أسرار حرب أكتوبر المحجوبة.. حتى متى؟!

غرفة عمليات حرب أكتوبر

مع كل ذكرى سنوية لحرب السادس من أكتوبر 1973 يتجدد الجدل حول ملابسات تلك الحرب ، وتطوراتها ونتائجها، وما يُبقي هذا الجدل قائما عدم وجود تحقيق عسكري نزيه يقطع الشك باليقين فيما اختلف فيه من أمور تلك الحرب وخاصة الثغرة التي نفذت منها قوات العدو  إلى العمق المصري في الغرب عبر جسور بنتها فوق القناة، وحاصرت من خلالها الجيش الثالث المصري لأربعة أشهر، وكذا المرحلة الثانية للقتال وهي تطوير الهجوم شرقا لتخفيف الضغط على الجبهة السورية وهو التطوير الذي كلف القوات المصرية خسائر باهظة بينها 300 دبابة في يوم واحد.

ما جدد الجدل هذا العام هو وفاة المشير محمد حسين طنطاوي أحد القلائل المتبقين من قادة حرب أكتوبر، والذي ينسب له ما يسمى بمعركة المزرعة الصينية وهي أحد معارك الثغرة الشهيرة، فالرواية الرسمية ترفعه إلى مصاف الأبطال المغاوير، وإنه حقق انتصارا كبيرا في تلك المعركة، نسبوه إليه طيلة حياته رغم أنه لم يكن القائد الأساسي فيها بل كان يعلوه قيادات أكبر إذ كان هو قائد كتيبة برتبة مقدم ( كان رئيسه اللواء عبد رب النبي حافظ)، ورواية أو روايات أخرى تنسب إليه الانهزام والتسبب في تدمير كتيبته (16 مشاه)، وعلى كل حال فقد كانت تلك المعركة إحدى معارك الحرب التي امتدت 18 يوما من المواجهات العسكرية المباشرة التي التحم فيها الجيشان وجها لوجه كما حدث في معركة المزرعة الصينية نفسها (المزرعة الصينية هي مزرعة تجارب زراعية حكومية شرق قناة السويس).

لا يتورع الإسرائيليون عن ذكر أسباب خسائرهم البشرية والمادية في الحرب، وقد شكلوا  بعد أقل من شهر واحد على انتهاء الحرب (21 نوفمبر 1973) لجنة للتحقيق في تلك الخسائر ( لجنة أجرانات التي كانت برئاسة رئيس المحكمة العليا ومعه قاضيين ورئيسي أركان سابقين) خلصت إلى تحميل المسؤوليات السياسية والعسكرية لعدد من القادة الإسرائيليين، وأوصت بإقالة بعضهم مثل إلياهو زعيرا مدير المخابرات العسكرية، ورئيس الأركان ديفيد إليعازر، وعدد من ضباط الاستخبارات، لكن الأمر مختلف في مصر، فرغم مرور ما يقارب نصف قرن على تلك الحرب(48 عاما) إلا أن تحقيقا لم يتم في الأخطاء التي وقعت خلال تطوير الهجوم شرقا، أو التي تسببت في ثغرة الدفرسوار التي كادت أن تحول النصر إلى هزيمة، حيث أصبح في مقابل عبور القوات المصرية للقناة وتقدمها شرقا لمسافة 12 كيلو مترا، عبور عكسي للقوات الإسرائيلية بقيادة إرئيل شارون ( رئيس الوزراء الراحل) غربا وتقدمه في الأراضي المصرية مسافة مماثلة (وصلت القوات الإسرائيلية إلى الكيلو 101 طريق السويس القاهرة)، وكان ذلك نتيجة وجود ثغرة كبيرة بين الجيشين الثاني والثالث تسببت في تلك الحالة.

