بعض الأخلاق الحسنة ليهود المدينة!

KARS, TURKEY - NOVEMBER 18: Full moon appears behind a minaret of a Mosque in Kars, Turkey on November 18, 2021. ( Hüseyin Demirci - Anadolu Agency )

يتّسم حديث القرآن الكريم والسُّنّة النبوية عن الخصم بالإنصاف، فهو لا يُعمّم، حتى لو كان عدوًّا شرسًا في عداوته للإسلام، لكنه يتخلّق بأخلاق حسنة أو ببعضها، ترى الإسلام يشير إلى ذلك، فالقرآن في حديثه عن غير المسلمين أو أعداء الإسلام، يتحدّث بإنصاف، وتجد كل آية فيها (ومِن) أو (ومِنهم) تدل على عدم التعميم، أي إنهم ليسوا جميعًا على صفات واحدة. يقول الله تعالى: {ليسوا سواءً مِنْ أهلِ الكتابِ أمّةٌ قائمة} (آل عمران: 113)، ويقول: {ومِنْ أهلِ الكتابِ مَنْ إن تأمنْهُ بقنطارٍ يُؤدِّهِ إليكَ، ومِنهم مَنْ إن تأمنْهُ بدينارٍ لا يُؤدِّهِ إليكَ إلا ما دُمتَ عليهِ قائمًا} (آل عمران: 75).

والمُتأمّل في كتب السيرة والسُّنّة النبوية، سيجد مواقف كثيرة لليهود مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإن كان الظاهر والأبرز هو العداء، وهي حقيقة، فقد تبنّى يهود المدينة موقف العداوة للنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ودعوته منذ وطئت قدمه المدينة المنوّرة، رغم يقينهم بصدق كلامه، ومعرفتهم برسالته ونبوّته، واتّسمت العلاقة بالهدوء في أحايين، والحرب والعداوة معظم الوقت، ومع ذلك فهناك نقطة دوّنتها كتب السيرة ولم تُخفِها -من باب الإنصاف- أظهرت أخلاقًا حسنة لليهود، رغم أنها كانت تبرز في سياق العداوة والحرب، وهي إن دلّت فتدل على أن الأخلاق لا تنعدم تمامًا من الناس، حتى لو كانوا أعداءً للإسلام، وقد تجد بداخل الإنسان نفسه أخلاقًا سيّئة، وأخرى حسنة.

كعب بن الأشرف وجسارته

مِن هؤلاء، موقف كعب بن الأشرف، وهو أحد أشراف اليهود وسادتهم، وكان واضحًا في عدائه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكثيرًا ما ألّب عليه القبائل لحربه، وأعان على حروب خصومه، فخرج بعض الصحابة لقتله، لكثرة المؤامرات التي دبّرها ضد المسلمين في المدينة، رغم الوثيقة التي كانت بين اليهود والنبي صلّى الله عليه وسلّم، فذهب إليه بعض الصحابة، ومنهم أخ لكعب في الرضاع، وهو أبو نائلة، فلمّا وصلوا إلى بيته، تقول كتب السيرة:

(لمّا انتهى هؤلاء إلى حصن كعب هتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفة له، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إلى أين في مثل هذه الساعة؟ فقال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائمًا أيقظني. فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر، فقال لها كعب: لو دُعِي الفتى إلى ‌طعنة ‌لأجاب، ثم نزل).[1]

وفي رواية أخرى: (فوثب كعب من ملحفته، فتعلّقت امرأته بناحية ثوبه، وقالت: إني لأرى حُمرة الدم في هذا الصوت، فقال: دعيني، فلو دُعِي ابن حرّة بليل إلى ‌طعنة ‌لأجاب، فنزل إليهم، فأخذ سلكان تحت كشحة بداسه، وضربوه بأسيافهم).[2]

وفي رواية ثالثة: إن الكريم لو دُعِي إلى ‌طعنة ‌لأجاب.[3] وهي كلّها تؤدّي إلى معنى واحد، أن امرأته كانت تشعر بأنه سيُقتل، وحذّرته من ذلك وخوّفته، ومع ذلك أخبرها أنه لا يليق بسيّد في قومه، حتى لو كان مَدعوًّا لمصرعه، أن يجبن ويخاف، فوردت عنه الكلمة بثلاث روايات: إن الفتى لو دُعِي إلى طعنة أجاب، وإن ابن حرّة لو دُعِي إلى طعنة أجاب، وإن الكريم إذا دُعِي إلى طعنة لأجاب.

يهوديّ يفضّل الموت بعد قتل أسياده

ومن المواقف التي يقف أمامها القارئ للسيرة، عندما خانت بنو قريظة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وتعاونوا مع الأحزاب، وحاصرهم مدّة، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، وقد حكم على كل مَن خان بالقتل، وهو ما يُعرف في حياتنا المعاصرة باسم الخيانة العظمى، وقد ارتكبوها، ومع ذلك حدث لأحد اليهود -واسمه الزبير بن باطا- موقف غريب، وقد ذُكِرت قصته، كما يلي:

(كان فيهم رجل يقال له الزبير بن باطا، فكلّم ثابت بن قيس بن شماس رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في أمره، فقال: إن الزبير بن باطا له عندي يد، وقد أعانني يوم بُعاث، فهَبْهُ لِي يا رسول الله حتى أعتقه. فقال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “هُوَ لَكَ”. فجاء إليه. فقال: يا أَبا عبد الرحمن أتعرفني؟ قال: نعم، وهل يُنكر الرجل أخاه، أنت ثابت بن قيس. قال: أتذكر يدًا لك عندي يوم بُعاث؟ قال: نعم، إن الكريم يجزي باليد، فاجزِ بها. فقال: قد وهبك النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لي، وقد أعتقتك. قال: شيخ كبير لا أهل له كيف يعيش؟. فجاء ثابت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكلّمه في أهله، فقال: “لَكَ أهْلُه”. فجاء إليه. فقال: قد وهب لي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أهلك فهي لك. فقال: شيخ كبير أعمى وامرأة ضعيفة، وأطفال صغار لا مال لهم كيف يعيشون؟ فقام ثابت إلى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يسأله ماله. فقال: “لَكَ مالُه”. فجاء إليه. فقال: قد وهب لي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- مالك لي فهو لك. فقال: فما فُعِل بكعب بن أسد الذي وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي؟ قال: قُتِل. قال: فما فُعِل بعزاز بن سموأل مُقدَّم اليهود إذا حملوا وحاميهم إذا انصرفوا؟ قال: قُتِل. قال: فما فُعِل بسيّد الحاضر والبادي حُيَيّ بن أخطب، يَحملهم في الحرب، ويُطعمهم في المحل؟ قال: قُتِل. قال فما فُعِل بفلان وفلان؟ قال: قُتِل. قال: فقال يا ابن الأخ لا خير في الحياة بعد أولئك ألا أصبر فيه قدر فراغ دلو ماء حتى ألقى الأحبّة. قال أبو بكر: ويلك يا ابن باطا، والله ما هو إفراغ دلو ماء، ولكنه عذاب الله أبدًا. يا ابن الأخ قدّمني إلى مصارع قومي، فاضرب ضربة أجهز بها، وأرفع يدك عن العصام، وألصق بالرأس. فإن أحسن الجسد أن يكون فيه شيء من العنق. فقال ثابت: ما كنت لأقتلك. قال: ما أبالي مَن قتلني. فتقدّم رجل مِن أصحاب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فضرب عنقه).[4]

فالمُتأمّل لهذا الرجل وموقفه، لقد كان جزاؤه الإعدام لمشاركته في الخيانة، وطلب العفو، ورُدَّ المال إليه وأهله وبيته، وقد تم له ما أراد، ثم لمّا علم أن سادته وقد ذكر كل سيّد بما يذكره له من خير في قومه، فلمّا علّم بموتهم جميعًا، أبى أن ينعم بالحياة بعدهم وجده، سواء اتفقت أو اختلفت في موقفه، لكنه لم يفعلها إلا عن وفاء من وجهة نظره، وهو ما أنكره عليه أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، لعدم فهمه مآل ما يفكّر به.

قادة يهود المدينة عند الإعدام

ومن المواقف التي نقف أمامها كثيرًا، أحوال بعض قادة اليهود وسادتهم، عند حكم الإعدام عليهم للغدر والخيانة بدولة المدينة، وهي آخر عبارات لهم قبل موتهم، تقول كتب السيرة:

(ولما جيء بعدوّ الله حُيَيّ بن أخطب، قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “ألم يُمكّن الله منك يا عدوّ الله؟”، فقال: بلى! والله ما لُمتُ نفسي في عداوتك، ولقد التمستُ العزّ في مظانّه، وأبى الله إلا أن يُمكّنك مني، قلقلت كلّ مقلقل، ولكنه من يخذل الله يُخذل. ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس! لا بأس بأمر الله، قدر وكتاب، ملحمة كُتبت على بني إسرائيل! فأمر فضُربت عنقه).[5]

(وأتي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بكعب بن أسد مجموعة يداه إلى عنقه، وكان حَسَن الوجه، فقال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم: “كعب بن أسد؟”. قال كعب: نعم يا أبا القاسم. قال: “وما انتفعتم بنصح ابن خراش، وكان مُصدّقًا بي، أما أمركم باتّباعي، وإن رأيتموني تُقرئوني منه السلام؟”. قال: بلى، والتوراة يا أبا القاسم، ولولا أن تُعيّرني اليهود بالجزع من السيف لاتبعتك، ولكني على دين اليهود. قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: “قدّمه فاضرب عنقه”، فقدّمه فضُرب عنقه).[6]

فموقف قادة اليهود هنا واضح في اعترافهم عند القتل، بأنهم مخطئون، وأنهم يتقبّلون العقوبة عن استحقاق، ولكن دون جزع أو تراجع، وأن الحق والنصر كان حليفًا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصحابته، وهو ما يتضح من كلماتهم قبل تنفيذ الحكم فيهم.

