الديمقراطية الغائبة.. وقاعدة السمع والطاعة في مدارس العرب

بلادنا العربية -في غالبها- تعاني افتقادا للديمقراطية والحكم الرشيد، مقابل استئثار الحاكم الفرد بشؤون الدولة وتسييرها وفق رؤيته، بينما يتم تغييب الشعوب عن صناعة القرار، وتهميش “المؤسسات” التشريعية والرقابية والتنفيذية، وتحويلها إلى ديكورات للتزيّن والتباهي.

ففي الجمهوريات -إلا نادرًا- يتم الاكتفاء من الديمقراطية بالانتخابات بعد هندستها عبر اللوائح والنظم الانتخابية، كي تُفضي إلى نتائج شبه محددة سلفا، ومرغوبة لنظام الحكم القائم في الدولة، وهي في ذلك لا تختلف كثيرا عن الملكيات وإن بصيغ مختلفة.

انتكاسات الربيع العربي والخصام العنيد للديمقراطية

ولم تفلح الموجة المصطلح على تسميتها “ثورات الربيع العربي” التي اندلعت شرارتها من تونس (17 ديسمبر/كانون الأول 2010) في تغيير الواقع وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية.. بل العكس هو الذي جرى، بالتراجع الذي نشهده متواليًا إلى الأسوأ، ولعل ما يجري حاليا في السودان وتونس من ردة إلى ما قبل الربيع العربي خير شاهد.

وقد تعددت التحليلات وتنوعت القراءات للانتكاسات التي أصابت هذه الثورات -أو لنقل الانتفاضات- بالنظر إلى “النتائج”، كونها لم تسفر عمليا عن تغير شامل للبنية الاجتماعية في بلادنا العربية.. هذه الانتكاسات لم يمنعها وجود نخب سياسية وثقافية قوية وقائدة.

لعل من القصور في التعاطي مع الخصام العنيد لعالمنا العربي مع الديمقراطية وهجرانها، اختزال الأسباب في الأنظمة الحاكمة وممارساتها، أو القوى السياسية والأحزاب، والمؤسسات المعنية والأداء السيئ لها، أو غيابها كلية وانفراد الحكام أو الحكومات بشؤون البلاد في غيبة شعوبها.

الديمقراطية وجناحاها السياسي والاجتماعي

إذ علينا الانتباه إلى أن للديمقراطية جناحين، أحدهما سياسي والآخر اجتماعي، فالإنسان هو “كائن اجتماعي”، ومن ثم فالديمقراطية بمعناها الواسع ليست مجرد إجراءات وانتخابات وممارسات، بل هي حزمة من السلوكيات تحركها اتجاهات وقيم وأساليب للتفكير.

لذا تكون الحاجة ملحّة إلى استدعاء “التربية” وتفعيل دورها في هذه القضية، إذ هي المنوط بها إكساب “الفرد” القيم والمبادئ وأنماط التفكير والتفاعل اللازمة كي يكون مؤمنا بالديمقراطية ساعيا إليها، متمسكا بها وحارسا لها وفاعلا لترسيخها.

وما دام الشعب هو مجموع الأفراد الذين يعيشون في بقعة ما من الأرض، فيكون مهما أن تتم تربية النشء ديمقراطيا من خلال المؤسسة التعليمية الرسمية (المدارس) لأن هذا النشء هو نفسه المكون لمجتمع الغد.. إذ يقع الدور الأكبر على المدرسة في تكوين اتجاهات الفرد وقيمه وأفكاره، من خلال المقررات التعليمية وطريقة تدريسها، وأسلوب تعاطي المعلم مع الطفل، كونها المؤسسة التعليمية الرسمية التي يتم من خلالها ما يُسمى “التربية المقصودة” أي التربية المخططة واضحة الأهداف والمعالم.. وهذا بالطبع لا ينفي دور البيت والأسرة.

المجتمع ومدرسة جون ديوي

ذلك أن فيلسوف التربية وعالم النفس والمربّي الأمريكي جون ديوي (1859- 1952) -وكان مشغولا بقضية الديمقراطية وله أثره البالغ في الريادة الأمريكية للعالم- يرى أن المجتمع الديمقراطي يلزمه أن تكون “المدرسة” ديمقراطية، التي هي في رؤيته التربوية مؤسسة اجتماعية مصغرة تعكس صورة “الحياة الاجتماعية”.

أي أن تتولى المدرسة تربية الطفل ديمقراطيا، بتنمية مهاراته في التفكير الناقد، وإتاحة الفرصة له للمشاركة والتعاون مع الآخرين، والتنافس الإيجابي والتفاعل مع البيئة المحيطة به من خلال البرامج الدراسية والأنشطة، واتباع أسلوب التفكير العلمي في معالجة المشكلات، بما يجعله متقبلا للآخر ولفكرة التعايش، ومدركا لحقوق الإنسان والتعددية، ليكون في النهاية مواطنا ديمقراطيا في قيمه واتجاهاته وممارساته في الواقع المَعيش.

قاعدة السمع والطاعة وطرق التدريس وتسلط المعلم

عمليا ومنطقيا، لا يمكن لـ”مجتمع ما” في بلادنا العربية أو غيرها، التحول بين عشية وضحاها من نظام الحكم الفردي المطلق إلى نظام ديمقراطي.. إذ إن أفراد مثل هذا المجتمع يتعلمون في المدارس عبر “طرق تدريس” رتيبة وقديمة عفا عليها الزمن، يؤدي فيها المعلمون الدور الإيجابي الأكبر، وبعضهم غير مؤهل أصلا، ويعاني تدني راتبه وجموده المهني، وهذا إن كان العدد الكافي من هؤلاء المعلمين متوافرا.

أضف  إلى ذلك، أن طرق التدريس الغالبة المعمول بها في مدارسنا (مدارس العرب) تقوم على تحكم المُعلّم وسيطرته، وإرهاق “الفرد المتعلم” بكم من المعلومات والواجبات ليست بالضرورة ذات فائدة تربوية، وذلك بأسلوب “الحفظ والتلقين”.. ثم عليه استدعاء ما حفظه في الاختبارات، ليكون معيار النجاح والتقدم التعليمي هو مدى القدرة على الاسترجاع بعد الحفظ.  هذه “الطريقة التدريسية” تهتم فقط بتنمية ملكة “التذكر” دون تربية الطفل على تشجيع التفكير التحليلي والناقد، ومعالجة المعلومات وحل المشكلات والاستنباط والاستقراء.. لتكون هذه الطريقة في حقيقتها تربية لـ”الطفل المتعلم” على قاعدة “السمع والطاعة” والانقياد الأعمى.. ناهيك عن تربية النشء على أن حب “الحاكم” والولاء له هو معيار الوطنية ومقياسها، باعتباره تجسيدا للوطن ورمزا له.

إدارة مركزية مسيطرة والوزير وقرارات تعليمية فوقية

“المعلم” -إذن- في مدارسنا هو ديكتاتور مسيطر متسلط مع المتعلم منذ فجر طفولته، فهو بدوره خاضع أيضا لتسلط وتحكم إدارته التعليمية، وهذه الإدارة خاضعة لإدارات مركزية أعلى أكثر سيطرة وتشددا في التسلط.

وهكذا، نكون بصدد سلسلة من المستويات الإدارية تنتهي عند الوزير الذي يدير شؤون التعليم في الدولة بقرارات فوقية، في غيبة المعنيين بالعملية التعليمية من أولياء الأمور والمعلمين، ودون دراسة علمية أو عملية لاحتياجات المتعلمين العقلية والبدنية والوجدانية، فتتغير المقررات الدراسية وتزيد أو تنقص، بقرارات غالبا ما تكون عشوائية ضبابية في أهدافها التربوية.. فكيف تكون المدرسة ديمقراطية في هذه الأجواء إذا كان المعلم نفسه غير ديمقراطي ومُهمّشا في القرار التعليمي.

الجماهير الواعية والتعليم والمدرسة الديمقراطية

معلوم حتما أن النخب السياسية والثقافية القوية يمكن أن تؤدي دورا حيويا وقياديا في التغيير والتحول الديمقراطي، لكن تظل الجماهير هي القوة الحقيقية والفاعلة والمُحركة للتغيير حينما تريد، كما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي (1909- 1934): “إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياةَ، فلا بدَّ أن يستجيبَ القدر.. ولا بدَّ لليلِ أن ينجلي، ولا بدَّ للقيدِ أن ينكسر”.. بشرط أن تكون هذه الجماهير “واعية” مؤمنة بالديمقراطية وتربّت على قيمها.

على النخب السياسية والثقافية السعي إلى بناء المجتمع الديمقراطي، بالاهتمام بأن يكون التعليم هو المدخل، من خلال “المدرسة الديمقراطية” التي يمكنها تنشئة أفراد المجتمع ليكونوا توّاقين إلى الحرية والديمقراطية وحراسا لها وساهرين على حمايتها، وليس المدرسة القائمة على الحفظ والتلقين التي تنتج أفرادا يسهل انقيادهم بالسمع والطاعة.. إذ المعلوم أن التعليم هو المدخل الصحيح والناجز لأي إصلاح أو تغيّر مجتمعي منشود ومرغوب.

المصدر : الجزيرة مباشر