التحقيقات بشأن هوية موظفي بلدية إسطنبول هل تُنهي تحالف الأمة المعارض؟!

وزير الداخلية التركي سليمان صويلو

صدمة قوية وقلق بالغ يعيشه تحالف الأمة التركي المعارض بسبب إعلان وزارة الداخلية عن قيامها ببدء حملة تفتيش أمنية واسعة النطاق لمراجعة ملفات مئات العاملين بشكل مباشر أو عبر شركات تعمل لصالح بلدية إسطنبول الكبرى، بتهمة الانتماء إلى تنظيمات إرهابية مختلفة أبرزها تنظيما حزب العمال الكردستاني، والخدمة التابع لفتح الله غولن.

وبغض النظر عن الهدف الفعلي الذي يسعى لتحقيقه وزير الداخلية سليمان صويلو من وراء هذه الحملة، سواء أكان سياسيًّا كما يدّعي البعض، أم أمنيًّا في إطار مكافحة الإرهاب كما يؤكد هو، فإن المؤكد أن ما سيتم اكتشافه من حقائق أو ما سيفصح عنه من أسماء وشركات لها علاقة بالتنظيمين المذكورين لن يكون في صالح أحزاب المعارضة المنضوية في تحالف الأمة.

ورغم أن المقصود بهذه الحملة في الأساس هم مسؤولو بلدية إسطنبول الكبري المنتمون إلى حزب الشعب الجمهوري وعلى رأسهم أكرم إمام أوغلو رئيس البلدية، إلا أن الأزمة في الحقيقة ستشمل جميع أحزاب التحالف خاصة حزبي الجيد والشعوب الديمقراطي.

إمام أوغلو والتنصل من المسؤولية

لا ينكر إمام أوغلو حقيقة قيامه بتعيين الآلاف من مؤيدي الأحزاب التي دعمته خلال الانتخابات البلدية التي فاز فيها برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، ومنهم بطبيعة الحال منتمون إلى حزب الشعوب الديمقراطي الكردي -وتعدّه الحكومة الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني الانفصالي الذي يخوض حربًا ضد الدولة التركية منذ ثمانينيات القرن الماضي- لكنه يحاول عبر تصريحاته وتغريداته على مواقع التواصل الاجتماعي التنصل من مسؤوليته المباشرة عن هذه القضية عبر إلقاء كرة اللهب المشتعلة في ملعب وزارتَي العدل والداخلية بحكم كونهما الجهتين الرسميتين اللتين تمنحان الموافقة على التعيين داخل مؤسسات الدولة.

قياديو حزب الشعب الجمهوري يرون أن ما قام به إمام أوغلو من تعيين نحو 33 ألف موظف داخل بلدية إسطنبول -رغم عدم تأكده من هويتهم وخلفياتهم السياسية- يتوافق تمامًا مع سياسة الحزب الرامية إلى زيادة حجم التعاون بينه وبين حزب الشعوب الديمقراطي الذي يمثل الأكراد في تركيا، طمعًا في الحصول على أصوات تلك الشريحة الكبرى التي تؤيده، وهي السياسة التي خرجت إلى العلن مؤخرًا، ودفعت الحزب إلى تغيير العديد من مواقفه السابقة في قضايا حيوية تمس الأمن القومي، خضوعًا لرغبة حليفه الجديد (الشعوب الديمقراطي) الذي عدّ هذا التغيير وما يستتبعه من مواقف سياسية بالون اختبار لنيّات (الشعب الجمهوري) ولسياسة التقارب الجديدة التي ينتهجها معه.

وإذا كان الشعب الجمهوري يسعى وراء أصوات الأكراد من خلال تحالفه مع حزب الشعوب الديمقراطي، فإن للأخير هدفًا وحيدًا يتمحور حول المشاركة في السلطة وإدارة البلاد، الأمر الذي قد يمنحه الحق في السيطرة التامة على مناطق جنوب شرقي تركيا ذات الأغلبية الكردية، وبالتالي فإن تعيين عدد من الأشخاص الذين ينتمون إليه داخل بلدية إسطنبول مجرد خطوة على الطريق، وقطف لأولى ثمار هذا التحالف التي لن يقبل المساس بها أو التخلي عنها مهما كانت العواقب.

حزب الجيد والوقوف عاجزًا

وما بين جمع الأصوات والمشاركة في السلطة ضمن أهداف محددة للحزبين سالفَي الذكر، يقف حزب الجيد الشريك في تحالف الأمة موقفًا لا يُحسد عليه، فأقل ما يوصف به موقفه حاليًّا هو “العجز” إذ إنه من جهة يرفض علنًَا التحالف مع الشعوب الديمقراطي الذي يضعه في دائرة واحدة مع العمال الكردستاني، ويدير صراعًا خفيًّا مع حليفه الشعب الجمهوري بسبب تقاربه مع حزب مقرب من منظمة انفصالية تهدد الأمن القومي التركي، الأمر الذي يتعارض تمامًا مع هويته كحزب قومي، ويجعله عرضه لفقد شريحة لا يستهان بها من كتلته الانتخابية، وفي الوقت ذاته يدرك أن استمرار وجود حزب الشعوب الديمقراطي ضمن تحالف الأمة أمر لا مناص عنه ولا مفر منه، إذا أُريد الإطاحة بحزب العدالة والتنمية الحاكم، والفوز في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة.

ومما زاد الأمر سوءًا بالنسبة لحزب الجيد، تصدّر اسم أكرم إمام أوغلو -مرشحه المفضل لخوض الانتخابات الرئاسية- مسؤولًا أول عن هذه القضية، إذ أعرب عدد من قياداته عن حنقهم لقيام إمام أوغلو بتعيين هذا العدد الذي يقارب 500 من الأشخاص المنتميين إلى العمال الكردستاني أو المؤيدين له -وفقًا لبيان وزارة الداخلية- وهو التصرف الذي فاقم من صعوبة الموقف لديهم، في ظل عدم وجود بديل لديه مواصفات شخصية مثل التي يمتلكها إمام أوغلو، ولديه القدرة على منافسة الرئيس أردوغان.

ويبدو أن حزب الجيد لم يعد أمامه خيار آخر سوى ترشيح رئيسته ميرال أكشنار لخوض الانتخابات الرئاسية في حال تم إدانه إمام أوغلو رسميًّا، وهي الخطوة التي لن يقبل بها كمال كليجدار أوغلو الذي أعرب عن رغبته صراحة في الترشح لخوض الانتخابات الرئاسية هذه المرة، خصوصًا أن (ميرال) سبق لها دخول هذا السباق، ولم تحقق نتائج يمكن التعويل عليها لتحقيق الفوز في الانتخابات المقبلة.

الأمر الذي يعني اتساع هوّة الخلاف بين أكبر شريكين في تحالف الأمة، ويهدد بإنهاء التحالف بينهما وتفتيت أصوات المعارضة، وهو ما يصب في صالح تحالف الشعب وحزبيه العدالة والتنمية والحركة القومية، ويمنحهما فرصة ذهبية للفوز بكل سهولة في الانتخابات المقبلة.

المصدر : الجزيرة مباشر