حكم زراعة عضو من الخنزير في جسد الإنسان

نجح فريق من الأطباء مؤخرا في زرع كلية خنزير في جسد إنسان، ويبدو أن هذا الاكتشاف سيفتح بابا للاستغناء عن زراعة الكلية وأعضاء أخرى تؤخذ من إنسان لآخر، ولكن مع فتح هذا الباب الطبي فُتح باب فقهي للنقاش حوله، وذلك لما يكتنف التعامل مع الخنزير فقها وشرعا من حساسية، حيث تحريم أكله وحكم جمهور الفقهاء بنجاسته، فكيف سيضع الإنسان المسلم عضواً من الخنزير المحرم أكله، في جسده؟!

وقد تعرضت بعض الجهات الإفتائية للموضوع، وأجازوه من باب الضرورة فقط، وكان يمكن أن نكتفي بما ذكروه، لولا أن لنا وجهة نظر تتفق في النهاية مع جواز ذلك، لكن مع خلاف من حيث الأسس الفقهية التي بنوا عليها رأيهم، وبداية: فإن الموضوع ليس جديداً على التناول الفقهي سواء المعاصر أو القديم، فقد تكلم الفقهاء عن صلاة المسلم الذي يدخل في الصلاة، وفي جسده جزء من جسد حيوان نجس، فهل ينزع عنه ما كان من نجاسة؟ وما الحكم لو كان هذا الجزء من الحيوان النجس قد صار ملتئما مع جسده ولا يمكن نزعه؟ كما أن هناك فتاوى سابقة لعلماء معاصرين في الموضوع، ومنها فتوى للشيخ عطية صقر -رحمه الله- عن حكم زرع بنكرياس خنزير في جسد إنسان، وانتهى فيه للجواز للضرورة، ولعدم وجود بدائل.[1]

بل قبل النقاش الفقهي فإن في كتب تراثنا نجد حديثا عن الخنزير، رغم حرمته، ولكن هناك حديث دار في بعضها عن خصائص أعضائه، ومسألة استعمال أعضاء الخنزير للعلاج هي مسألة موجودة في كتب الفقه من قديم، وموجودة كذلك كعلاج في بعض كتب تراثنا، فقد ذكر القزويني في كتابه (عجائب المخلوقات) عن خصائص أعضاء الخنزير فقال “عظمه يوصل بعظم الإنسان يلتئم سريعا، ويستقيم من غير اعوجاج، وليس لشيء من عظام الحيوان هذه الخاصية”.[2] وصاحب هذا النص من علماء القرن السابع الهجري، أي قبل سبعة قرون على الأقل من زماننا! وتجارب محاولة زرع عضو من حيوان في جسد الإنسان هي تجارب قديمة، مرت على بعض الحضارات سواء الفرعونية أم الهندية، أم غيرهما. [3]

نجاسة الخنزير

والمسألة هنا تحتاج أن يتم تناولها من عدة زوايا، من زاوية حكم نجاسة الخنزير، وهل الحكم بنجاسته يمنع من الانتفاع بأي جزء من أجزائه؟ ثم ما حكم التداوي بالخنزير ومشتقاته بوجه عام؟

أما مسألة نجاسة أم طهارة الخنزير، فهي مسألة مختلف فيها، وإن كان رأي الجمهور على نجاسته، مستدلين بقوله تعالى: (أو لحم خنزير فإنه رجس)، وقد دار خلاف الفقهاء حول مدول كلمة (رجس)، هل معناه: نجس، أم أن المقصود شيء آخر غير النجاسة، ولو كان نجسا هل نجاسته هنا تعني نجاسة جسده كله، أم أن أعضاء محددة من جسده هي النجسة؟ هذا نقاش طويل دار بين فقهائنا، وهو نقاش له دلالاته فيما يجد لنا من قضايا معاصرة.

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن معنى (رجس) هنا: أي نجس، وبذلك حكموا بنجاسة الخنزير، وإن اختلف هذا الجمهور في النجاسة هنا، هل تشمل جسده كله، أم عين الخنزير، وما حكم شعره وجلده؟ فمن الفقهاء الذين قالوا بنجاسة الخنزير من قالوا بطهارة شعره وجلده إذا تم دباغته.

وهناك فريق آخر رأى غير رأي الجمهور، فرأى أن الخنزير طاهر وليس نجسا، منهم من رآه طاهرا في حياته ومماته، ومن رآه طاهرا في حياته فقط، كالمالكية، فقد اعتبروه طاهرا، كما اعتبروا الكلب كذلك طاهرا وليس نجسا. وأن الميتة فقط هي النجسة، سواء كانت ميتة لحيوان يجوز أكله، أم يحرم أكله. [4]

ورأى داود الظاهري طهارة الخنزير مع حرمة أكله بلا شك، وكذلك رجح طهارته الإمام الشوكاني، وقال كلاما نفيسا ومهما في توجيه قوله تعالى (فإنه رجس) فقال: (المراد بالرجس هنا: الحرام، كما يفيده سياق الآية، والمقصود منها، فإنها وردت فيما يحرم أكله، لا فيما هو نجس، فإن الله سبحانه قال: (قُلْ لا أجد فِي مَا أوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أو دَماً مَسْفُوحاً أو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) الأنعام: 145. أي: حرام. ولا تلازم بين التحريم والنجاسة، فقد يكون الشيء حراما وهو طاهر، كما في قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) النساء: 23، ونحو ذلك). [5] وهو ما نراه أرجح وأقوى من حيث الدليل، فالخنزير طاهر، وإن حرم أكله.

حكم الانتفاع بجسده

إذا كان الخنزير ليس نجسا، لكنه محرم الأكل، فهل تحريم أكله يمنع -شرعا- من الانتفاع ببقية جسده غير أكل اللحم، كالعظم، أو الجلد أو الشعر، أو ما يمكن أن ينتفع به بعيدا عن الأكل المحرم؟ فقد أجاز عدد من الفقهاء الانتفاع بشعره وجلده إذا تم دبغه، كما هو معلوم في أقوال الفقهاء[6]، الملاحظ أن القرآن الكريم لم يذكر تحريم الخنزير إلا مقترنا بذكر لحمه، فكل الآيات تجد عبارتها: (لحم خنزير)، وقد شكا الإمام ابن عاشور، أنه لم يجد عند المفسرين ما يريح صدره، من اقتران ذكر الخنزير بلحمه تحديدا، ثم قال: (ويبدو لي أن إضافة لفظ لحم إلى الخنزير للإيماء إلى أن المحرم أكل لحمه، لأن اللحم إذا ذكر له حكم، فإنما يراد به أكله، وهذا إيماء إلى أن ما عدا أكل لحمه من أحوال استعمال أجزائه، هو فيها كسائر الحيوان…).[7]

وقال الشوكاني: “قوله: (أو لحم خنزير) ظاهر تخصيص اللحم، أنه لا يحرم الانتفاع منه بما عدا اللحم، والضمير في: (فإنه) راجع إلى اللحم أو إلى الخنزير).[8] وهو ما جعل فقهاء معاصرين يتكلمون عن حكم الاستفادة من عظم الخنزير بناء على هذا القول، والاستفادة من جيلاتين الخنزير، عند عدم وجود جيلاتين حيوان آخر حلال،[9] وهو ما نراه مستخدما في معظم الأدوية التي تجلب من أوربا، فمعظم الأقراص اللدنة في التداوي يوضع عليها جيلاتين خنزير، ليعطيها هذا القوام.[10]

وقد ناقش فقهاء عند ضرورة أكل الخنزير المحرم، إذا أشرف على الهلاك، ماذا يأكل الإنسان منه؟ فقالوا: (يقدم شحم الخنزير وكليته وكبده على لحمه، لأن اللحم يحرم تناوله بنص القرآن، فلا خلاف فيه). [11]

ذكرت كل هذه القضايا الفقهية المثارة والمناقشة في تراثنا، لنرى أن المسألة فيها خلاف، وفيها مساحة من النقاش والاجتهاد الفقهي، خاصة أننا نتكلم في التداوي، وليس في الأكل وهو محرم بالقرآن والسنة، أما مسألة الانتفاع بما هو غير الأكل، فهو موضع نقاش كما رأينا، ونحن نتكلم هنا عن الانتفاع الطبي، وما لا علاقة له بالأكل، بل بما يدخل الآن في باب ضرورات وحاجيات حياة الإنسان.

وهو ما أرى أن معظم الفتاوى التي صدرت أجازوه للضرورة، لم تكن مصيبة في تصورها للحالة التي يفتون فيها، فمن الطبيعي أن الزرع لن يكون أبدا لدى إنسان بهذا الشكل إلا لضرورة، فمن سيزرع كلية، أو كبد، أو طحال، أو بنكرياس، أو قلب خنزير، أو حتى من إنسان، هل فعل ذلك من باب عمل صيانة وتجديد لجسده؟! أو من باب التجمل؟ لا شك أن هذا العضو قد تعطل لديه، ولم يعد صالحا للعمل، فاحتاج الإنسان لبديل مكانه، فالشرط الذي وضعوه غير متوافق مع الحالة التي يفتون فيها. كأن تقول مثلا: ما حكم من وصل للإشراف على الوفاة من الجوع، إن أكل قطعة لحم محرمة؟ فنص السؤال نفسه، وحال السؤال نفسه مخبر عن الحالة.

فما أراه هنا بعد هذه الأدلة والنقاش الفقهي، أن زرع عضو من خنزير أو أي حيوان آخر، لا مانع منه شرعا، عملا بالرأي الفقهي الذي يرى طهارة كل حيوان، ما دام الأمر لا يتعلق بالأكل، حيث إن الأمر فيها محسوم.

بل يكون الأولى أن نبتعد عما يزرع من الإنسان، لاحتمالية الخطر على المتبرع، ما دام هناك بديل وعوض عن ذلك، ولو من حيوان محرم الأكل، كالخنزير أو غيره، فحتى إذا تبرع إنسان بفص من الكبد، أو بكلية واحدة، وبقيت عنده الأخرى، وبقية الكبد، فلا شك أن هذا التبرع يؤثر على عمل الجسد، مع وجود احتمالية الخطر في نزع جزء من جسد الإنسان عن طريق الجراحة، يمكن الاستيعاض عن ذلك بأعضاء حيوانات، مما يجعل الإنسان بعيدا عن مخاطرها.

وأما ما من يجد في نفسه حرجا من الرأي الفقهي الذي يرى نجاسة الخنزير، حيث سيدور سؤال آخر، وهو: لو أضيف لجسد إنسان عضو من حيوان نجس هل يكون بداخله نجاسة؟ فالإجابة: أن العضو الموجود بداخل الإنسان يأخذ حكم الحي لا الميت، فلا نحكم بأن في الجسد نجاسة، لأن هذا العضو تحول لعضو حي في جسد إنسان حي، فرغم حمل الإنسان النجاسة في جسده في أمعائه، إلا أننا نحكم بطهارة الجسد كله، رغم التيقن بوجود النجاسة في جسد كل إنسان، فعندئذ لا ينبغي الحكم أن الشخص يحمل نجاسة آنذاك، لأن الحكم بالطهارة أو النجاسة يعتمد على غالبية ما في الجسد، وليس على عضو غريب دخل الجسد، ثم صار جزءا أصيلا منه، يعمل وفق منظومة الجسد، ويتأقلم معه.

—————–

[1] انظر: موسوعة أحسن الكلام في الفتاوى والأحكام للشيخ عطية صقر (3/12،11).
[2] انظر: عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات للقزويني ص: 321.
[3] انظر: الموقف الفقهي والأخلاقي من قضية زرع الأعضاء للدكتور محمد علي البار ص: 41-48.
[4] انظر: الذخيرة للقرافي (1/179).
[5] انظر: السيل الجرار للشوكاني ص: 26.
[6] انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ص: 69.
[7] انظر: تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (6/90).
[8] انظر: فتح القدير للشوكاني (2/196).
[9] انظر: مقالي بعنوان: جيلاتين الخنزير حلال أم حرام؟ المنشور على موقع عربي 21، على الرابط: جيلاتين الخنزير حلال أم حرام؟! (arabi21.com).
[10] انظر: المواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء للدكتور نزيه حماد ص: 84.
[11] انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (20/33).

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة