تركيا تتأرجح بين استمرار الرئاسي والعودة للنظام البرلماني

في سياق العملية الانتخابية المقررة منتصف 2023 بتركيا، والتي بدأت فصولها مبكرة عادت إلى الواجهة مجددا قضية النظام السياسي الذي يجب أن يتم تطبيقه في البلاد، إذ أعادت جبهة الأمة المعارضة التي تضم أحزاب الشعب الجمهوري والجيد والشعوب الديمقراطي والسعادة طرح النقاش مجددا بشأن النظام الرئاسي، الذي وصفته بأنه نظام الرجل الواحد، الذي يعزز الديكتاتورية، ويعيق تطبيق الديمقراطية، ويتجاهل الأحزاب السياسية، ويلغي المكانة الحقيقية للبرلمان داخل البلاد.

ووعد زعماء هذه الأحزاب الجماهير التركية بالعودة مجدداً إلى النظام البرلماني الذي حكم الجمهورية التركية منذ إعلانها، حال وصولهم إلى السلطة عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وهي الانتخابات التي يسعون بكل قوة من أجل إجرائها في وقت مبكر عن الموعد المحدد لها، في محاولة منهم لتوظيف الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وحالة الغلاء التي تمر بها البلاد نتيجة عوامل متباينة، للنيل من مكانة حزب العدالة والتنمية وإظهاره وكأنه فشل في حل أهم مشكلة تهم المواطنين.

وإمعانا في التأكيد على مطلبهم بتغيير النظام السياسي المعمول به في البلاد، أعلن عدد من هذه الأحزاب أنهم بصدد وضع مسودة لدستور جديد يتم بموجبه إلغاء النظام الرئاسي، ووضع نظام برلماني حديث يتمتع بصلاحيات وامتيازات تجعله أقوى وأكثر فاعلية في الحياة السياسية للبلاد.

يأتي حزب الجيد في مقدمة هذه الاحزاب التي تعمل ضمن هذا الإطار، حيث أعلنت رئيسته ميرال اكشنار أن حزبها قارب على وضع اللمسات الأخيرة لمسودة الدستور الجديد الذي سيتم طرحه قريبا للنقاش مع باقي الأحزاب السياسية فور الانتهاء منه، فيما لا يزال حزب الشعب الجمهوري يواصل العمل على مسودة أخرى تتضمن رؤيته لشكل الحياة الحزبية والبرلمانية والرئاسية داخل تركيا بالمشاركة مع عدد من أحزاب المعارضة.

ضد الرئيس

ورغم أن تغيير النظام السياسي في تركيا من برلماني إلى رئاسي جاء من خلال تعديلات دستورية عرضت في استفتاء عام على الشعب الذي وافق بنسبة 51%، وهو ما اعتبر وقتها انتصارا جديدا لحزب العدالة والتنمية ورئيسه أردوغان، كونه ارتبط بشكل مباشر بقرار وإنجاز تاريخي مهم تم بمقتضاه تغيير نظام الحكم في البلاد وفق إرادة شعبية مدنية بعيداً عن الانقلابات العسكرية التي عانت منها تركيا على مدى عقود.

إلا أن أحزاب المعارضة الرافضة لهذا التغيير الدستوري ارتأت ضرورة التكاتف والتعاون فيما بينها وتشكيل جبهة موحدة للوقوف ضد الرئيس اردوغان والنظام الرئاسي في البلاد، معللة رفضها لهذه التعديلات، التي شملت 18 مادة، بسبب كونها تتيح للرئيس أردوغان الفرصة كاملة للاستئثار بالسلطة والبقاء على كرسي الرئاسة حتى عام 2029، الأمر الذي من شأنه إثارة التوتر، وخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي في البلاد نتيجة ما سمته “احتكار حزب العدالة والتنمية للعملية السياسية في البلاد”، مما يعني تهميش دور باقي الاحزاب الأخرى الموجودة على الساحة.

ولهذا قامت أحزاب المعارضة ممثلة في حزب المستقبل، وحزب الديمقراطية والتقدم، وحزب السعادة، والحزب الديمقراطي، وحزب الجيد ، وحزب الشعب الجمهوري، بعقد اجتماع موسع ضم المسؤولين عن النواحي القانونية في كل حزب، حيث تم التوافق فيما بينهم على طبيعة النظام البرلماني المنتظر، والاتفاق على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون محايداً وغير منتم لأي حزب سياسي، مع تقييد صلاحياته، وتعزيز سلطة البرلمان وزيادة صلاحياته حتى يمكن العودة إلى نظام برلماني قوي بدلاً من النظام الرئاسي.

ضمانة تركيا للاستقرار السياسي

من جانبه أوضح حزب العدالة والتنمية في أكثر من مناسبة، أن التعديلات التي تمت في 2017 هي جزء من خطة الإصلاح الدستوري والقانوني التي بدأها الحزب منذ وصوله إلى سدة الحكم في البلاد عام 2002، وأنه يسعى من خلال هذه الخطة إلى ضمان استقرار البلاد، والابتعاد بها عن مرحلة الحكومات الائتلافية التي كانت سببا مباشرا في انتكاسة الدولة التركية وتوقفها عن النهوض، وفي معاناتها سياسيا واجتماعيا واقتصادي نبيجة حالة عدم الاستقرار التي مرت بها، بسبب الاعتماد على النظام البرلماني في الحكم.

ودلل العدالة والتنمية على ذلك بسرد التاريخ السياسي للبلاد منذ عام 1961 وحتى 2002 حيث شهدت تركيا تشكيل أكثر من 33 حكومة، لم يبق أكثرها صمودا في السلطة أكثر من 18 شهرا فقط، مشيرا إلى أن الدستور التركي الحالي الذي تم وضعه عام 1982 كان نتيجة الانقلاب العسكري الذي قام به كنعان إيفرن عام 1980، وأن هذا الدستور به الكثير من المواد التي تحتاج إلى تعديل وتغيير، رغم القيام بالعديد من التعديلات التي تم إدخالها بالفعل على بعض مواده، أبرزها تعديلات عام 2007، التي عرضت في استفتاء جماهيري، وتمت الموافقة عليها بنسبة 68.95%.

وهي التعديلات التي أتاحت للمواطنين حق اختيار الرئيس، عوضا عن اختياره من جانب تصويت أعضاء البرلمان، وهو الأمر الذي طالما عرقل وصول العديد من الشخصيات إلى القصر الجمهوري نتيجة عدم توافق الأحزاب عليها، حتى إنه في إحدى هذه المرات وعند اختيار اسم من سيخلف الرئيس سليمان ديميرل في الرئاسة عام 2000، لم تتفق الاحزاب داخل البرلمان على اسم محدد، وحلا لهذه الإشكالية التي استمرت لجلسات تم طرح اسم أحمد نجدت سيزار رئيس المحكمة الدستورية ليتولى منصب رئاسة الجمهورية، ليكون بذلك أول رجل يتولى منصب رئيس الجمهورية من خارج المنظومة السياسية والعسكرية.

كما منحت هذه التعديلات الرئيس الحق في الترشح لدورتين متتاليتين فقط، وتحديد إجراء الانتخابات البرلمانية كل أربع سنوات عوضا عن كل خمس سنوات التي كان معمول بها سابقا.

وركز العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية على تأكيد أن النظام الرئاسي للبلاد يأتي بمثابة نقطة النهاية لعقود طويلة من الصراع والتأرجح بين الحكم المدني وبين الحكم العسكري، كما أنه سيكون الدافع القوي والمحرك الفعلي لتحقيق كل المشاريع التي تهدف تركيا للوصول إليها عام 2023 في إطار مشروعهم الخاص بـ”تركيا الجديدة”.

وردا على قيام المعارضة بإعداد مسودات لدستور جديد للبلاد يتبنى العودة إلى النظام البرلماني، أعلن حزبا العدالة والتنمية والحركة القومية قيامهما بإعداد مسودة دستور جديد للبلاد، ينأى بها بعيدا عن شوائب الدساتير التي تم وضعها وفق رغبة وتحت رقابة الانقلابيين، دون التنازل عن النظام الرئاسي أو العودة إلى النظام البرلماني كما تريد أحزاب المعارضة.

ورغم أن الدستور الحالي تم تعديله 19 مرة، منها 9 مرات قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة و10 مرات خلال وجوده بها، إلا أن الرئيس اردوغان يرى أن هذه التعديلات لم تستطع استئصال الروح الانقلابية التي اعتمد على أساسها دستور 1982، متمنيا الانتهاء من ذلك العمل الوطني الكبير كأول دستور مدني للبلاد قبل نهاية العام التشريعي، في حال تم التوافق بشأنه بين الأحزاب السياسية الفاعلة على الساحة.

التوافق والاختلاف بين المعارضة

تتوافق الأحزاب التركية إذا في العموم على ضرورة تغيير الدستور الحالي، وحاجة البلاد إلى وضع دستور جديد، إلا أن الخلاف بينهم لا يزال قائما فيما يخص شكل نظام الحكم في البلاد رئاسيا كان أم برلمانيا، وفيما يرتبط كذلك بالمواد الأربع الأولى من الدستور، وهي الخاصة بشكل الدولة التركية ” الجمهورية “، وتحديد مكان العاصمة بأنقرة، وشكل العلم ولونه، إلى جانب مبادئ العلمانية، واحترام مبادئ مصطفى كمال أتاتورك، والمادة الرابعة تحديدا التي تنص بصورة مشددة على منع تعديل هذه المواد السابقة أو القيام بتقديم أي مقترح يمس أيا منها.

المصدر : الجزيرة مباشر