“نجيب محفوظ”.. شخصيات لا تموت

مئة وعشرة أعوام على مولد أديب مصر العالمي نجيب محفوظ، وخمسة عشر عامًا على رحيله، ولا يزال الاسم مثيرًا للجدل والصراع، سواء على مستوى ما قدّمه من روايات ومجموعات قصصية وإنتاج أدبي وفكري، أو ما يُثار حول شركات نشر إنتاجه التي انتقلت من دار إلى دار أخرى، ومدى تحوّلها من إبداع يحق للجميع الحصول عليه، لِما له من قيمة فكرية وثقافية، أو قيمة فنية لا تزال تمثل زخمًا لمبدعي الدراما والسينما والمسرح، أو كونها مادة للاستثمار يتحول فيها الناشر إلى مستثمر هدفه الربح ولو على حساب الفكر والثقافة.

الجدل الذي يثيره إنتاج محفوظ كبير، وكانت مناسبة ميلاده فرصة لتناول إنتاجه من جوانب عديدة، لكن الجانب المثير الذي جذبني للكتابة عن أدب محفوظ -وأنا أدرك بُعدي عن النقد الأدبي والدراسات الأدبية- هو جاذبية روايات محفوظ للتناول الدرامي سواء للعرض السينمائي أو التلفزيوني.

لا تزال الروايات التي قُدّمت مِن قبلُ مجالًا خصبًا للتناول الدرامي والفني، وكان السؤال الذي يلح عليّ دائمًا: ماذا في تلك الروايات التي قُدّمت مرة وأخرى؟ ولماذا يُعاد تقديمها؟

شخصيات نجيب محفوظ تشعر كأنها تحيط بك في كل مكان. ولا عجب أن نشبّه شخصيات حقيقية بأخرى أبدعها في روايات، حتى إنه قد لا يمضي يوم دون أن تتذكر إحدى هذه الشخصيات وتشير باسمها على شخص حقيقي.

ولعلّ أبرز ما ينتشر هذه الأيام شخصية مثل “محجوب عبد الدايم” بطل رواية القاهرة الجديدة، التي تحولت إلى فيلم سينمائي من إخراج صلاح أبو سيف بعنوان (القاهرة 30) إنتاج عام 1966 حتى أنك تظن أن الفنان المصري حمدي أحمد -رغم تاريخه الطويل فنيًّا- لم يقدّم سوى هذه الشخصية.

هذا أحد ملامح روايات محفوظ التي تحولت إلى سينما، فالفنان بعد عمله في إحداها يرتبط اسمه كثيرًا بالشخصية، وهو أمر متكرر. ففي الرواية ذاتها، نجد أن البطل “علي طه” ارتبط بالممثل عبد العزيز مكيوي، حتى أنه مات ولا يتذكر أحد من تاريخه سوى هذه الشخصية.

وكذلك الفنان الكبير محمود مرسي في شخصية “عيسى الدبّاغ” برواية (السمّان والخريف)، أو نور الشريف وشخصية “كمال عبد الجواد” في (الثلاثية)، أو شكري سرحان وشخصية “سعيد مهران” في اللص والكلاب، أو شادية في شخصية “زهرة” بطلة (ميرامار) أو “نور” في (اللص والكلاب) أو “حميدة” في (زقاق المدق).

الغوص في الأعماق

لقد استطاع محفوظ أن يغوص في أعماق الشخصيات المصرية ويفهم أسرارها النفسية والاجتماعية، بما أتاح له أن يقدّم شخصية عابرة للزمن، فأنت لا يمكن أن توقف شخصياته عند فترة معينة أو في إطار قصة محددة.

ربما كانت للفلسفة التي درسها محفوظ وحاز فيها الماجستير أثر في ذلك، رغم تنوع الشخصيات في رواياته وتجددها الدائم. كأن هناك سرًّا لدى محفوظ في ذلك، ربما يحتاج إلى دراسة متعمقة من باحث في الأدب.

قدّم نجيب محفوظ للسينما نحو 20 سيناريو في بداية حياته، عندما ارتبط عام 1947 مع المخرج السينمائي الكبير صلاح أبو سيف، وكان له محطات مهمة في كتابة السيناريو مثل: (الفتوة) (الوحش) (جعلوني مجرمًا) (جميلة) (الأرض) (ريا وسكينة) (بين السماء والأرض).

الغريب أنه رغم نجاح محفوظ في كتابة سيناريو هذه الأفلام لم يتدخل في سيناريوهات الأفلام المأخوذة عن رواياته أو قصصه القصيرة. وكان صاحب نظرية اشتهرت عنه أن الرواية ملك لكاتبها، والفيلم ملك لمخرجه، وأيضًا نظرية ضرورة الفصل بين الرواية والفيلم، فكل منهما منتج بذاته.

قدّمت السينما المصرية 21 فيلمًا عن روايات لمحفوظ، منها: (بداية ونهاية) (الثلاثية: بين القصرين وقصر الشوق والسكرية) (اللص والكلاب) (الطريق) (الشحاذ) (القاهرة 30)، وعشرون فيلمًا عن مجموعات قصصية، منها: (الحب فوق هضبة الهرم) (قلب الليل) (المرايا) (الشيطان يعظ).
كما قدّمت الدراما التلفزيونية عشرة مسلسلات عن روايات لمحفوظ، كان آخرها (أفراح القبة) عام 2016.

ارتبط محفوظ بالحارة المصرية ونقل العالم إليها، أو إن شئنا الدقة فإن محفوظ جعل من الحارة عالمه والعالم المحيط بها بكل صراعاته، فكل شخصية توازيها شخصية إنسانية في المجتمع، سواء أكان هذا المجتمع مصر أم أي مجتمع في دولة أخري.
لهذا، لا نُفاجأ عندما نجد لمحفوظ رواية تُنتج هنا أو هناك في أي دولة في العالم.

سلسلة الحرافيش

نعود إلى الفكرة الحيوية في شخصياته وديمومتها.

ففي سلسلة (الحرافيش) تعيش داخل عالم محفوظ كأنك تعيش الوطن، فالفتوة العادل هو الحلم الذي يأتي شهاب ضوء ويمضي، ثم يتوالى فتوات آخرون يستبدون ويقهرون ويفرضون الجبايات على الشعب، ليظل حلم العادل يراودهم لكن دون حل، وعندما يجيء يتكالب عليه أصحاب المصالح فيقتلونه ويتخلصون منه، وتعود الحال كما كانت.

لا يزال أبناء الشعب -في غياب التعليم والفكر والثقافة- غائبين عن الفعل، وما يُعلّمه لهم الفتوة العادل ينسونه مع أولى ضربات “نبّوت” الفتوة الجديد الظالم.

في رواية (اللص والكلاب) يتحدث “رؤوف علوان” الكاتب الصحفي اليساري المسجون عن العدل والحرية والعدالة الاجتماعية، وعندما تتبدل أحواله ويُصبح هو الغني وصاحب السلطة يُغيّر مبادئه ويُنكرها ويبررها لتلميذه “سعيد مهران” الذي يتحول إلى قاتل بفعل أفكار علوان، فهذه شخصية متجددة وتعيش بيننا.

أيضًا “سرحان البحيري” بطل (ميرامار) المتقلّب حسب الأحوال، فهو ملكي في الحكم الملكي، ووفدي مع صعود الوفد، وعندما جاءت ثورة يوليو بالاشتراكية أصبح اشتراكيًّا. إنها فكرة الانتهازي في كل زمان ومكان، والشخصية التي تتلون بتلون الأوضاع والحكام والحكومات.

في رواية (الشحاذ) يقدّم لنا محفوظ شخصية “عمر المحلاوي” الباحث عن الراحة والخلاص، الذي يمضي بين أفكار اليسار واليمين السلوكية في بحثه عن الحقيقة، من الاندفاع في الملذات والمجون والتطرف الشديد فيها إلى التطرف اليميني، ثم يصل في النهاية إلى الصوفية ومنها إلى الحب الخالص (الحب الإلهي) حينما يدرك حقيقته الإنسانية. فهذه شخصية يقابلها عدد كبير أكثر من مرة. إنها الحيرة التي تسيطر على الإنسان حتى يصل إلى حقيقة الكون.

شخصيات في الواقع

هل قابلتك شخصية “محفوظية” اليوم أو أمس؟
هل تذكرت في لحظة ما اسمًا لإحدى شخصياته، مثل بطل (القاهرة الجديدة) الحالم بمجتمع فاضل وحرية وعدالة ويضحي من أجل حلمه، ثم صِحتَ: “إنه علي طه”.
أظنك تعايشه أو تفتقده في سجن أو غربة أو شهيدًا.

هل وجدت “محجوب عبد الدايم” بسلوكه المهزوم في علّته النفسية والأخلاقية والاجتماعية، الذي لا يملك أي قيمة أو مبدأ يحيا من أجله. هل وجدت الصحفي الانتهازي والإعلامي المتسلّق؟ هل شاهدت الفيلم فوجدت حال المخبر في البوليس السياسي وهو يسرق أثناء التفتيش وتذكرت الأجهزة والأموال التي سُرقت من بيوت المعتقلين؟
هل شاهدت حفلات أصحاب السلطة في الفيلم، ووجدتها صورة طبق الأصل من صور متداولة على صفحات مجلات ومواقع اليوم؟
في ظني أن هذه الصور والشخصيات التي رسمها أديب نوبل العالمي هي ما تجعله باقيًا، وهي سر الجدل الذي لا ينتهي عن نجيب محفوظ.

المصدر : الجزيرة مباشر