أيها الفنانون.. لا تعتزلوا الفن!

عندما سمع أنور وجدي هذا الرد الجميل من الإمام حسن البنا بكى وقبّل يده ورأسه

الفنان حسين صدقي في فيلم (الشيخ حسن) الذي منعته الرقابة

 

مسيرة الفنانين الذين يتركون الفن ويتوبون من أعمال فنية مارسوها، ثم القيام باعتزاله، تلك المسيرة بدأت منذ سنوات طويلة، وكثير ممن ترك واعتزل كان بناء على قناعة دينية تكونت لديه حول موقف شرعي من الفن وأعماله. بدأت هذه المسيرة بالفنان المصري الراحل حسين صدقي، ثم أخيرا بالمطرب الأردني أدهم نابلسي، وأمام موقف عدد من هؤلاء الفنانين والفنانات من الفن، وقرار عدد منهم ومنهن بالاعتزال، يحتاج الأمر إلى وقفة شرعية، حول: هل الأفضل لهم ولهن اعتزال الفن أم الاستمرار فيه؟

بداية إن قرار فنان أو فنانة، أو مطرب أو مطربة، أن يعتزل عمله، هو قرار فردي يتعلق به وبقناعته، من حيث اتخاذ القرار، لكن الأمر أحيانا يتعلق في القرار بمعلومات أو فتاوى تدفع الشخص إلى قرار الاعتزال، ولذا يأتي نقاشنا للموضوع من هذا الباب، وليس من باب منع أحد من اتخاذ قراره، فـ {كلُّ نفسٍ بما كسبَتْ رهينة} (المدثر: 38).

فمدخل كثير من هؤلاء لترك الفن، كان من باب الوعظ والحديث عن مفاتن الفن ومفاسده، وهو باب يصلح للإنسان من باب تورّعه عن الحرام، ومراجعة النفس في ما تقوم به، وضبط ميزانها بموازين الشرع الحنيف من القرآن والسنة، وهو أمر مطالب به من يأكل الحرام ومن يأكل الحلال على حد سواء، ومن اختلط ماله وعمله بالحلال والحرام.

فهل الفن في حد ذاته مُحرّم؟ الجواب: لا، الفن ليس محرّما لذاته، بل الأصل فيه الحل، فهو من الطيبات التي أحلها الله، ومن المباحات التي ترك الشرع الأمر فيها على أصله، وإن جعل الفقهاء الفن من باب التحسينات، أي: مما يدخل في تحسين حياة الناس، وليس من الضروريات التي لا يستقيم الدين والدنيا إلا بها، أو الحاجيات التي يلحق الناس مشقة بعدم وجودها، وإن كنت أرى أن الفن الآن يدخل في باب الحاجيات لا التحسينات، لما تعلق به وبدوره وأثره في حياة الأفراد والناس جميعا، سواء أكان أثرا إيجابيا أم سلبيا.

لقد كان في عهد النبي -صلّى الله عليه وسلّم- شعراء، والشعر هو أبرز فنون العرب آنذاك، وكان في شِعرهم ما يحرّمه الله، من مدح الخمر والأوثان، وعندما أسلموا لم يأمرهم بهجر الشعر أو اعتزاله، بل وجّه ما يقولون إلى خير المجتمع، فرأينا شعراء من الصحابة الكرام، وكانوا يقولون الشعر قبل إسلامهم، وظلوا يقولونه بعد إسلامهم، ومن أشهرهم: حسان بن ثابت رضي الله عنه، وقد رصدت الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) حول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أكثر من 120 صحابيا من الشعراء.

وقد استوعب كل هؤلاء الشعراء أن الإسلام ليس ضد فن الشعر، ولا منعه أو اعتزاله، بل عليهم أن ينضبطوا في ممارستهم له ولبقية الفنون، ويكونوا أداة بناء على مستوى القيم والمبادئ والمشاعر، لا أداة هدم وإفساد.

وقد فهم هذا المعنى كذلك فقهاءُ ودعاة ومفكرون معاصرون، عندما ازدهر الفن في بلادنا العربية وبخاصة التمثيل والغناء، ومال بعض ممارسي الفن إلى اعتزاله، فنصحوهم بالاستمرار مع الالتزام والإصلاح والانضباط، وأن هناك فنا محترما نظيفا، كما أن هناك فنا هابطا. ولذا رأينا شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي يحضر بعض الأعمال الفنية في دار الأوبرا المصرية، وغيره آخرون. كما التقى فنانون بمشايخ فلم يكن موقفهم منهم أن يعتزلوا، بل أن يستمروا وفق الضوابط الشرعية والأخلاقية، ومن هؤلاء: أنور وجدي ولقاؤه بحسن البنا، وحسين صدقي ولقاؤه بحسن البنا ثم سيد قطب، وفنانون وفنانات معاصرات التقين بالشعراوي والقرضاوي وغيرهما.

