“ريش” الغلابة له وزن

من فيلم ريش

 

(1)

يموت الفقراء في صمت، أخبارهم سرعان ما ننساها أمام طوفان الأخبار الدولية والإقليمية والمحلية، لا نعرف أسماءهم ولا ظروف حياتهم، اهتمامنا منصب على اجتماعات القادة وتصريحات السياسيين والسادة الأثرياء، لأنها ترسم لنا حاضرنا ومستقبلنا، فحياتنا معلقة بأيدي القادرين. حين يتحدث الساسة عن أوجاع الفقراء في خطبهم الانتخابية يكون الهدف دغدغة مشاعر ملايين المهمشين، ديمقراطية الصندوق تقول إن صوت الفقير يساوى صوت الغنى لكن واقع الحياة يقول إن الأمر مختلف.

(2)

الصمت لغة لها مفردات ومعان هناك صمت الحكمة والتدبر، صمت السكينة والتأمل، وهناك صمت الفقر، وهذا الأخير حاضر بقوة في فيلم “ريش” حيث الحوار نادر ومغيب والصورة حاضرة في لوحات تشكيلية متتالية تعمق المعاني، وهو قريب الشبه بالأفلام الصامتة، حيث الصورة تفوق ببلاغتها الكلمات.

“ريش” فيلم يدور في أروقة الفقر، فمشاهد الفيلم صورت حيث يعيش الفقراء في مدن معفرة بالتراب ودخان المصانع داخل شقق لم تستعد للتصوير، يختبئ ساكنوها خلف جدرانها الرمادية في محاولة لإخفاء عار الفقر المتوارث، تذكرك بمدن الصفيح القبيحة في أفلام نهاية العالم.

في مصر وحين عرض الفيلم في مهرجان الجونة لم يلاحظ البعض سوى صورة الفقر والبؤس الذي اعتبروه عاراً على مصر الحديثة المتطورة، لكنى وجدت أن الفيلم أكثر اتساعا من الجغرافيا المصرية، فهو يتحدث عن كل مدن الفقر في العالم، فالشخصيات بدون أسماء والأماكن بلا عناوين والزمن غائب، الشيء الوحيد الذي يقرن فيلم “ريش” بمصر هي اللغة العامية المصرية التي يتحدث بها أبطاله.

“ريش” ليس سوداويا كما يدعى البعض بل بالعكس، فهو يعطى الأمل للمهمشين، ويعلي من شأن قدرتهم على البقاء، ويظهر الحيل التي يستخدمونها للانتصار على خوفهم من الفناء.

(3)

قصة الفيلم تدور حول أسرة عامل مكونة من الزوج والزوجة وطفلين دون العاشرة وثالث رضيع، الزوج رغم فقره مستبد فهو الذي يقرر ماذا تأكل الأسرة وماذا تشترى، الاستبداد والشعور بالتفوق والهيمنة لا يحتاج لثروة لممارسته تماما مثل السفه، فالأب يقيم عيد ميلاد لابنه ويستدين ليشتري قطعة ديكور على هيئة نافورة ولعبة للطفل و”تورتة” للضيوف ويُحضر ساحرا ليسلي الحاضرين، رغم أن إيجار الشقة متراكم عليه ولم يفكر في دفعه كأولوية.

في ختام الحفل يقوم الساحر بحيلة تقليدية وهي دخول شخص صندوق مغلق ليحوله الساحر لشيء آخر ثم يعيده من جديد لينال إعجاب الحضور ودهشتهم، ويختار الساحر الزوج ليشاركه فقرته، ويتحول الزوج إلى دجاجة بيضاء ويصفق الجميع إعجاباً منتظرين عودة الزوج من جديد، ولكن الساحر يعجز عن استرجاعه ويهرب تاركا وراءه كارثة تعصف بالأسرة التي خسرت عائلها الوحيد الذي تحول إلى دجاجة بيضاء.

(4)

تبدأ معاناة الزوجة مع تحول الزوج إلى دجاجة، تنفق كل ما تركه الزوج في حصالته الصفيح لاسترجاعه بالشعوذة ولكن الأمر يفشل.

وتقف الزوجة عاجزة عن فهم الحياة خارج حدود شقتها، كل ما كانت تعرفه وتتقنه: طاعة الزوج ورعاية الأولاد، وتتعثر خطواتها بأحجار الطريق: البيروقراطية وسطوة المال والتحرش والممارسات الأمنية.