ولا نجد هذا الموقف فقط عند رجال اليهود الذين ذكرناهم، بل تذكر كتب السيرة والسُّنّة، عن بعض نساء اليهود كذلك، فمنهم امرأة اسمها: نباتة، وقد غرّر بها زوجها لفعل جريمة القتل بأحد الصحابة المسلمين، وهو سيّدنا خلاد بن سويد، والقصة كما يلي:

(قالوا: وكانت امرأة من بني النضير يُقال لها نباتة، وكانت تحت رجل من بني قريظة فكان يحبّها وتحبّه، فلما اشتد عليهم الحصار بكت إليه وقالت: إنك لمُفارقي. فقال: هو والتوراة ما ترين، وأنت امرأة فدلّي عليهم هذه الرحى، فإنا لم نقتل منهم أحدًا بعد، وأنت امرأة، وإن يظهر محمد علينا لا يقتل النساء. وإنما كان يكره أن تُسبى، فأحب أن تقتل بجرمها. وكانت في حصن الزبير بن باطا، فدلّت رحى فوق الحصن، وكان المسلمون ربّما جلسوا تحت الحصن يستظلّون في فينه، فأطلعت الرحى، فلما رآها القوم انفضّوا، وتدرك خلاد بن سويد فتشدخ رأسه، فحذر المسلمون أصل الحصن. فلمّا كان اليوم الذي أمر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أن يُقتلوا، دخلت على عائشة فجعلت تضحك ظهرًا لبطن وهي تقول: سراة بني قريظة يُقتلون! إذ سمعت صوت قائل يقول: يا نباتة. قالت: أنا والله التي أدعى. قالت عائشة: ولم؟ قالت: قتلني زوجي، وكانت جارية حلوة الكلام. فقالت عائشة: وكيف قتلك زوجك؟ قالت: كنت في حصن الزبير بن باطا، فأمرني فدلّيت رحى على أصحاب محمد فشدخت رأس رجل منهم فمات وأنا أقتل به. فأمر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بها فقُتلت بخلاد بن سويد. قالت عائشة: لا أنسى طيب نفس نباتة وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تُقتل).[7]

ومن الحالات الفريدة التي تجدها في باب العقوبات بشأن الزنى، أنه من النادر أن تجد عند العقوبة أن يدافع الزاني عن التي زنى بها، بل عند تنفيذ العقوبة يُلقي كل طرف على الآخر باللوم، وأنه المُتسبّب، لكنا نجد في السُّنّة النبوية حالة رجم ليهودي زنى بيهودية، وقد جاء اليهود يُحكّمون النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فيهما، لعل العقوبة تخف، ونص الحديث:

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أتي النبي -صلّى الله عليه وسلّم- برجل وامرأة من اليهود قد زنيا، فقال لليهود: “ما تصنعون بهما؟”، قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما، قال: {فأتوا بالتوراةِ فاتلوها إن كنتم صادقين} (آل عمران: 93)، فجاءوا، فقالوا لرجل مِمّن يرضون: يا أعور، اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، قال: “ارفع يدك”، فرفع يده فإذا فيه آية الرجم تلوح، فقال: يا محمد، إن عليهما الرجم، ولكنا نكاتمه بيننا، فأمر بهما فرُجما، فرأيته ‌يجانئ ‌عليها ‌الحجارة”.[8]

لقد قام اليهودي الزاني بحماية المزنيّ بها يحاول أن يحميها من الحجارة عند رجمهما، كما شرحت ذلك كتب السُّنّة توضيحًا لمعنى كلمة: (يجانئ عليها الحجارة)، فقالوا: إنه أحنى بظهره عليها حتى لا تصيبها الحجارة.[9]

المقصود من الأحداث التي ذكرناها، أنه رغم بيان سوء أخلاق العدوّ، فإن القرآن الكريم والسُّنّة النبوية وكتب السيرة لا تغفل فضائله، ولا تغضّ الطرف عن محاسنه،، بل تذكرها، فرغم عداوته لكن ذلك لا يمنع من ذكر حقائقه الأخلاقية السيّئة والحسنة معًا.

———–

[1] عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (17/342) والمطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر (14/277).
[2] البدء والتاريخ لابن طاهر المقدسي (4/197).
[3] المطالب العالية (17/342).
[4] سيرة ابن هشام (2/242) وتفسير السمرقندي (3/75).
[5] إمتاع الأسماع للمقريزي (1/251).
[6] المغازي للواقدي (2/516).
[7] المغازي للواقدي (2/517).
[8] رواه البخاري (7543).
[9] التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (33/546) وعمدة القاري (25/192).

المصدر : الجزيرة مباشر