حسن البنا وأنور وجدي

من الفنانين الذين التقوا دعاة يتحاورون معهم حول موقف الدين من الفن: الفنان أنور وجدي رحمه الله، الذي كان له صيت ذائع في فترة الأربعينيات من القرن العشرين، والذي كان يلقب بفتى الشاشة، وله جمهوره المتابع لفنه، فقد التقى الشيخ حسن البنا، يقول الدكتور محمود عساف:

(في يوم من أيام صيف عام 1945، وكان الجو صحوا، ونسمة خفيفة تداعب الشجر في ميدان الحلمية الجديدة، ذهبت إلى الأستاذ الإمام كعادتي كل يوم أتلقى تعليماته في ما يتصل بالمعلومات، وكان في ذلك الوقت غير مشغول بضيوف أو أعمال لها صفة الاستعجال، قال لي: قم بنا نذهب إلى البنك العربي لنفتح حسابا للإخوان هناك إذ لم يكن للإخوان حساب بأي بنك حتى ذلك الوقت.

توجهنا إلى مكتب رئيس البنك وكان يتبع سياسة الباب المفتوح للعملاء، ويستطيع أي عميل أن يدخل إليه بغير استئذان، دخلنا وألقينا السلام، وجلسنا على أريكة مواجهة للمكتب، وكان هناك رجل جالس على مقعد مجاور للمكتب وظهره منحرف نحونا، وكان يتحدث مع شومان بك (رئيس البنك) وفي انتظارنا صامتين إلى أن تنتهي تلك المقابلة، فاجأنا شومان بك بقوله: أهلا وسهلا بصوت عال جعل الجالس إلى مكتبه ينظر نحونا، وإذ بذلك الجالس ينتفض واقفا ويهتف: حسن بك؟ أهلا وسهلا يا حسن بك، ثم تقدم نحونا مصافحا الإمام ثم إياي. ثم جلس على مقعد مجاور للإمام وقال: أنا أنور وجدي.. المشخصاتي.. يعني الممثل.. طبعا أنتم تنظرون إلينا ككفرة نرتكب المعاصي كل يوم، في حين أني والله أقرأ القرآن، وأصلي كلما كان ذلك مستطاعا.

كانت مفاجأة لي، فلم نكن ننادي الإمام أو نشير إليه إلا بقولنا: فضيلة الأستاذ. أما حسن بك، فقد كانت نشازا. قال له الإمام: يا أخ أنور أنتم لستم كفرة ولا عصاة بحكم عملكم، فالتمثيل ليس حراما في حد ذاته، ولكنه حرام إذا كان موضوعه حراما. وأنت وإخوانك الممثلون تستطيعون أن تقدموا خدمة عظمى للإسلام إذا عملتم على إنتاج أفلام أو مسرحيات تدعو إلى مكارم الأخلاق، بل إنكم تكونون أكثر قدرة على نشر الدعوة الإسلامية من كثير من الوعاظ وأئمة المساجد.

إني أرحب بك وآمل أن تحضر لزيارتنا بدار الإخوان المسلمين في الحلمية الجديدة لنتبادل الرأي حول ما يمكن أن تسهموا به في نشر الفضيلة والدعوة إلى الله [1]. فعندما سمع أنور وجدي هذا الرد الجميل من الإمام البنا بكى وقبّل يده ورأسه [2]. بعدها رأينا لأنور وجدي (ليلى بنت الفقراء) [3].

سيد قطب وحسين صدقي

أما حسين صدقي، وهو أول فنان فكر في اعتزال التمثيل، فيشير بعض معاصري حسن البنا إلى علاقة بينهما في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، قبل وفاة البنا ببضعة أشهر، وأكمل الأستاذ سيد قطب المشوار الدعوي معه، إذ كان يسكن بجواره الفنان حسين صدقي رحمه الله، وقد ذهب إليه يخبره بأنه ينوي اعتزال التمثيل، وتركه نهائيا، فقال له سيد قطب: إنني أكتب عشرات المقالات، وأخطب عشرات الخطب، وأنت بفيلم واحد تستطيع أن تنهي على ما فعلته أنا أو تقويه، أنصحك أن تستمر ولكن بأفلام هادفة.

وبالفعل قدّم حسين صدقي بعد ذلك فيلمين، أحدهما (البيت السعيد) من سيناريو وإخراج حسين صدقي نفسه، ومثّل فيه معه حسن فايق وعزيزة حلمي وماجدة، وكان يدور حول علاقة الأب بأبنائه وأسلوب التربية الخطأ، وقد دخل هذه الأسرة المفككة فأقام علاقة جيدة بالأولاد، مما كان سببا في تحسين علاقتهم بأبيهم وربهم. وقدّم حسين صدقي الفيلم برسالة صوتية له، قال فيها عن رسالته: (إلى كل مواطن صالح مفيد.. إلى دعاة البناء والتجديد.. إلى المعلمين والآباء والأمهات.. إلى الذين يطهرون حياتنا من الفساد.. إلى جيش التحرير وحكومة الإنقاذ.. أقدّم فيلمي هذا ليقول كلمته في العهد الجديد).

أما الفيلم الآخر فهو (الشيخ حسن) وعُرض لمدة قصيرة ثم اعترض بعض الأقباط في مصر عليه، وآثرت السلطة وقتها السلامة فمنعت عرضه. وقصة الفيلم تتحدث عن شاب أزهري يرتدي زي الأزهر، تخرّج في الأزهر، وعمل مدرسا للغة العربية، فذهب ليدرّس لابن أحد خواجات مصر من أصل يوناني، وديانته المسيحية، وبعد حوار مع ابنته التي أدت دورها الفنانة ليلى فوزي، وقد كانت نظرتها إلى الشيخ حسن أنه رجعي وجاهل باللغات، ففوجئت بثقافته وأدبه، ووقع الحب بينهما ثم تزوجها على غير رغبة أبيها، لاختلاف الديانة والوضع الاجتماعي، فهو مسيحي يوناني ثري وخالها قسيس.

لكنها حملت من الشيخ حسن، وطلقوها منه بحيلة ماكرة، وأنجبت منه طفلا، ثم ماتت بحمّى النفاس، وفي آخر لحظات حياتها، دخل عليها خالها القسيس فأخبرته أنها لا تزال مسلمة وتريد توديع زوجها، فلبّوا طلبها، ولفظت أنفاسها ناطقة الشهادتين.

فتوى القرضاوي للمعتزلين من أهل الفن

وكذلك أفتى شيخنا الدكتور يوسف القرضاوي للمعتزلين من أهل الفن -سواء التمثيل أو الغناء- بعدم الاعتزال، بل بالاستمرار، ومن هؤلاء المطربة نجاح سلام، حينما ارتدت الحجاب واعتزلت الغناء، ففي لقاء لها مع القرضاوي على قناة (ART) قال لها: ولماذا تعتزلين وتتركين؟! المطلوب ليس أن تتركي، بل المطلوب أن تعملي لكن بالابتعاد عن المحرّم، فصوت المرأة ليس عورة، والغناء فيه الحلال وفيه الحرام، وما عليك إلا أن تتجنبي الحرام.

وهو ما أفتى به كذلك الفنانات المعتزلات، بأنهن عليهن ممارسة التمثيل لكن بضوابط، وذلك في حوار صحفي منشور، ووضع هذه الضوابط، كما يلي:

1) أن يكون اشتراكها ضروريا.

2) أن تظهر بلباس الإسلام ولا تضع المساحيق.

3) أن يراعي المخرج والمصور عدم إبراز مفاتنها والتركيز عليها في التصوير.

4) أن تتفوه بالكلام الحسن وتبعد عن الفاحش البذيء، وتبتعد عن مشاهد الانحراف والمجون في أعمالها ولا تتعرض لها بإسهاب أو تفصيل.[4]

إن المعركة الحقيقية لأصحاب المبادئ لا تكون بالانسحاب من المجال، إنما بتصحيح مساره والعودة به إلى أصله، فهناك قيم ومجالات الأصل فيها الحلال والطهارة، مثل الحب والجمال والفن وغيرها، وقد لوثها الملوثون وأفسدها المفسدون، ودورنا ألا ننسحب منها بل أن نعيدها إلى أصلها وجوهرها الحقيقي. فما أسهل الانعزال ولكن ما أصعب المقاومة والمحاولة، فالعيش في سبيل الله بالحلال والطيب صعب وله مشاق، لكن أجره على قدر المشقة.

والنقاش الحقيقي والعمل الفقهي الحقيقي يكون في أن يبحث أهل الفقه والفن ما يقدّمه الفنان الملتزم. هل سيقوم المطرب بغناء أناشيد دينية وتواشيح فقط، وهل سيقوم الممثل بأدوار في مسلسلات دينية فقط، أم إن الاجتهاد الفقهي يتسع لآفاق أكبر؟ هذا ما نطرحه في مقالنا القادم إن شاء الله.

—————-

[1] انظر: مع الإمام الشهيد حسن البنا للدكتور محمود عساف ص 39-41.
[2] انظر: حوار مع الحاج محمد نجيب عن ذكرياته عن البنا المنشور على موقع (إخوان أون لاين) بتاريخ 14/8/2006.
[3] انظر: مع الإمام الشهيد حسن البنا ص41.
[4] انظر: مجلة (المجتمع) العدد 1319- 9 جمادى الآخرة 1419هـ – 29/9/1998م.

المصدر : الجزيرة مباشر