في اليوبيل الفضي

في اليوبيل الفضي لحرب أكتوبر (مرور 25 عاما) الذي احتفلت به القوات المسلحة المصرية في العام 1998، كانت هناك ندوة كبرى (على مدار عدة جلسات) شارك فيها كل قادة الحرب الأحياء وقتئذ( باستثناء الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان خلال الحرب والذي استبعد لاحقا بسبب خلافه مع الرئيس السادات حول تلك الثغرة وطريقة القضاء عليها)، وكنت أتوقع أن تشهد الندوة- وقد حضرتها في جميع أيامها- تقييما موضوعيا للحرب، وإبراز الانتصارات وكذا معرفة سبب الإخفاقات حتى يتم تجنبها مستقبلا، لكن الندوة كانت مجرد تمجيد في الحرب والقادة المنتصرين.

لا أقلل بطبيعة الحال من النصر الذي تحقق في حرب 1973، وأرفض المزاعم التي يرددها البعض عن وقوع هزيمة لا نصر، فلا ينبغي أن يدفعنا خلافنا مع قادة المؤسسة العسكرية الحاليين إلى التجني على أحد أبرز أمجاد التاريخ المصري الحديث، وليس من المبالغة اعتبار نصر أكتوبر هو النصر العسكري الوحيد خلال قرن تقريبا، فحتى حرب السويس 1956 انتهت نتيجة إنذار سوفيتي أمريكي لدول العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل)، مع احترامنا الكامل لدور المقاومة الشعبية في بورسعيد.

حين نتحدث عن نصر أكتوبر فإننا نتحدث عن وقائع ملموسة، فرغم ثغرة الدفرسوار، وحصار الجيش الثالث لمدة شهرين، إلا أن النتيجة النهائية كانت عبور قناة السويس وإعادة فتحها للملاحة، وانسحاب القوات الإسرائيلية من غرب القناة(الثغرة)، وتحرير سيناء عبر مفاوضات سياسية استندت إلى ذلك النصر العسكري، وإن بقي جزء لا يزال محتلا من سيناء وهو منطقة أم الرشراش (إيلات) وقد احتلتها إسرائيل منذ العام 1949، وترفض الاعتراف بمصريتها.

عتمة الهزائم

انتصار أكتوبر كما ثورة يناير هما طاقتا النور في عتمة الاستبداد والهزائم التي مر بها المصريون، كان الأول انتصارا عسكريا أزال عار سلسلة من الهزائم سبقته، وكادت ترسخ عقيدة الهزيمة، والثاني ( ثورة يناير) أزالت عقدة استحالة التغيير في مصر، وأثبتت أن التغيير ممكن، وأن المصريين قادرين عليه إذا تحققت لذلك بعض الشروط الموضوعية، وهي ليست شروط مستحيلة التحقق.

بون شاسع بين نظرة الشعب لجيشه عقب هزيمة يونيو 1967 حيث كانت نظرات السخرية تلاحق الضباط أثناء سيرهم في الشوارع حتى أنهم كانوا يخلعون بدلاتهم العسكرية حين يحتكون بالمدنيين تجنبا لسخريتهم، وبين افتخار المصريين بضباط أكتوبر الذين كانوا يحملون على الأعناق وتقام لهم الاحتفالات، وتطلق أسماؤهم على المنشآت والشوارع، ثم انقسام المجتمع المصري في يومنا هذا تجاه المؤسسة العسكرية منذ انقلاب 2013، وعقب تغيير عقيدتها العسكرية، ووضعها في مواجهة مع الشعب وليس مع العدو الخارجي، وهو ما يحتاج عودة الجميع إلى روح أكتوبر.

من حق الشعب المصري أن يعرف تاريخه بكل أمانة، ومن ذلك حقيقة ما حدث في حرب أكتوبر 1973، ومن حق الأجيال الجديدة من ضباط وجنود القوات المسلحة أن يعرفوا كل حقائق تلك الحرب، وما سبقها من حروب، ليتجنبوا أخطاء سابقيهم، ويستفيدوا بتجاربهم.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة