الثورة السودانية إلى أين؟

مع دخول الانقلاب العسكري السوداني أسبوعه الثاني على أول ثمار ثورة ديسمبر 2019 تتصاعد وتيرة الخوف على تلك الثورة التي لم تكمل بعد نصف مرحلتها الانتقالية التي حددتها وثيقة الشراكة الموقعة بين المكونين العسكري والمدني ممثلا في قوى الحرية والتغيير، والتي انشطرت بدورها إلى فريقين متشاكسين.

كانت التوقعات تشير إلى احتمال نجاة الثورة السودانية من موجة الثورات المضادة، لكونها قامت بالأساس ضد حكم البشير المصنف “إسلاميا”، وكون الثورات المضادة استهدفت أساسا الثورات التي فتحت الأبواب للأحزاب الإسلامية لتتبوأ السلطة، واستهدفت وأد تجارب حكم تلك الأحزاب سريعا في مهدها قبل أن تنمو وتتمدد، وتنتقل رياحها إلى عواصم تلك الثورات المضادة ويصبح من الصعب أو المستحيل مواجهتها.

ولعلنا لم ننس مسارعة أهم أضلاع الثورة المضادة (الإمارات) لركوب الثورة السودانية منذ أيامها الأولى حين أرسلت شاحنة غذائية للمعتصمين أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، وحين أعلنت دعمها السياسي والإعلامي المبكر للثورة بهدف احتوائها حين تيقنت أن أبرز القوى المنظمة المشاركة فيها هي قوى يسارية وبعثية، ثم دعمت المكون العسكري خلال الفترة الانتقالية، ولكن كل ذلك لم ينطل على الثوار الشرفاء الذين أدركوا مبكرا النوايا الإماراتية، والذين رفعوا في مظاهراتهم الأخيرة أكبر لافتة منددة بتدخل الإمارات، و”تطبيقات السيسي”.

طموح الجنرالات

أثبتت الثورة السودانية وما تعرضت له من ردة أو انقلاب عسكري أن الجنرالات الطامحين دوما في الحكم المنفرد لا يفرقون بين إسلامي أو علماني، فكل ما يهمهم هو تمكنهم من مفاصل الحكم والثروة من دون شراكة مع أحد مهما كانت قليلة، كما أثبتت أيضا أن عواصم الثورة المضادة لا تقبل أي حكم مدني ديمقراطي سواء كان على سدته إسلاميون أو علمانيون، وأنها تفضل دوما حكما عسكريا يمكن التحكم فيه من خلال الرشاوى المالية بعيدا عن أي رقابة مدنية.

لا ننخدع كثيرا أيضا بالمواقف الأمريكية والغربية التي بدت أكثر تشددا تجاه الانقلابيين في السودان مقارنة بموقفها من انقلاب السيسي عام 2013، فصحيح أن تلك الضغوط نجحت في إخراج رئيس الوزراء من السجن، لكنها لم تستطع حتى اللحظة إنهاء إقامته الجبرية في منزله، كما أنها لم -وغالبا لن- تتمكن من إعادته إلى الحكم، وهي على الأرجح ستقبل حلولا وسطا تبقي البرهان رئيسا أعلى للبلاد خلال ما تبقى من الفترة الانتقالية، وتقبل تعيين حكومة تكنوقراط جديدة، برئاسة شخصية جديدة أو حتى برئاسة حمدوك الذي سيصبح في هذا الحالة مجرد “خيال مآتة”.

لم تعد خافية سياسة الكيل بمكيالين -أو أكثر- للقوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، ولم يعد خافيا تحرك تلك القوى وفقا لمصالحها وليس وفقا لمبادئها التي تصدع بها رؤوسنا، حتى أنها تنقلب على مواقفها ذاتها بين الصباح والمساء وفقا لتلك المصالح، وبالتالي فإن المواقف الظاهرية المتشددة حاليا تجاه السودان لن تستمر طويلا، وستتغلب المصالح سريعا، وستجد هذه القوى تبريرات لمواقفها الجديدة الداعمة للعسكر مثل دعم حكومة الأمر الواقع، أو دعم الاستقرار مثلا، ولن نتفاجأ بحدوث التغيرات الدولية تجاه الوضع السوداني كما تغيرت في مواطن كثيرة من قبل، وأقربها تونس التي لم تتخذ العواصم الغربية مواقف عملية ضد انقلاب رئيسها قيس سعيد مكتفية بمواقف إعلامية “قوية!!”، وكذا ما وقع من انقلابات أخرى في بعض الدول الأفريقية مؤخرا، كما أن الولايات المتحدة التي أوقفت معوناتها العسكرية لمصر مؤقتا بعد انقلاب 2013 أفرجت عن تلك المعونات لاحقا وإن خصمت منها 130 مليون دولار مؤخرا كضغط على السيسي في ملف حقوق الإنسان، أما الاتحاد الأفريقي الذي جمد عضوية السودان فسوف يسارع بإعادته بمجرد تعيين حكومة تكنوقراط جديدة سواء برئاسة حمدوك أو غيره، وكأن شيئا لم يكن!!

الاعتماد على النفس

لا يعني هذا الواقع المرير نشر الإحباط في صفوف الثوار السودانيين، ولكنه يحفزهم على الاعتماد على أنفسهم من دون انتظار مساعدة أي أطراف أخرى، فما حك جلدك مثل ظفرك، وما من مصدر قوة حقيقي للثوار إلا شعبهم، وكل قواه الحية الرافضة للاستبداد والحكم العسكري، وهذا يستدعي الترفع عن المراهقات السياسية والثورية التي تغذيها بعض القوى اليسارية أو البعثية ضد قوى سياسية أخرى عانت بدورها من حكم الإنقاذ حتى وإن كان لبعضها خلفيات إسلامية، فحكم الإنقاذ لم يكن يعرف سوى نفسه ورجاله المخلصين.. إن توسيع رقعة القوى الثورية وقوى التغيير هو السد المنيع أمام محاولات العسكر لتفريق الشعب، لمحاولة استقطاب بعض الجماهير، وتسويق إدعاءات كاذبة بوجود حاضنة شعبية لهم.

الشعب السوداني غني بتجاربه الثورية والنضالية ضد الاستبداد، بدءا من ثورة أكتوبر 1964 التي كانت أول ثورة شعبية في أفريقيا كلها، مرورا بانتفاضة إبريل 1985، ووصولا إلى ثورة ديسمبر 2019، وبالتالي فهو لديه الخبرة الكافية لمواجهة الانقلاب الجديد كما واجه انقلابات عبود ونميري والبشير، وهو مستعد كغيره من الشعوب الحرة لدفع ثمن حريته وكرامته كما دفعها مرات كثيرة من قبل، ولذلك فإن الأمل كبير في قدرته على دحر هذا الانقلاب، واستعادة مسار ثورته، وإكمال أهدافها في الحرية والديمقراطية والنماء والسلام..

حرية سلام وعدالة الثورة إرادة شعب.

 

المصدر : الجزيرة مباشر