وحيد حامد والإيحاء السياسي.. والأمل!

وحيد حامد

 

في فيلم المخرج صلاح ابو سيف (القاهرة 30)، عن قصة الأديب المصري نجيب محفوظ، مشهد لبطل الرواية (علي طه) قي مقابلة مع البطلة (إحسان شحاتة)، يشكو فيها من الظلم الواقع في المجتمع، ويندد بالسياسيين والقصر والملك والأحزاب الصامتين على الظلم المجتمعي الحاصل في تلك الفترة، وفي الخلفية للمشهد إعلان عن فيلم أمريكي بعنوان (إني اتهم)، وكان المخرج الرصلاح أبو سيف من أهم مخرجي السينما في مثل هذه الرموز التي تظهر في عمق الشاشة.

الإحياء السياسي

ومن مقالي هذا، وبعد أن استقر في يقيني تماماً عدالة الاتهام الموجه لثلاثي قضية الأمل في مصر: الصحفيان هشام فؤاد وحسام مؤنس والمحامي  زياد العليمي بالإيحاء السياسي، خاصة بعد أن حُكم عليهم بالسجن خمس سنوات لزياد، وأربع سنوات لحسام وهشام تبدأ من يوم الحكم، وليس لها علاقة بما أمضوا من سنوات الحبس الاحتياطي، حيث تلك قضية جديدة لهم، وليس لها علاقة بقضية تنظيم الأمل الأصلية، إنما هذه قضية “إيحاء سياسي” ناتج عن مقالات أو تويتات أو بوستات لهم على وسائل التواصل..

فإنني استخدم أصبع الاتهام الموجه في عمق شاشة فيلم (القاهرة 30)، وأشير بهذا الاتهام (الإحياء السياسي) للكاتب المصري الكبير الراحل وحيد حامد، فهو أكثر من استخدم هذا الإيحاء في معظم أفلامه السينمائية، بداية من (طائر الليل الحزين) في سبعينات القرن الماضي، حتى آخر فيلم له (قط وفأر) منذ ست سنوات قبل رحيله هذا العام..

وحرصا على مصلحة الوطن وخطورة الإيحاء السياسي أطالب بحضور وحيد حامد نفسه إذا أمكن! وكل من تعاون معه في أفلامه، من مخرجين مساعدين وممثلين و كومبارس وفنيين، وعلى رأسهم الفنان عادل إمام الملقب ب (الزعيم)، إذ هو بطل معظم أفلام وحيد حامد خصوصا التي تحتوي على هذا الاتهام (إيحاء سياسي) ونعوذ بالله من هذا الإيحاء الذي يضر بمصالح الوطن، ويعمل على هدم الدولة، وإشاعة جو من الإيحاءات السياسية المضرة بمصالح الوطن العليا..

أليس مجرد أن يطلق عادل إمام على نفسه لقب الزعيم إيحاءً سياسياً؟، بل إنني أطالب أيضا بوضع الممثل (محمد رمضان) مع عادل إمام في نفس القفص رغم أنه لم يشارك إلا في عمل واحد لوحيد حامد (إحكي يا شهر زاد)، ألم يطلق على نفسه (نمبر ون) وهو أيضا إيحاء سياسي.

وأحب أن أؤكد قبل الدخول إلى أدلة اتهام موجه للكاتب وحيد حامد، أن الحكومة قد عملت على استيعاب أعداد المتهمين في مثل هذه القضية، خاصة أنها قد تطول كل المشتغلين بالتمثيل في مصر..

وأقترح أن نطالب الأخوة الأشقاء في البلاد العربية، بإرسال الممثلين لديهم الذين ارتكبوا هذا الجرم الكبير، ولذا فقد أنشأت الحكومة مجمع سجون على الطريقة الأمريكية، ووفرنا فيه كل أجهزة التحقيق والأحكام في مبنى واحد وأنيق حتى يتسع لكل الممثلين والممثلات اللواتي تربين على الاماكن الفاخرة!

النوم في العسل

فيلم من أفلام المدعو وحيد حامد، والذي اتهم الحكومة بقتل أحلام المواطنين وطموحاتهم وعدم منحهم الأمل في الحياة، حتى أصبحوا عاجزين جنسيا ثم قام هذا المدعو (عادل إمام)، بطل الفيلم بقيادة هذه الجماهير في مظاهرات.. أليس هذا إيحاء سياسيا؟

ألم يسخر الفيلم من أعضاء مجلس النواب، ومن وزير الصحة، والمسؤولين في الحكومة؟

إذا اعترض أي شخص، بأن الفيلم عُرض أيام الرئيس السابق حسني مبارك، فإن الرد بسيط ومفحم: إنه مازال يعرض حتى الآن، ويعطي للشعب إيحاءات بأنه يمكنه التظاهر وإيقاف عجلة الإنتاج، وأن السخرية من أعضاء المجلس الموقر وأعضاء الحكومة بسيطة وسهلة، وكل هذا يهز ويهدد السلم الاجتماعي، وينشر الفوضى في الشارع المستكين، وينتمي إلى جماعة محظورة أيضا!

أليس في هذا كله إيحاء سياسيا يستلزم المحاكمة والعقوبة؟

الإرهاب والكباب

أما فيلم وحيد حامد: الإرهاب والكباب، فقد ارتكب المؤلف والمخرج والممثلون جرائم إيحاءات سياسية لا تغتفر!
حتى هؤلاء الذين ظهروا في مشهد واحد، وإليكم نماذج منهم: هذا العسكري الذي يشكو من الضابط الكبير، وأنه لا يعمل في خدمة الوطن بل في خدمة الباشا مدير أمن المجمع، والهانم زوجة السيد المدير والباشوات ولاد الباشا المدير، أليس في هذا تحريض على التمرد، وخاصة ضد هؤلاء الساهرين على خدمة الوطن عيون الوطن الساهرة؟!

ثم هذا الصعيدي الهارب حين يقول: “إن يد العدالة ناجزة حين تحكم بالإعدام على جرائم لم ترتكب وبطيئة في رد الحقوق”، أليس هذا تشكيكا في القضاء الشامخ، الذي نتباهى به، ويصدر أحكاما غير قابلة للطعن ولا الاستئناف، أليس هذا إيحاء سياسيا؟

ثم كارثة الكوارث التي ارتكبها بطل الفيلم الذي استخدم سلاحا وجعل الحكومة تذهب إليه، وتجتمع في منتصف الليل وجعل الإعلام الصادق جدا والشريف جدا والأمين جدا يكذب أخباره، لمجرد أن ورقة انتقال ابنه من مدرسة لأخرى قد تأخرت، هل هذا سببا يجعله يفعل كل هذا؟ أليس هذا إيحاء للشعب باستخدام القوة، لتحقيق مصالحه.. إنها جريمة الجرائم!

ألم يرتكب نفس المؤلف جريمة حينما قال إن الشعب لا يعرف ماهي احتياجاته؟ ووصف الشعب بالجهل وأن كل طموحاته وجبة كباب بسلطة الخضار وبابا غنوج، إنها جرائم إيحاء سياسي لا يمكن إغفالها للمؤلف وحيد حامد.

(المنسي) وجريمة الحلم بالرئاسة!

أما فيلم وحيد حامد (المنسي)، وللأسف أيضا بطولة نفس الممثل الملقب بالزعيم (عادل إمام)! فقد جاء مليئا بالإيحاءات السياسية إذ لم يكتف المؤلف والمخرج والممثلون بإظهار الفوارق الاجتماعية الضخمة بين الأغنياء وبقية الشعب، إنما سخروا من سهراتهم وتعاونهم مع رجال أعمال من دول شقيقة، واتهمهم بارتكاب سلوكيات غير حميدة.

لم يكتف وحيد حامد بكل هذا، بل جعل رجلا من عامة الشعب اسمه (المنسي) يحلم أن يكون رئيسا للجمهورية بكل ببساطة، رغم أنه لم يدخل المؤسسة العسكرية..، إنها الجريمة الكبرى التي لا يمكن أن نغفرها لهذا المؤلف!

نعم لقد أثرى وحيد حامد السينما وقدم أعمالا لا تُنسى، ولكنها جميعا تقع تحت طائلة الاتهام الجديد الذي اخترعناه حديثا ليضاف لقائمة الجرائم في العالم، لنكون أول دولة تخترع هذا الجريمة: الإيحاء السياسي! لتضاف إلى أطول برج وأكبر مسجد وأضخم ساري علم!

ولن أحدثكم عن أفلام وحيد حامد الأخرى: (طائر الليل الحزين) و(الهلفوت) و(إحكي يا شهر زاد) و (دم الغزال) و (الغول) و(اللعب مع الكبار) و(قط وفار)، والتي معظمها -إن لم تكن كلها- قد ارتكبت جريمة الإيحاء السياسي!

لذا أطلب استدعاء ورثة وحيد حامد، وكل من عمل معه من الأحياء وورثة الراحلين منهم، للمحاكمة الشريفة الناجزة وحبسهم جميعا خمس أو أربع سنوات في مجمع السجون الفاخر الذي يليق بهم كفنانين ويليق بالجمهورية الجديدة!

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة