيوعيّ، يتخرّج فيها قادة المدن والمؤسّسات العامّة، ونخب الحزب وأعضاء المكتب السياسيّ، وهي المدرسة التي قادها (شي جين بينغ)، خلال الفترة من 2007 إلى 2012، قبل تولّيه رئاسة الدولة مباشرة.

“تعرّضتُ للصدمة التي عانيتُها وعشتُها في السر”.. هكذا تعترف كاي شيا التي حصلت على الدكتوراه في فلسفة الماركسية، عندما قتلت قوات الحزب الشيوعيّ آلاف الأشخاص من مؤيّدي الديمقراطية بميدان تيانامين في يونيو 1989. بدأت تفكّر كيف يطلق جيش التحرير الشعبيّ النار على طلّاب الجامعات بما “يتعارض مع فكرة أن الجيش الشعبيّ يحمي الأشخاص الذين قبلتهم حينما كانت طفلة، لأن الشياطين اليابانيين والرجعيين هم فقط مَن يقتلون الشعب”.

كتمت كاي شيا حسرتها، لأنها تعلم أن مدرسة الحزب المركزية، تنتشر بين جدرانها الكاميرات لمراقبة الأشخاص وتسجيل المحاضرات، التي يراقبها لحظيًّا المشرف على التدريس. وبدأت شيا تلحظ وجود تناقضات في أيديولوجية الحزب الشيوعيّ، مع توجّه (دنغ شياو بنغ) إلى الانفتاح الاقتصاديّ، وتطبيق مبادئ رأسمالية في إدارة سوق المال، وأخرى مع تعديلات دستورية أجريت عام 2004 على حماية حقوق الانسان والملكية الخاصّة، مع وجهة نظر الماركسية التي توجب إلغاء الملكية الخاصّة.

وقفت كاي شيا حائرة في كيفية تفسير وجهة نظر ماركس، بأن النظام الشيوعيّ يجب أن يلغي الملكية الخاصّة، في الوقت الذي تدرّس فيه تعليمات دنغ شياو بنغ بأن “يدع بعض الناس يصبحون أثرياء أوّلًا” من أجل تحفيز الشعب وزيادة الإنتاجية، بما لا يتفق مع وعد ماركس بالتوزيع الشيوعيّ عند الطلب.

تسرّب الشك إلى معتقداتها وهي المخلصة للحزب الشيوعيّ، بما دفعها إلى إعادة إجراء مناقشات واسعة حول “إنسانية الماركسية” مع عدد محدود من فلاسفة الحزب، الذين تمكّنوا من الكلام في الغرف المغلقة رغم حملات التضيق المستمر لمساحة الكلام، لتأكيد أن الغرض من الاشتراكية هو تحرير الأفراد، قبل أيّ شيء آخر”.

بدأت أفكار كاي شيا تتعارض بالتدريج مع المسؤولين عن الإعلام في الحزب، الذين يفضّلون إجراء المناقشات في أجواء حميمية، على قرع كؤوس النبيذ وأطيب الطعام، والحديث المُطوّل في القضايا الجنسية والقصص الفارغة، مع تفضيلهم أن تشاركهم في إعادة طبع الكتب الثقافية العتيقة في المطابع التي يديرونها لحسابهم، وتحقّق لهم أرباحًا مالية طائلة، دون البحث عن شروح “تسبّب لهم المتاعب وتضعهم تحت الرقابة الحزبية”.

جاء التحوّل الأكبر عندما سافرت كاي شيا في زيارة قصيرة إلى إسبانيا عام 2008، حيث سعت إلى معرفة كيفية انتقالها من نظام استبداديّ إلى ديمقراطيّ بعد وفاة الديكتاتور العسكريّ فرانسيسكو فرانكو عام 1975. لاحظت أن إسبانيا استكملت انتقالها الديمقراطيّ بسرعة وحقّقت الاستقرار الاجتماعيّ والازدهار الاقتصاديّ خلال ثلاثة عقود، بينما الصين لم تحقّق سوى انتقال جزئيّ من الاقتصاد المُخطّط إلى الاقتصاد المختلط دون تحقيق الحرّية السياسية.

تقول كاي شيا “علمتُ أنه بعد وفاة فرانكو توجّهتْ إسبانيا بسرعة مواتية إلى الإصلاحات، وعزّزت استقلال القضاء، ووسّعت حرّية الصحافة، بل ودمجت قوى المعارضة في عملية التحوّل السياسيّ. في المقابل، يَعُدُّ الحزب الشيوعيّ الصينيّ مطالبته بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية تهديدًا لسلطته، فهو يقمع المجتمع المدنيّ ويقيّد بشدّة حرّية الشعب”. ووجدتْ شيا أنه لعقود من الزمان، كان الحزب الشيوعيّ الصينيّ في مواجهة، ومن الصعب تخيّل إمكانية المصالحة، وأدركتْ من خلال زيارتها إلى إسبانيا أن الماركسية شديدة المركزية والقمعية التي ينادي بها الحزب الشيوعيّ، أيديولوجية ديكتاتورية، وأن الصين يجب أن تفتح الطريق أمام الديمقراطية.

السير في الاتجاه المعاكس

واجهت كاي شيا مشكلة، حيث كان الرئيس السابق (هو جينتاو) يسير في الاتجاه المعاكس، رافضًا الحرّية السياسية خوفًا من أن تجلب عليه مشكلات صعبة. وتعرّضت شيا لِما خضنا فيه من حديث مع أصدقائي الصينيين، عندما تقابلنا في القاهرة مرّات عدّة، ودعوني إلى إلقاء محاضرات أمام طلّاب جامعتَي بيجين ونانكاي عام 2012، أثناء اعتلاء شي جينبنغ قيادة الحزب الشيوعيّ، فحلمنا بأن يتجه (شي) إلى مواجهة القضايا الصعبة، خاصّة أن والدها من القادة الكبار الذي دعوا إلى الإصلاح في بداية وصول الشيوعيين للحكم، بما له من نزعة ليبرالية يعرفها جيل الآباء الأوائل للثورة.

اعتقدت كاي شيا أن (شي) يملك عقلية إصلاحية تقدّمية، مُعترضًا على رأي لأحد أصحابه، الذي قال “إن شي يفتقر إلى الحكمة والمنطق في خطابه”، حتّى وجد ما يخالف شعوره، مع إطلاق شي أكبر حركة أيديولوجية منذ وفاة ماو زي دونغ، لإحياء الحكم الماوي. وتدعو خطة شي إلى قمع حرّية التعبير وتعزيز قبضة الحزب على المجتمع، “وبوقاحة يحظر أيّ نقاش بشأن الديمقراطية الدستورية والقِيم العالمية”، وأصدر عددًا من القوانين عام 2014 “فضحت نيّة الحزب الشيوعيّ في الحفاظ على الحكم الشموليّ، جاعلًا القانون أداةً للقمع والاستبداد”.

لم أتابع حال صديقي على الهاتف، بعد أن سرحتُ في قراءة الحوار المُطوّل للدكتورة (كاي شيا)، فقط ذكّرته بأن هذه المرشدة المُلهِمة كفرت بمبادئهم، وفرّت بجلدها بالبقاء في الولايات المتحدة، تاركة خلفها عائلتها وكلَّ أملاكها مثل الكثيرين من نظرائها، لأن النظام الشيوعيّ الفاشل هو والعسكر سواء، يفتقد أبسط قواعد الإنسانية، وهي الحرّية، بعد أن أيقنتُ أن الخبز وحده لا يكفي.

 

المصدر : الجزيرة مباشر