مدير زوجها في المصنع يرفض صرف معاش لأن الزوج في عرف القانون متغيب عن العمل ولا يمكن الاعتراف بتحوله إلى دجاجة، كما رفض عرضها بالعمل بدل زوجها لأن المصنع يرفض عمالة النساء لكن يقبل عمالة الأطفال ويعرض عليها أن ترسل ابنها الطفل القاصر ليعمل مكان والده! صديق زوجها يقدم لها يد العون طامعا في علاقة غير شرعية معها، وحين ترفض يطالبها بالمبالغ التي اقرضها إياها، توفق في العمل كخادمة في فيلا أحد الأثرياء، وتفاجأ بهذا الكم الهائل من الطعام في المطبخ، تراودها نفسها بسرقة القليل منه لتسد جوع أولادها، تشك صاحبة الفيلا فيها وتطلق عليها كلب الحراسة ليطاردها كالفريسة المذعورة، أما صاحب مكتب التخديم فيخبرها أن ملفها سيذهب للشرطة وأنها لن تجد لها عملا بعد الآن في البيوت المحترمة! كل أبواب الرزق تغلق أمام الزوجة، وحده باب صديق الزوج ما زال موارباً، تضطر لطرقه وتقدم له ما رفضته سابقاً، مقابل التوسط لها للعمل لدى أحد معارفه.

تعمل بإخلاص وتفان لتكسب ثقة صاحب العمل الجديد، وتدرك رويداً رويداً ما يجرى حولها من متناقضات وتتعلم كيف يمكنها أن تستعين بقلة حيلتها وضعفها لتحصل على مكاسب تعينها على البقاء على قيد الحياة هي وأطفالها وكيف تكسب أصدقاء إلى صفها لتكون بهم أقوى تطلب من صاحب العمل أن يردع صديق زوجها ليتوقف عن التحرش بها فيقوم عماله بتأديبه، وتذهب إلى الشرطة هذه المرة لتقدم بلاغ عن اختفاء زوجها ويعرضوا عليها متشردا وجدوه على قارعة الطريق بدون أوراق هوية، وهو مشلول ولا يتكلم، ويسألوها: هل هو زوجها؟ فتتواطأ معهم وتجيب: نعم لتستطيع بالحيلة الحصول على معاش الزوج، ولكن قبل تسليمه لها يتم استئصال أعضاء منه، هذه هي الصفقة.

وأصبح عليها الآن عبء رعاية هذا المتشرد والدجاجة، تحتفظ لهما بالحجرة الأكبر في شقتها المتواضعة، تطعمهما وتعتنى بهما وتنفق على علاجهما من القليل الذي تكسبه، ثقل الحياة يغير الزوجة من الأعماق. يصاب المتشرد بأزمة صحية تستدعى نقله إلى المستشفى بسبب تقيح جروح عملية الاستئصال، تدخل الزوجة الحجرة التي تحتفظ بها بالرجلين اللذين أصبحا عبئا ثقيلا وتحزم أمرها، تضغط بوسادة على وجه المتشرد المريض حتى يفارق الحياة وتمسك بالدجاجة وتذبحها لتصنع وجبة شهية لأولادها. من أين أتتها الجرأة والقوة على هذا التصرف؟ إنها قوة اليأس التي تدفع البسطاء للتمسك بأهداب الحياة والحرص على ما يجدونه جديرا بذلك فالزوجة في النهاية قررت التخلص من الذين يعيقون حياتها وحياة أبنائها.

وينتهي الفيلم بأغنية تتحدث عن الأمل وحب الحياة.

(5)

منذ أيام، أشعل مواطن باكستان يدعى أسد الله (27 سنة) النار في نفسه في مدينة كراتشي الباكستانية، وهو بائع أحذية قديمة. التضخم وغلاء المعيشة وعدم قدرته على توفير لقمة العيش لنفسه ولزوجته ووالديه دفعه إلى التخلص من حياته التعسة، لكن ليس وحده “أسد الله ” الذي يعاني، فقد اندلعت مظاهرات حاشدة في باكستان تندد بغلاء المعيشة وفشل رئيس الوزراء في تحقيق وعوده الانتخابية بمحاربة الفساد وتحسين الأحوال المعيشية لعامة الشعب.

يا قادة العالم وأثرياءه! لا تستهينوا برفة الفراشة، الفقير كفرد ريشه خفيف لا وزن له ولا قيمة، لكن ملايين الفقراء ريشهم يزن أطنانا، وغضبهم قد يتحول إلى بركان.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة