ما حكم قراءة القرآن الكريم في الصّيدليّة؟!

إبراهيم عيسى وأسامة الأزهريّ وإن تناقضا في الظّاهر غير أنّهما يخدمان فكرةً واحدةً.. هذه هي الفكرة!

ابراهيم عيسى

قد يبدو السؤال غريبًا بل مضحكًا للبعض وضربًا من الهذيان عند آخرين؛ لكنّه السّؤال الذي تحوّل على حين غرّة إلى معركةٍ إعلاميّة و”تريند” في مصر المحروسة التي كم فيها من المُضحكات، ولكنّه ضحكٌ كالبُكا على رأي عمّنا المتنبّي.

 إبراهيم عيسى والتّهريجُ الإلهائيّ

إبراهيم عيسى الصّحفي المصري المعروف الذي يسعى أن يكون تحت الأضواء ولو على منهج أعرابيّ زمزم؛ بطلِ الحادثة التي وقعت أثناء الحج في زمن مضى؛ إذ بينما الحجّاج يطوفون بالكعبة ويغرفون الماء من بئر زمزم قام ذلك الأعرابي فحسر عن ثوبه، ثم بال في البئر والناس ينظرون، فما كان من الحجاج إلا أن انهالوا عليه بالضرب حتى كاد يموت، وخلّصه الحرس منهم، وجاؤوا به إلى والي مكة، فقال له: قبّحك الله، لِمَ فعلت هذا؟ قال الأعرابي: حتى يعرفني الناس ويذكرونني ولو باللّعنات، يقولون: هذا فلان الذي بال في بئر زمزم!!

وهذا ما اعتاد الصّحفي إبراهيم عيسى انتهاجَه في عموم سلوكه، وآخر ما فعله كان حديثه في برنامج “حديث القاهرة” على قناة “القاهرة والنّاس” إذ قال فيه:

“أحيانًا كتير لمّا أدخل الأكزخانة “الصّيدليّة” ألاقي الشب الصيدلي قاعد بيقرا قرآن؛ لكن ليه ما بيقراش كتاب عن الدّوا ومرجع عن الدّوا، ما بيفتحش ليه برنامج وثائقي على اليوتيوب وغيره يتفرّج على آخر الأدوية وأحدث الأمراض؛ ليه أنا مودّيه كليّة الطب علشان أفهّمه أن علم الحديث النّبوي بالنّسبة له أهم؟”

تكمن المشكلة في التّعاطي مع هذا الكلام في أخذه على محمل الجدّ، والتّعامل معه بمنطق الدّحض العلمي والفكري، ورفع العقيرة في الرّدّ عليه بدعوى الدّفاع عن الإسلام، وهذا الكلام ليسَ أكثر من تهريجٍ له مقاصده الأبعد من انتقاد مشهد قراءة القرآن الكريم في الصّيدليّة.

إنّه تهريج ولكنّه تهريجٌ مهدَّف، والهدف الرّئيس منه هو إلهاء الجماهير عن مواطن المشكلات الحقيقيّة المتمثّلة في الاستبداد السّياسي، والانقلاب وآثاره، والكوارث الاقتصاديّة التي حلّت بمصر في عهد طبيب الفلاسفة عبد الفتّاح السيسي.

وأفضل طريقة للإلهاء هي إثارة قضيّة دينيّة، وتهييج المتديّنين من خلال التحرّش بهم وبثوابتهم، وأسرع طريقةٍ لإشغال النّاس عن جوعهم وفقرهم وقمعهم وما يعانونه من أزمات؛ هي إشعال معركة مع عقائد النّاس ودينهم وثوابتهم ورموزهم من علماء ومقدّسات.

إشغال النّاس بصورة الصّيدلاني الذي عليه أن يترك القرآن ويقرأ المراجع الطبيّة هو ضربٌ من التّهريج الإلهائي لصرف أنظار النّاس عن الكوارث التي تعيشها القطاع الطبّي، فهل المعضلة في قراءة القرآن في الصيدليّة أم في شركات الأدوية التي تتلاعب بأرواح النّاس، وبما يعانيه القطاع الصحي من مستشفيات ومستوصفات من تردّي في الخدمات وفساد مظلم يقضي على حياة البشر دون أدنى محاسبة أو مساءلة؟!!

الأزهريّ يضرب في المليان

ما إن تمدّدت المعركة التّهريجيّة التي أستُخدِمت فيها مشاعر المتديّنين الطّيبين للإلهاء والإشغال حتّى أجلبت المؤسّسة الدّينيّة بخيلِها ورَجِلِها لإكمال مهزلة التّهرّيج الإلهائيّ.

يتدخّل الشّيخ أسامة الأزهري مستشار السّيسي للشّؤون الدّينية على طريقة شيخه علي جمعة فيضرب في المليان، وينشرُ منشورًا يقول فيه:

“إن كان هذا الصّيدلي قد قصّر في إتقان تخصّصه وقراءة مراجعه، فقد قصّر في هدي القرآن الذي يقرؤه، وحينئذٍ فواجبه أن يتقن تخصّصه لا أن يهجر قراءة القرآن العظيم.

الحقيقة أنّنا أمام صورتين من التّطرف: إخوانيّ يقرأ القرآن فيخرج منه بقتلِ النّاس وتكفيرهم، فيواجهه تطرّف مضادّ يريد من النّاس ألا تقرأ القرآن الكريم أصلًا”

من حيثُ الصّورة الظّاهرة يبدو منشور أسامة الأزهريّ ردًّا على إبراهيم عيسى، لكنّه في الحقيقة يصبّ في السّياق الإلهائيّ ذاته، على أنّ هناك فرقًا في الموقفين، فموقف إبراهيم عيسى ضربٌ من التّهريج الإلهائيّ أمّا موقف أسامة الأزهريّ فهو نوعٌ من الوضاعة الإلهائيّة.

لم يفوّت أسامة الأزهريّ الفرصة ليضرب جزءًا رئيسًا من معارضي الحكم وهم الإخوان المسلمون، وهذا يخدمُ أصلًا فكرة الإلهاء والإشغال عن المصيبة الحقيقيّة التي تعيشها مصر والتي تتمثّل بالانقلاب وآثاره الكارثيّة على مصر الدّولة والإنسان المصري، وتحميل المسؤوليّة عمّا آلت إليه مصر للذين يعارضون النّظام الاستبداديّ.

فإبراهيم عيسى وأسامة الأزهريّ وإن تناقضا في الظّاهر غير أنّهما يخدمان فكرةً واحدةً وينتهجان سلوكًا لا تصبّ فوائده إلّا في حساب الحكم وسياساته.

 نماذج متمدّدة وشعوب طيّبة

لا بدّ من التّأكيد أنّ معركة قراءة القرآن في الصّيدليّة ليست حالةً خاصّة بمصر ولا واقعةً محدودة في زمانها ومكانها، بل هي نموذجٌ متمدّد لسلوك أبواق الاستبداد في البقاع المختلفة مع القضايا المجتمعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة.

المستبدّون جميعًا حيثما كانوا يعتمدون على أبواقهم لإلهاء النّاس وإشغالهم عن كوارث الاستبداد من خلال إشعال معارك يتجنّد فيها النّاس الطيبون بحماسةٍ ساذجةٍ وهم يطنّون أنّهم يدافعون عن المبادئ الكبرى والقيم العليا والعقائد المقدّسة، فيتقاتلون في الجزئيّات ويستنزفون طاقاتهم في معارك وهميّة جانبيّة لا يستفيد منها سوى الطّاغية المستبدّ.

وإنّ خير دفاع عن الحقّ والحقيقة هو نشر ثقافة الإطفاء والإرخاص، إطفاء هذه المعارك بإهمالها وإهمال أصحابها، وإرخاصُ مُشعليها بتركهم وعدم الاكتراث لهم، فهذا هو الذي يوفّر الطّاقات ويركّز الجهود في مكمن الخطر الذي هو الاستبداد والمستبدّ، وإلّا سيبقى في كلّ بيئةٍ استبداديّةٍ أمثال إبراهيم عيسى وأسامة الأزهريّ يمارسان الإلهاء، وستستمرّ الشعوب الطيّبة في استنزاف طاقاتها في معارك غير معركتها الحقيقيّة، وعلى الأريكة مستبدّ يقهقه ساخرًا من الجميع وهو يجني خراج ذلك كلّه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر : الجزيرة مباشر