السودان.. نصف انتصار قابل للتحسين

نصف انتصار للعسكريين ونصف انتصار للمدنيين تلك هي نتيجة الاتفاق الذي وقعه الجنرال عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني مع “ضيفه” رئيس الوزراء عبد الله حمدوك يوم الأحد الماضي بعد وساطة “المبادرة الوطنية الجامعة” التي ضمت رموزا لقوى سياسية ومجتمعية وصوفية متنوعة.

أما نصف الانتصار الذي حققه العسكريون فهو “شرعنة” استمرار قيادتهم لمجلس السيادة لبقية الفترة الانتقالية والتي كان من المفترض تسليمها للمدنيين مع نهاية نصف المدة، وكذا إزاحتهم لـ”قوى الحرية والتغيير” من الوثيقة الجديدة التي تم توقيعها مع حمدوك وليس معهم، مع تغيير ممثلي تلك القوى في المجلس السيادي ليحل محلها شخصيات أخرى من “نقاوة” العسكر.، وفتح الباب لقوى سياسية ومجتمعية جديدة أكثر قبولا بالشراكة مع العسكر، وستكون سندا لهم في مواجهة قوى الحرية والتغيير عند اللزوم، كما أن حمدوك وفقا لهذه التسوية يعتبر “نصف” رئيس حكومة لأنه لن يكون حرا بشكل كامل في اختيار وزرائه، حيث سيشاركه العسكر في ذلك.

وأما نصف الانتصار الذي تحقق للمدنيين فهو تراجع البرهان وزملائه العسكريين عن قراراتهم الانقلابية السابقة في 25 أكتوبر الماضي، والتي كانوا في بداية الأمر غير مستعدين للتنازل عن شبر واحد منها، لكنهم تحت الضغط الدولي المستند إلى ضغط شعبي داخلي تراجعوا عن إقالة حمدوك، وعن إلغاء مجلس السيادة، وعن إلغاء الوثيقة الدستورية للمرحلة الانتقالية، كما أجبروا على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، صحيح أن هذه التراجعات بدت شكلية إلى حد كبير وناقصة الدسم، ولكنها على كل حال تراجعات تفتح الباب للمزيد منها مع تواصل الضغط الشعبي الداخلي والدولي.

تسوية!

ما حدث هو تسوية سياسية جرت في ظل موازين قوى مختلة، فأسفرت عن تلك النتيجة، وغالبا بذل حمدوك كل ما في وسعه واستخدم كل ما لديه من أوراق ليخرج بتلك النتيجة من العسكر المهيمنين فعليا على مقاليد السلطة والثروة، وموازين القوى لا تبقى على حال واحد، فالضعيف لا يبقى ضعيفا ولا القوي يبقى قويا طول الوقت، والوصفة سهلة لتحسين نتائج تلك التسوية من خلال الضغط الجماهيري الذي يمكن أن يحول حمدوك إلى رئيس حكومة بكامل الصلاحيات، والذي يمكن أن يجبر العسكر على بدء خطوات عملية للانتقال الحقيقي إلى الديمقراطية من خلال عقد مؤتمرات الحوار الوطني، ومن ثم المؤتمر الدستوري الذي ينبغي أن يحدد له سقف لإنتاج دستور جديد، يتم بعده تحديد مواعيد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية بضمان المجتمع الدولي حتى لا يتكرر الانقلاب مجددا مع اقتراب تلك المواعيد، وهو أمر وارد على كل حال إذا وجد العسكر الفرصة مواتية في أي لحظة.

لقد نجح العسكر في شق قوى الحرية والتغيير إلى قسمين( المجلس المركزي والميثاق) ثم نجح مجددا في فتح الباب لقوى سياسية ومجتمعية جديدة، ونخص بالذكر هنا بعض القوى الإسلامية التي أقصتها من قبل “الحرية والتغيير” مثل المؤتمر الشعبي وحركة الإصلاح وربما الإخوان، وكان الهدف من ذلك ليس الدفع في اتجاه الديمقراطية وإنما إعادة خلط الأوراق، وإعادة تقسيم المجتمع السياسي واستخدام بعضه ضد البعض الأخر، ليظل العسكر هم الحكم وهم السلطة الفعلية، وهذه النقطة يمكن أن تكون مكسبا للحياة الديمقراطية إذا أدركت تلك القوى المنضمة حديثا -وفقا للاتفاق الأخير- إلى المسيرة السياسية، حقيقة نوايا العسكر، ووضعت ثقلها الكبير خلف التحول الديمقراطي،وفي اعتقادي أنها قوى راشدة ومدركة، وقد سبق للمؤتمر الشعبي أكبر الأحزاب الإسلامية الحالية إعلان موقفه المناهض لانقلاب البرهان الأخير رغم ما تعرض له من إقصاء وتهميش من “الحرية والتغيير”، وأظن أن واجب الوقت هو توحيد جهود كل القوى السياسية المدنية، وتجاوز خلافاتها ولو مؤقتا للانتهاء من معركة التحول الديمقراطي وتقديم نموذج جديد على قدرة الثورة السودانية في الحفاظ على مكتسباتها، وقدرة الربيع العربي عموما على الصمود في وجه الأعاصير والانقلابات والثورات المضادة.

انتزاع المكاسب

في الثورات الشعبية تحقق الشعوب مكاسب ديمقراطية سريعة، وحين تتعرض لانقلاب عسكري فإنه يستطيع أن ينتزع تلك المكاسب أو معظمها في جولة مباغتة، لكن النضال المدني لمواجهة تلك الانقلابات، واسترداد تلك المكاسب لا يكون بالضربة القاضية وإنما بالنقاط ، وبالتالي يمكننا القول أن ما تحقق في السودان رغم اعتراض البعض عليه يظل مكسبا ديمقراطيا في بيئة إقليمية معادية للديمقراطية، وعواصم متحفزة ضد أي حراك شعبي، وجاهزة بأسلحتها السياسية والمالية والإعلامية لوأد أي تطور ديمقراطي خشية انتقال عدواه إلى تلك العواصم، وهذه المكاسب قابلة للتحسين خلال الفترة المقبلة مع تواصل وتصاعد الحراك الشعبي في الشارع ومع تطوير التحالفات وتوسيعها بين القوى السياسية وتجاوز خلافاتها، والتوحد خلف هدف واحد وهو نقل السلطة إلى المدنيين في أقرب وقت ممكن.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة