هل يستمر «الاستعصاء الديمقراطي» في بلادنا؟

بايدن أعطى ظهره لقضية الديمقراطية

 

قبل أيام انتهت القمة العالمية للديمقراطية التي دعا لها الرئيس الأمريكي جو بايدن، لم تسفر القمة عن نتائج فارقة لدعم الديمقراطيات أو مواجهة النظم الاستبدادية، سوى بتخصيص 424  مليون دولار كمحفزات اختيارية لدعم حرية الصحافة والانتخابات الحرة وحملات مكافحة الفساد، وهو مبلغ لا يسمن ولا يغني من جوع وإن رفع العتب شكليا عن بايدن (قبل القمة قالت وكالة “رويترز”، إن وزارة الخزانة الأمريكية ستفرض سلسلة من العقوبات ضد الأشخاص المتورطين في الفساد والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتقويض الديمقراطية، وهو ما لم يتقرر في القمة لاحقا)، وكان القرار الأسلم والأوفر هو وقف الدعم المالي والسياسي للأنظمة الاستبدادية والعسكرية وفقا لما طالب به قادة ونشطاء سياسيون عرب في مؤتمر افتراضي أيضا حمل عنوان “الديمقراطية أولا في العالم العربي”، كما دعا له نشطاء حقوقيون  في المنتدى الخامس والعشرين لحركة حقوق الإنسان في العالم العربي.

المرفوض

لم يكن متوقعا ولا مطلوبا أن يتدخل بايدن أو غيره من القادة المشاركين في تلك القمة لتغيير أنظمة استبدادية بالقوة كما فعلوا من قبل مرارا في العديد من الدول، فهذا أمر مرفوض تماما من كل دعاة الديمقراطية “الحقيقيين” في منطقتنا العربية، ولم يكن متوقعا أو مطلوبا رعاية أحزاب أو حركات سياسية ماديا ومعنويا لتقود مسيرة التغيير في بلدانها، فهذا مرفوض أيضا لأن هذه الحركات لن تكون معبرة عن شعوبها بل عن مموليها، ولكن المطلوب هو نزع أنابيب الأوكسجين الأمريكية والغربية عن الأنظمة الاستبدادية العربية التي لا تستطيع مواجهة شعوبها منفردة، وقد كانت ثورات الربيع العربي في موجتها الأولى “المفاجئة” خير دليل على ذلك، فقد سقط مبارك وبن علي وعبد الله صالح سريعا، في حين بقت أنظمة أخرى تحرك الغرب لدعمها وإسنادها بعد أن أفاق من المفاجأة.

معركة التغيير في دولنا العربية هي معارك وطنية بامتياز، دفعت الشعوب ضريبة كبيرة فيها حتى الآن، من شهداء وجرحى، ومعتقلين ومطاردين ومفصولين إلخ، وقد أثمرت تغييرات مؤقتة أو جزئية في الموجة الأولى ( تونس-مصر- ليبيا- اليمن) وحتى الثانية ( الجزائر- السودان)، لكنها تعرضت لهجمة مضادة قوية مدعومة إقليميا ودوليا، ما تسبب في خسارتها لقدر كبير من مكتسباتها، لكن المهم أن تلك الثورات أثبتت أن الشعوب وقواها الحية قادرة على التغيير، كما أن تلك الثورات رفعت منسوب الوعي العام لدى الشعوب، حتى وإن كانت تلك الشعوب في غالبها غير قادرة على التعبير عن رأيها بسبب قسوة القمع الأمني الذي وصل حد الضرب في سويداء القلب.

مع ذلك يبقى السؤال قائما هل يستمر الاستعصاء الديمقراطي في بلداننا العربية؟

ليست نزهة

لقد حدثت عدة موجات تحول ديمقراطي منذ مطلع التسعينات في أوربا الشرقية وأمريكا الجنوبية ووسط وجنوب أفريقيا، لكنها توقفت عند حدود الدول العربية، حتى حدثت موجة الربيع وما تلاها من الثورات المضادة، والتي لا نزال نعيش حقبتها، ونظرا لتمدد هذه الثورات المضادة فقد انتشرت حالة من الإحباط لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية، ولدى نشطاء صنعوا وقادوا الثورات في موجتيها الأولى والثانية، وتكونت لدى بعضهم قناعة أننا نعيش في منطقة منكوبة بالاستبداد، وأنها تستعصي على الديمقراطية والإصلاح!!!.

