الأزهر و”الإبراهيمية”.. ضربة قاصمة

شيخ الأزهر

قطع الأزهر صمته، ورفع صوته، وصوب سهمه تجاه ما يوصف بالديانة الإبراهيمية الجديدة التي تمزج بين الإسلام والمسيحية واليهودية في الشرق الأوسط، ووصفها بما تستحق “دعوةٌ فيها من أضغاث الأحلام أضعافَ أضعافِ ما فيها من الإدراك الصحيح لحقائق الأمور وطبائعها”، وهي دعوة تجافي الفطرة والحقائق القرآنية والتاريخية والعلمية، وكما قال فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر إن “اجتماع الخلق على دِينٍ واحدٍ أو رسالةٍ سماوية واحدة أمرٌ مستحيل في العادة التي فطر الله الناس عليها، وكيف لا، واختلافُ الناس، اختلافًا جذريًّا، في ألوانهم وعقائدهم، وعقولهم ولغاتهم، بل في بصمات أصابعِهم وأعينِهم.. كلُّ ذلك حقيقةٌ تاريخية وعلمية، وقبل ذلك هي حقيقة قُرآنية أكَّدها القرآن الكريم ونصَّ على أنَّ الله خلق الناس ليكونوا مختلفين، وأنه لو شاء أن يخلقهم على مِلَّةٍ واحدة أو لونٍ واحد أو لغةٍ واحدة أو إدراك واحد لفعَل”..

تحدد المادة السابعة من الدستور المصري طبيعة الأزهر ومهامه الدستورية، “الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم. وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه. وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء”، هي مادة من بقايا مكتسبات ثورة يناير التي تمنى النظام الحاكم محوها، وإسقاطها كما اسقط مواد أخرى، لكن الطريق لم يكن سهلا أمامه، فبدأ خطته البديلة بالحط من الأزهر عبر أذرعه الإعلامية والثقافية، ومحاولات إحراج شيخه في محافل عامة مثل: “أتعبتني يا فضيلة الإمام”، ومحاولة الزج به في معارك مستوردة تستهدف في حقيقتها النيل من أسس الإسلام ومقوماته بدعاوي تجديد الخطاب الديني، ولكن الأزهر لم تكن لتنطلي عليه تلك الإدعاءات، فكان في صدارة المتصدين لها، وعلى الهواء مباشرة.

خلطة مخابراتية

في تصديه لتشويه الإسلام ومزجه مع غيره من عقائد، لم يفعل الأزهر أكثر مما ناطه به الدستور المصري وفق المادة المذكورة أعلاه، فهو الذي ” يتولى مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم”، ولو أن الأزهر سكت عن هذه الجريمة الجديدة بحق الدين لكان حريا بنا أو بغيرنا اتهامه بالتقصير في واجبه الديني والدستوري.

الدين الإبراهيمي الجديد هو خلطة مخابراتية، بهدف إدماج الكيان الصهيوني في المنطقة من باب الدين، بل وجعله صاحب اليد العليا في هذا الدين الجديد، فهو الذي يبدو منتصرا، وغازيا لأقطار المنطقة من بوابة التطبيع الذي تتهافت عليه أنظمة استبدادية لا تتمتع بشرعية شعبية فتبحث عنها في دعم صهيوني.

لقد اعتادت المخابرات العالمية الكبرى تصنيع بعض العقائد والأفكار والتيارات، وبثها وترويجها والإنفاق عليها بسخاء خدمة لأهدافها الدنيئة، وقد نجحت بالفعل في نشر الكثير منها، وتصدى المسلمون والمسيحيون لبعضها أيضا، فماتت في مهدها، إن أفكارا مثل الماسونية، والباطنية، وعبدة الشيطان، … إلخ، هي جزء من تلك الخلطات المخابراتية التي تمكن صناعها من التغلغل في المجتمعات، وجمع ما تشاء من معلومات، وبث ما تشاء من فتن ومؤامرات، وضرب لعقائد ومقومات وحدة وتماسك المجتمعات.

مجمع الأديان

الإرهاصات الأولى لمسخ الأديان ظهر عقب توقيع اتفاقية السلام عام 1979 حيث وجه السادات في السادس من أغسطس 1980 نداء من مقر اعتكافه الرمضاني في سيناء لبناء مجمع للأديان انطلاقا من قناعته “بوحدة الرسالة السماوية وتجسيداً لمفهوم الإخاء بين المؤمنين بالديانات الثلاث”، ولم يكتف السادات بإعلان الرغبة بل فتح بابا للتبرع ووجه سفراء مصر في الخارج لتلقي التبرعات لكنه قتل قبل إنجاز المشروع، لم يكن السادات بالضرورة مؤمنا بالفكرة الحالية عن الديانة الإبراهيمية الموحدة، إذ كان السادات حريصا على وصفه بالرئيس المسلم أو المؤمن، ولكن مشروعه كان البذرة الأولى لفكرة الإبراهيمية، ومن السياق التاريخي يتضح أن الفكرة كانت تخيم على أذهان صناع معاهدة السلام حيث عنون الرئيس الأمريكي جيمي كارتر “راعي المعاهدة” مذكراته عن تلك الفترة بـ “” دم إبراهيم .. تأملات متبصرة في أحوال الشرق الأوسط “.

ومع تهاتفت بعض الحكومات العربية على التطبيع مؤخرا فقد وجدتها الإدارة الأمريكية أو بالأحرى المخابرات الأمريكية مجددا فرصة لطرح فكرة الديانة الإبراهيمية باعتبارها القادرة على توحيد شعوب المنطقة تحت عقيدة واحدة تصنع السلام والاستقرار الذي يحتاجه الكيان الصهيوني حتى يتمكن من استكمال هيمنته على عموم المنطقة دون حروب.

خط الديانات في أقبية المخابرات العالمية الحريص على مزج الديانات الثلاث في الشرق الأوسط في ديانة واحدة بزعم أن أصلها واحد يعود لأبي الأنبياء إبراهيم تجاهل أن هذا الأمر ينطبق على الديانات الثلاث في العالم كله وليس فقط في الشرق الأوسط،، فهل هي قادرة على تعميم هذا الدين الجديد على الكاثوليك أو البروتستانت في أمريكا أو في بريطانيا أو فرنسا أو اليهود حيثما وجدوا؟!!، الحقيقة أن الإسلام هو المستهدف الوحيد بهذا المسخ، ومن هنا فإن تصدي الأزهر لهذه الدعوة المشبوهة هو قيام بالواجب، لكنه ليس الوحيد المنوط به واجب المواجهة، فهو واجب على كل مسلم، وعلى كل الحكومات الإسلامية، وعلى كل المنظمات والهيئات والجماعات الإسلامية، في كل مكان.

المصدر : الجزيرة مباشر