“شي” رئيسا للصين مدى الحياة.. لماذا نهتم؟

الرئيس الصيني عبر شاشة عرض في اجتماع الحزب الشيوعي

وسط حراسة أمنية مشددة، عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، جلسة مغلقة استمرت 4 أيام، من الإثنين للخميس الماضيين، في فندق عسكري بالعاصمة بيجين، لاتخاذ قرار تاريخي هام. القرار الذي اتخذه الحزب معروف من قبل، فقد ناقشت خطورته، مع خبراء من الحزب الشيوعي وعدد من أعضاء اللجنة العربية الاستشارية للرئيس منذ 5 سنوات، مع ذلك تمر الأحداث على الطريقة الصينية، حيث الغموض والتكتم الشديد، والحوار خلف أسوار مغلقة، ويحظر على المشاركين في مثل هذه الاجتماعات، تسريب أية معلومات خوفا من الطرد من جنة الحزب ومؤسسات الدولة. قد يعلن القرار رسميا اليوم أو بعد عدة أيام، فلا يهم، لأنه معروف سلفا، فهذا القرار التاريخي سيمكن الرئيس شي جينبنغ من الاستمرار في منصبه لفترة رئاسية ثالثة، بما يؤهله للبقاء في الحكم مدى الحياة.

للأبد

يستحق أن يوصف القرار بأنه تاريخي، سواء صدر عن الحزب السلطوي، أو إعلامه الموجه، لأنه بحق سيغير مستقبل الصين، وكيفية صعودها لقمة العالم، ليس عام 2049 كما يحددها شي ولكن للأبد. يكشف القرار عن تغيير جوهري في عقيدة حزب هو الأكبر على مستوى العالم، حيث يضم 95 مليون عضوا، بزيادة 13 مليون خلال 9 سنوات، وهي المدة التي قضاها الرئيس في السلطة. بدَل القرار الجديد المسار الذي حدده الحزب، منذ قضائه على الآثار المدمرة لعصابة الأربعة، حيث حدد استمرار القادة والمسئولين بمدة دورتين فقط كل منهما 5 سنوات، ليضمن التغيير، وتجديد شباب الحزب وقادة المؤسسات، ويحول دون عودة عصابات الفساد، التي تنشأ عادة، مع بقاء من يشيخون فوق المقاعد لفترات زمنية طويلة.

لم يأت القرار من فراغ فقد تمكن شي من إعادة هيكلة الحزب، من قواعده التي تتخطى 5 ملايين وحدة، في أنحاء الصين، واشرافه على تشكيل أعضاء المؤتمر الوطني الحالي البالغ تعدادهم 2287عضوا، والذين يشكلون مجلس نواب الشعب والمجلس الاستشاري، في انتخابات حزبية أجريت في أكتوبر 2017. تخلص شي جينبنغ خلال سنواته الخمس الأولى من القوى القديمة والمعارضة له داخل الحزب بداية من ملاحقتهم فيما يسمى عادة: الحرب على الفساد أو إبعادهم عن الحزب، حتى يضمن تشكيل اللجنة المركزية للحزب من أنصاره، وهي أعلى هيئة قيادية للحزب، تضم أصحاب المراكز الرئيسية في الحكومة المركزية وقادة الأقاليم، والقادة من العسكريين والشرطة والقضاة ورؤساء الشركات والمؤسسات الكبرى. تضم اللجنة المركزية 200 عضو أساسيا و170 احتياطيا، وهم الذين يختارون الرئيس ومعاونيه من مجموعة السبعة الكبار، في قمة الهرم السياسي والتي تسمي اللجنة الدائمة للمكتب السياسي.

في هذا الاجتماع طلب شي بصفته سكرتيرا عاما للحزب، تنفيذ ما اتفق عليه، عندما أتى بهم الحزب نوابا عن أعضائه، ليعدلوا الدستور بما يفتح باب استمرار الرئيس لفترات تالية، بدلا من مدتين، وذلك في بداية الدورة الحالية للمؤتمر الوطني عام 2017، والتي تنتهي العام القادم.

