حقيقة التخوف الهندي من المسلمين كأقلية متنامية

احتجاج في كولكاتا على قتل المزارعين

اتجهت الانظار في الأيام الماضية صوب الهند بعد جريمة التهجير القسري، لآلاف المسلمن في ولاية آسام (شمالي شرقي البلاد) مع ما رصدته عدسات الكاميرات للقتل المتعمد لبعض المزارعين من الأقلية المسلمة، وكالمعتاد وعلى الصعيد الشعبي فقد بدت حملات جماهير المسلمين حول العالم، فمن هاشتاج قاطعوا البضائع الفرنسية إلى هاشتاج قاطعوا البضائع الهندية.

أما على الصعيد السياسي فالإدانة والاستنكار في البيانات الرسمية للدول العربية الاسلامية لا تنبيء بجديد يذكر. الكاتب البريطاني باتريك كوبيرن في مقاله بصحيفة إندبندنت البريطانية لخص المشهد بقوله: “المسلمون يذبحون في الهند والعالم لا يبالي!”

كما يبدو فالحادثة ليست فردية وإن كان ليس من المصلحة تضخيمها لترتقي إلى عبارة “اضطهاد ديني”، وهو وفق الحكماء من المسلمين هناك لا يخدم مصالح المسلمين في الهند كما تقول المؤسسات الدينية، لكن الحادثة إن لم تكن كذلك فلا بد أيضا من عدم تقزيمها.

إن وعي المسلمين حول العالم بقضايا الأقليات المسلمة باعتبار أن المسلمين مجتمعون اليوم ليسوا أقلية في العالم حيث يمثلون التعداد الثاني للديانات حول العالم وفق الإحصائيات الدولية الرسمية، وهم مرشحون بعد عدة عقود ليكونوا في المرتبة الأولي من دون منازع، لكنهم وفق قواعد الأمم والقوى الدولية الاضعف والأقل تأثيرًا في معادلة الاستقطاب الدولية ما يعبر عنه المصطلح الإسلامي الصريح: “أمة غثائية”.

ماذا خسر العالم؟

في سنة 1950 ذاع صيت كتاب: (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) للعالم الهندي أبو الحسن الندوي وكانت الهند لا تزال حديثة عهد بانفصال واستقلال باكستان عنها سنة 1947م

ومع أن ملايين المسلمين الذين شكلوا في هذه الدولة وقتها ضعف سكان أكبر دولة عربية حينها وهي مصر إلا أن الديمغرافيا جعلت أيضا المسلمين الهنود في الهند في نفس المرتبة العددية حيث الترتيب الثاني لتعداد السكان مع انخفاض النسبة إلى قرابة 9‎%‎ وقتها لتزيد الآن إلى قرابة 16‎% وهو تنامي تعده الدولة الهندية خطيرًا أيضًا.

الكتاب الذي رصد فيه الندوي تراجع العالم وخسارته بضعف المسلمين حضاريا رغم قدرتهم العددية نوقش وقتها من منظور جلد الذات إلا أنه بعد 5 عقود من هذا الكتاب طرح الغرب نظريته حول خسارة المسلمين بضعفهم رغم قدرتهم على التنامي السكاني في مجتمعات مثلوا فيها الأقلية كان من بينها الهند.

حوادث التعدي الطائفي في الهند ذات التعداد السكاني الهائل حيث تمثل المركز الثاني عالميا بعد الصين، هي حوادث متكررة لعل آخرها من حيث الصدى ما حدث في فبراير 2020م بعد قانون الجنسية الجديد الذي عامل المسلمين بتميز فج أدى إلى نشوب أعمال شغب في البلاد تحملت العاصمة نيودلهي وحدها 38 قتيلًا جراء هذه الاحداث.

ورغم ما تتمتع به الهند من تعددية إلا أن نظرة القومين الهندوس للتنامي العددي للمسلمين تختلف عن النظرة العامة للغرب الذي يدرس مدى التأثير وعوامل القوة في المعادلة ولا يعنيه الزيادة السكنية.

فاشكالية الغرب حول ما يمتلكه المسلمون ودولهم من عوامل ريادة وقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية تؤثر سلباً وإيجاباً على عوامل القوة الدولية وليس ما يمثلونه كديانة من حيث العدد في عالم يدعى العلمانية والتعايش.

النظرية السائدة

فاالنظرية السائدة لدى الغرب في التسعينات تختلف عن الغرب بعد صعود اليمين المتطرف، ففي السنوات الماضية حيث كانت نظرة الغرب التبريرية وفق مراكز دراساته ترى أن الإسلام يحل ثانيا بعد المسيحية في الزيادة السكانية عن طريق تحويل الفرد لديانته وأن الزيادة السكانية للمسلمين تمثل زيادة تناسلية ثقافية يرجعها المحللون لسوء التنمية والجهل والاستبداد كما أن الزيادة ليست مطلقة بل إن ثمة دولا تراجع فيها تعداد المسلمين ونسبتهم مثل الفلبين وروسيا والصين.

أما القراءة الهندية للمجتمع المسلم في إطار الدولة الوطنية ترصده الحادثة الاخيرة التي بررت وسائل اعلام هندوسية أن تزايد المسلمين في آسام يمثل خطراً على الهندوس وأن نحو 20 ألفا من الأقلية المسلمة وجب تهجيرهم من بيوتهم قانوناً بعد قرار السلطات بذريعة أنها أقيمت فوق أراض مملوكة للدولة.

ورغم أن المسلمين في الهند يمثلون حوالي 195 مليون مسلم مما يجعلها أكبر دولة تضم أقلية مسلمة في العالم، وتقترب من عدد مسلمي الجارة باكستان إلا أن التخوف الهندوسي يختلف عن التخوفات الغربية قبل صعود اليمين وتقترب أو تتطابق مع صعود اليمين الغربي ولعل قراءة تلك الدوافع تحتاج إلى تساؤلات أكثر عمقاً لفهم الحالة الإسلامية في الهند تكمن في طرح بعض التساؤلات أبرزها:

هل ينعكس ما يحدث للاقليات المسلمة في العالم مثل: الإيغور وما حدث من حوادث إرهاب في الغرب ضد المسلمين على الحالة الهندية؟

وهل للتصعيد الباكستاني الهندي لدولتين طالما تصارعا حتى في الملف النووي انعكاس على الأقلية المسلمة في الهند؟

أم أن اندماج المسلمين الهنود في الدولة يقف حائلًا لخلط تلك الأوراق التي تتشابك مع صعود اليمين الهندوسي؟

وكيف يمكن للدولة الهندية إدارة التوازن بين أقلية مسلمة يرى القوميون (اليمنيون) الهندوس الصاعدون في السياسة الهندية أن ولاء هذه الأقلية لباكستان، وأن التنامي العددي يمثل خطرًا على الهندوس الأغلبية الكبرى في البلاد؟

ومن هنا يمكن أن نشير إلى الدراسات الهندية الرسمية والتي تثبت أن المسلمين في الهند يتبنون سياسة تنظيم الأسرة بمعدل أسرع من الهندوس.

كما تجيب تقارير سياسية لأحزاب هندوسية علي المزاعم اليمينية للـ(القوميين الهندوس) بوجود خطة معدة من المسلمين للاستيلاء على السلطة مستقبلاً بأن هذا من المستحيل حدوثه على الأقل على مدى قرنين من الزمن في ظل التفوق العددي للهندوس والذي يمثل ضعف المسلمين 6 أمثال على الأقل.

لتبقى الإجابة على أسئلة في المقالات القادمة حول الكيف وليس الكم في معادلة القوة والديمغرافيا للمسلمين في الهند والعالم، وهل بالفعل خسر العالم بانحطاط المسلمين أم خسر المسلمون قوتهم وتأثيرهم في العالم؟

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة