لماذا يقامر “المرشد الأعلى” بنجاح أولمبياد بيجين؟

مظاهرات في سويسرا تدعو إلى مقاطعة أولمبياد الصين

وسط احتجاجات دولية، تعمل بيجين على قدم وساق لتجهيز احتفالات ضخمة، بمناسبة استضافتها لدورة الأولمبياد الشتوية، خلال الفترة ما بين 4 – 20 فبراير/ شباط المقبل، بينما دعت 180 جهة حقوقية وسياسية، الولايات المتحدة وحلفاءها، إلى مقاطعة الأولمبياد. وأصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش نداءً عاجلا يطالب الشركات الراعية للجنة الأولمبية الدولية بأن تشرح للمجتمع الدولي كيف تستخدم الصين نفوذها الاقتصادي والسياسي، لإجبار الرعاة على عدم التراجع عن المشاركة في دعم أولمبياد بيجين، وتواصل انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

تصف هذه الجهات الحكومة الصينية بأنها تجبر من يدفعون المليارات لدعم الأولمبياد، على التزام الصمت خوفا من الصين، في الوقت الذي ترتكب الحكومة جرائم ضد الإنسانية، وعلى رأسها ما تفعله من تطهير عرقي للإيغور وغيرهم من المسلمين الترك في شينجيانغ (تركستان الشرقية سابقا). كما صعّدت القمع في هونغ كونغ، وتمارس قبضة حديدية على وسائل الإعلام، بجانب المراقبة الجماعية في الشوارع، كما تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي في اعتقال كل من يخالف تعليمات الحزب الشيوعي أو ينتقد النظام.

ضغوط على بايدن

يمارس أعضاء بمجلس الشيوخ الأمريكي ضغوطا على الرئيس جو بايدن، لمنعه أو أي مسؤول دبلوماسي من المشاركة في افتتاح الأولمبياد، رغم عدم تطرّق بايدن لهذه القضية خلال المقابلة الافتراضية التي استمرت ساعتين ونصف الساعة، الأسبوع قبل الماضي، مع الرئيس الصيني شي جينبنغ، فهناك تأكيدات أن التمثيل السياسي الأمريكي سيكون “دون المستوى الأمثل” بجانب تسليط الضوء على محنة الإيغور، والضغوط التي تُمارس على أصحاب الرأي والمدونين الذي يختفون بمجرد نشرهم معلومات عن الفساد. وسيتحقق الوفد الأمريكي من حرية اللاعبة الأولمبية الأولى السابقة في التنس (بنغ شواي) التي اختفت لفترة، بعد تحدّثها عن إخضاعها لعلاقة جنسية قسرية استمرت سنوات من قبل أحد قياديي الحزب الشيوعي، والانتهاكات بحق اللاعبين الصغار في المدارس الخاصة بإعداد اللاعبين الأولمبيين.

بينما تعلو أصوات الشارع الغربي بالمقاطعة على المستويين السياسي والرياضي، تشهر الصين جميع أسلحتها الناعمة والخشنة، لتضمن أن تصبح أول دولة في العالم تنظم دورتي الألعاب الأولمبية الصيفية والشتوية في عاصمتها. تحمل دورة بيجين شعار “موعد مبهج على الجليد والثلج النقي”. رغم عدم السماح للجماهير الأجنبية بالسفر إلى الصين التي قد تواصل حظر دخول الأجانب طوال عام 2022، ولن تسمح للاعبين بالاختلاط بالسكان أو تجمعات الجمهور من الداخل، مع عودة ظهور وباء كوفيدـ19، لا سيما في المناطق القريبة من المدن الست المنظمة للأولمبياد، فإنها وعدت بأن يكون حفل الافتتاح وساحات الجليد باهرة للعالم. وبعد أن هددت الصين الدول التي ستقاطع الأولمبياد، على غرار ما حدث مع دورة سوتشي في روسيا، بأنها ستخرج من دائرة الدعم المالي للدول التي تشارك في مشروع “الحزام والطريق” وستتعامل بالمثل مع الآخرين، فإن اللجان الإلكترونية للحزب الشيوعي الصيني تقود حملة على وسائل التواصل الاجتماعي ضد شركتي (ZARA) و(H&M) اللتين نددتا بالسجون والعمل القسري للإيغور، رغم اعتذارهما، وتنذر من يقاطع بأنه سيكون في عداء مع الشعب الصيني، وتسِم الداعمين للمقاطعة من الداخل بأنهم عملاء.

أزمة مالية للمرة الأولى

تمر الصين بأزمة مالية للمرة الأولى منذ 40 عاما، وحالة طوارئ منذ 3 سنوات، إلا أن مراهنتها على نجاح هذه الدورة لها دلالة سياسية خطيرة. فالصين التي تهتم منذ عادت إلى المنافسة في الأولمبياد عام 1980، وحصدت أكبر عدد من الميداليات الذهبية، بعد مقاطعة لها استمرت 30 عاما، لا يهمها حاليا التنافس على المراكز الأولى فقط. فقد نظّمت بيجين دورة الأولمبياد الصيفية عام 2008، بعد معركة طويلة من تدريب لاعبين وإعداد ملاعب تليق بهذا الحدث. وجاءت الفرصة بعد فشل بيجين في تنظيم دورة الألعاب الأولمبية عام 2000، التي عُقدت بمدينة سيدني في أستراليا، بسبب سجلها السيئ في انتهاكات حقوق الإنسان، والتطهير العرقي في إقليم التبت، ودعم النظام السوداني في عهد عمر البشير رغم ارتكابه المجازر في دارفور، للمحافظة على مصالحها في احتكار آبار البترول.

أتت دورة بيجين 8- 8- 2008، لتمحو غصة في نفوس الصينيين، انتفضت لها الدولة وخضع لتكاليفها الشعب. كنت هناك مرات عدة لأشاهد الحزب الشيوعي وهو يزيل أحياءً سكنية كاملة، ويغلق آلاف المصانع ومحطات الكهرباء التي تعمل بالفحم، ويشق الطرق والكباري ويقيم الفنادق والعمارات الفارهة والملاعب والقرية الأولمبية في بيجين وشانغهاي، بدرجة أشعلت المظاهرات التي رأيتها أمام الوزارات، مما أحزن أهالي بيجين القديمة، وأزعج اليونسكو التي قدّمت احتجاجات على طمس هوية مدينة بيجين التاريخية.

تعهدت الصين بإنفاق 212 مليارا لتحسين أجواء بيجين أثناء الأولمبياد، بما يمثل 10% من الناتج المحلي للدولة. حسّن الحزب الشيوعي علاقته مع أعدائه في إقليم التبت، فسمح بفتح المعابد وإقامة مطاعم تروّج لمأكولاتهم الخالية من اللحوم والأسماك. فتحت مئات المطاعم أبوابها للمسلمين من الإيغور والهوي وغيرهم من العرب والترك لبيع المنتجات الحلال، وأيضا “الكوشير” اليهودي والطعام الهندوسي. كانت المفاجأة عندما سمحت الصين للمسلمين بحمل نسخ من القرآن الكريم للمرة الأولى عند دخولهم المطارات، وطبعت على نفقتها الأناجيل الأربعة، لتوزيعها مجانا على اللاعبين والمشجعين القادمين في الخارج، مع وضعها في الفنادق والقري الأولمبية.

جاء الحفل الأسطوري في استاد “عش الطائر” مع الحضور الجماهيري الدولي والمحلي باهرا للجميع، بما لفت الانتباه إلى المجموعة التي أدارت هذه الأعمال على مدى سنوات، والتي يرأسها شي جينبنغ الذي أصبح الآن رئيسا للبلاد.

نجحت الأولمبياد على يد مدير فريق العمل (شي) بصفته عضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، وهي مجموعة “التسعة” المعاونة للرئيس الصيني، ووظف شبكة علاقاته القوية داخل الحزب -خلال فترة عمله معلّما بمدرسة القيادة العليا للحزب- في أن يصبح الخليفة المنتظر للرئاسة بعد انتهاء الولاية الثانية للرئيس (هو جينتاو) عام 2010. تحوّل نجاح الأولمبياد إلى أسطورة صينية، ورغم عدم إنجازها أي تطورات في مجال حقوق الإنسان فإنها غيرت رؤية العالم إلى الصين، حيث تحولت إلى نموذج للنجاح والتطور بين شعوب العالم، لا سيما الدول النامية التي تحلم بالتغيير إلى الأفضل، وأصبح لديها أمل في أن الأنظمة الديكتاتورية يمكنها تحقيق بعض الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي تصب في صالح الشعوب.

مدى الحياة

مرت السنوات التسع من رئاسة شي جينبنغ، وبدلا من تجهيز خليفة له، عدّل الدستور ليظل رئيسا للأبد. ولم يكتفِ بتغيير دفة النظام إلى المزيد من الانغلاق على الذات، والتوجه إلى الأفكار الشيوعية التي كان يدرسها، فبعد أن تخلص من كل منافسيه ومعارضيه باستبعادهم أو التشهير بهم وسجنهم، طلب من الحزب الشيوعي، الأسبوع قبل الماضي، أن يقلده لقب “المرشد الأعلى” للأمة الصينية.

يحتاج المرشد الأعلى إلى حدث جماهيري ضخم، لتأكيد جنون العظمة (Pranoia) التي يصاب بها عادة الديكتاتوريون، يُظهر أنه العارف بكل الأشياء والكاهن الملهِم للجمهور. يريد (شي) من خلال توظيف نحو 95 مليون عضو بالحزب يعملون بإشارة منه، أن يُظهر أن أعماله الملهمة تزيد من قوة الصين، وتجعلها عظيمة وأكثر رهبة في العالم.

وظف شي جينبنغ الروح القومية لدى الصينيين بالطريقة ذاتها التي اتبعها النازيون خلال إعدادهم لأولمبياد عام 1934، التي بهرت العالم، وجعلت الألمان يرفعون هتلر إلى مرتبة القداسة، ودفعت الكثير من المواطنين إلى العمل كجواسيس على بعضهم بعضا. فالرياضة تحولت من فنون شعبية إلى سلاح غواية وإلهاء في يد الديكتاتوريين، ومن يخالف تعليمات النظام والقائد الملهم يصبح عميلا وخائنا للوطن. قال الرئيس شي جينبنغ عام 2013 “إن سبب تفكك الاتحاد السوفيتي أنه لم يكن هناك رجل بما يكفي للوقوف ومقاومة الاتجاه القاتل نحو الديمقراطية”.

هذه الكلمات نكاد نسمعها من أفواه كثيرين هنا من قادة الانقلابات والأنظمة العسكرية والديكتاتورية في الوطن العربي والعالم. فهؤلاء الأشخاص لا يتشابهون في ملابسهم وأفكارهم فقط، بل يشربون من الدلو نفسه، ويسيرون على منهاج واحد ولو اختلفت أقطارهم. تحوّل نجاح دورة الأولمبياد الشتوية في بيجين إلى أمل للبعض بأن تُفتح أبواب الحرية الضيقة في الصين من جديد، بينما تظل بالنسبة لـ”المرشد الأعلى” رهانا على تحوله في عيون الصينيين إلى الزعيم المقدس، وأن الفشل يعني نهايته.

 

المصدر : الجزيرة مباشر