الحقيقة ان معارك التغيير ليست نزهة، بل هي معارك شاقة تمتد لفترات طويلة، وهذا ما حدث في التجارب العالمية السابقة، فأوربا لم تصل إلى ما وصلت إليه بين عشية وضحاها، بل عبر عقود من النضال، والتضحيات، والثورات المضادة حتى استقرت أوضاعها الديمقراطية، وحكوماتها المدنية، وهذا الاستقرار الديمقراطي تحميه الشعوب ومنظمات المجتمع المدني القوية، ولا تسمح لأي كان بالعدوان عليه، وفي دول أمريكا الجنوبية كما في دول أوربا الشرقية وأفريقيا الوسطى والجنوبية جرت جولات من المعارك بين الكر والفر بين القوى الديمقراطية والقوى الاستبدادية حتى حصلت الشعوب على بعض حقوقها الديمقراطية والتي لا تزال معرضة للتهديدات بين الحين والأخر حتى الآن.

بالمقارنة بين المعارك من أجل الديمقراطية في منطقتنا العربية وغيرها من المناطق سنجد أن هناك ظروفا موضوعية توفرت للشعوب الأخرى وغابت عن منطقتنا، لعل أبرزها وجود إسرائيل في قلب منطقتنا، وتعهد الولايات المتحدة والدول الكبرى بحمايتها، وقد استخدم الطغاة العرب هذه القضية كمبرر لحكمهم الاستبدادي والعسكري رافعين شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، كما أن العواصم الغربية صاحبة الدعاوى الديمقراطية داعمة لهذه الأنظمة الاستبدادية من ناحية، ومتخوفة من الخيار الديمقراطي خاصة أنها مقتنعة أنه يأتي بإسلاميين معادين للمشروع الصهيوني، على عكس دعم تلك العواصم للتحول الديمقراطي في القارات الأخرى ( أوربا الشرقية وأمريكا الجنوبية وأفريقيا)، كما أن القوى الحزبية في البلدان العربية لا تزال في مرحلة المراهقة السياسية، وقد دفعتها هذه المراهقة في بعض البلدان للارتماء في حضن “العسكر” استقواءا بهم على قوى سياسية أخرى شاركتهم حلم التغيير والثورة، وهو ما لم يكن قائما في تجارب التغيير الأخرى، ناهيك عن المشاكل الاقتصادية الكبرى التي تعانيها الدول العربية التي شهدت موجات التغيير، إذ لم تطق الشعوب صبرا طويلا على الحكومات التي ولدت من رحم الثورات، والتي لم تستطع تقديم حلول عاجلة لتلك المشكلات الاقتصادية، ولم تجد دعما من أدعياء الديمقراطية في العالم كما حدث مع دول أوربا الشرقية.

لا يعني كل ذلك نهاية الحلم العربي في الحرية والديمقراطية،  فالشعوب التي ثارت من أجل حريتها وكرامتها ولقمة عيشها، لن تستسلم حتى وإن بدت صامتة في انتظار اللحظة المناسبة للكلام والتحرك، كما أن ما تحقق من حراك وتضحيات ومكاسب جزئية من قبل سيظل رصيدا قابلا للتطوير والبناء عليه، فالمعركة جولات بين مد وجزر، وأسباب الغضب لم تختف، بل تتصاعد مع تصاعد الأزمات الاقتصادية، والقمع الأمني، وانتهاك الكرامة الإنسانية، والشعوب العربية تشعر بالغيرة بالتأكيد من غيرها من الشعوب التي نالت حريتها وكرامتها، وغدا ستلحق بها، وإن غدا لناظره قريب.

المصدر : الجزيرة مباشر