التعديلات الفارقة

لم يكن شي أول من يعدل دستور الحزب ليهمن على النظام السياسي، فقد سبقه الزعيم ماو تسي تونغ، عام 1945، عندما شرع في حملة تطهير وحشية، ضد خصومه في الحزب، وتقبل الأعضاء ذلك وهم في طريقهم للاستيلاء على الحكم في بيجين، رغبة في نجاح الثورة الشيوعية والحفاظ على المبادئ الماركسية التي خالفها البعض برغبتهم في إقامة حياة ديمقراطية، بعد حرب الاستقلال. التمسك بعقيدة ماو دفع البلاد لمجاعات خطيرة، لم تتوقف إلا بعد أن جاء السياسي المخضرم دينغ شياو بنغ إلى الحكم، الذي وصف الثورة الثقافية بأنها “كارثة” تسبب الحزب بزلاته في تكرارها، خوفا من حدوث كوارث أخرى غير دينغ شياو بنغ دستورالحزب بما يسمح باتخاذ قرارات من الأفراد الأقوياء وليس من قبل النظام “الهيراكي” بالحزب، بما قلص سلطة الأمين العام ومنح الشيوخ وأصحاب الرؤية، نفوذا أكبر في الحزب.

جاءت تعديلات شي جينبنغ فارقة عما قبلها بمراحل، فإن كان ماو مؤسس الدولة، قد فعل ما فعله مع خصوم الماضي، فإن شي يضع عيونه على المستقبل، الذي صنعه، بداية من شعار” صعود الحلم الصيني” عام 2013، وامتدادا بشعارات يلقنها الآن عبر كتابه الذي يدرس للتلاميذ في المدارس وتتمحور حوله، ندوات الإعلام وشباب الجامعات والمصانع والمزارع، ليلقنهم أن الصين المبدعة ستكون الأقوى والأولى عالميا بحلول عام 2049. قضى شي 9 سنوات من العمل المتواصل، عدل فيها دستور البلاد والحزب، ليهمن على النظام السياسي، يتحكم في صنع السياسات المحلية، والدولية، يتخلص من الخصوم، من خلال عملية تطهير، اتصفت كثيرا بالوحشية، وشكل لجانا مركزية للحزب تتولي الإشراف الكامل على الجهاز الحكومي والجامعات، والأجهزة الأمنية والتعليم والاقتصاد والأمن السيبراني. أصبح لأعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي السلطة النهائية على الجهاز الحكومي لذا لا تستغرب إذا وجدت وزيرا يزور البلاد العربية، سيكون الأعلى مقاما منه مسؤول اللجنة المختصة بعمله في الحزب، وهكذا في الجامعات، فمسؤول الحزب أعلى سلطة من رئيس الجامعة ولو كان غير مؤهل دراسيا. ووسع شي جينبنغ دور الحزب في القطاع الخاص، وطلب من الشركات الأجنبية والمشتركة إنشاء وحدات حزبية تتولى التوجيه والإشراف على الشركات للالتزام بالقوانين والأنظمة وتنفيذ سياسات الحزب، ليضمن أن يكون للحزب دور قيادي شامل بكل الأنشطة في البلاد.

القائد التاريخي

في نقاشات كثيرة مع زملاء صينيين وجدتهم ينظرون إلى شي باعتباره قائدا تاريخيا مثل ماو تسي تونغ، وإن كان شي قد وضع نفسه في مرتبه أعلى من زعيمه المقدس ذاته، وفقا للتعديلات الدستورية، وما فرضه من كتابة جديدة للتاريخ. فقد وضع والده من مؤسسي الدولة، وأنه الأمل في المستقبل. رؤية الزملاء الصينيين تأتي لكونهم من أساتذة الجامعات والصحفيين والدبلوماسيين، ممثلي الطبقة الوسطى التي استفادت كثيرا من الحزب، لا تختلف عن رؤية الكثيرين من عوام الشعب، الذين ينظرون عادة إلى الرئيس نظرة تقديس. فهم يعتبرون القائد الأعلى ممثلا للإله على الأرض، فإن لم تكن له قداسة فيصنعونها، كما فعلوا مع كل إمبراطور من قبل، فهو” ابن السماء” وفقا للمعتقدات الدينية والموروثات الشعبية. ورغم أن الحزب الشيوعي شن حروب إبادة ضد أصحاب الأديان والمعتقدات الشعبية، إلا أنه لا يمانع من أن يحافظ على بقائها حية في نفوس الناس إذا كانت تضع قائد الحزب الشيوعي في هذه المرتبة من القداسة.

قد لا نتجاهل ما يردده الزملاء القدامى، ولكن ما ذكره الدكتور (ألفرد وو) أستاذ السياسة العامة في جامعة سنغافورة الوطنية، واحتفت به وسائل الإعلام الصينية الأسبوع الماضي، ينذر بكثير من المخاطر. فالرجل يؤكد من خلال عمله في المنطقة أن ” أصوات المثقفين الذين يدافعون عن الديمقراطية وسيادة القانون وينشرون مقالات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لدعم مجتمع أكثر ليبرالية قد أصبحت غير شعبية بين الصينيين”. ويرجع (ألفرد وو) ذلك إلى” نجاح الصين في مواجهة كارثة كوفيد 19 بما جعل الكثيرون يشعرون بأن بلادهم هي الأفضل على مستوى العالم”. ورغم أن الرجل تجاهل ما يقوم به الحزب من ملاحقة للمعارضين، جعلت الناس أكثر خوفا وابتعادا عن الشأن العام، فإن وكالة الأنباء الرسمية ( شنخوا) تردد على لسان خبرائها، أن شي أصبح “زعيما للشعب”. ووصفت جريدة SCMP في هونغ كونغ، بقاءه في الحكم، بأنه قرار تاريخي سيكون وثيقة تضع ” شي” كقائد يقف عند المنعطف التاريخي، عندما تنمو الصين لتصبح قوة عالمية على مسار اشتراكي.

ما يهمنا في مصر

هذه اللهجة المتفائلة تخفي وراءها الكثير، وهي الأمور التي تهمنا نحن في مصر والدول العربية، والمجتمعات التي تعيش تحت أنظمة ديكتاتورية وحزبية هشة. فإذا كان الصينيون يراهنون على بقاء شي لتنفيذ إصلاحات اقتصادية تستهدف إعادة توزيع الثروات بعد تفشي الفروق بين الطبقات الاجتماعية، فإنه يجب النظر إلى الطرق التي اتبعها لتحقيق وعوده. فالغاية في مواجهة الفروق الطبقية لا تعني احتكار الدولة للاقتصاد وملاحقة رجال الأعمال ومصادرة أملاكهم، ووضع الناس تحت قبضة أمنية شديدة، من خلال كاميرات المراقبة ووحدات الحزب والأمن التي تتبعهم في بيوتهم وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ليل نهار. فقد أصبح النظام القمعي أكثر استبدادا من خلال الأموال التي يملكها أو يتحكم فيها أو يجبر ملاكها على تسليمها للحزب كرها وطواعية، ويوظف التكنولوجيا الهائلة في القمع.  يقود شي ثورة ثقافية جديدة، يهاجم فيها رجال الأعمال والفنانين والتعليم خارج الإطار الرسمي، ويضطهد أصحاب المعتقدات المخالفة لتعليمات الحزب، ويقود حملة تطهير عرقي وديني ضد المسلمين، وبخاصة الإيغور، وأيضا ضد المسيحيين. يوظف الحزب الشيوعي الأموال في شراء الولاء السياسي للرئيس داخل الصين وخارجها من خلال الرشوة والحملات الإعلامية المدفوعة وتقديم قروض لدول لا تستطيع الوفاء بالسداد، بما يهدد الاستقرار الدولي.

كان نأمل أن تصبح الصين نموذجا يتحذى أمام العالم الثالث، الذي تدعي الانتماء إليه، بعد نجاحها الاقتصادي، في تعليم محترفي الانقلابات كيفية التغيير السلس، والوصول السلمي للسلطة، فإذ برئيسها يقدم نموذجا تقليديا للانقلابات التي تأتي عبر المؤامرات السياسية وتعديل الدساتير بما يضمن للرئيس البقاء في السلطة إلى الأبد!

المصدر : الجزيرة مباشر