امرأة النّبيّ إذ تحلّ الأزماتِ السّياسيّة وتشاركُ تفاصيلَها

يملؤهم الحزنُ ويسيطرُ عليهم الغمّ؛ وقفَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الحديبية عقب توقيع الاتفاق بين النبيّ وسهيل بن عمرو، وتلاشي أملهم بدخول مكّة المكرّمة محرمين معتمرين في ذلك العام.

  أزمةٌ سياسيّةٌ عاصفةٌ والحلّ عند امرأة

أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يقوموا فينحروا ثم يحلقوا متحلّلين من الإحرام، فلم يستجب أحدٌ، وكرّر عليهم ذلك ثلاث مرّات فلم يستجيبوا.

نحن أمام أزمةٍ كبيرة، إنّها أزمةٌ شرعيّة مهلكةٌ بمعصيتهم لأمر النبيّ صلى الله عليه وسلّم الصّريح، وأزمةٍ سياسيّةٍ تتمثّلُ في عصيانهم أوامر حاكم الدّولة الذي عقد اتفاقًا سياسيًّا جاء على خلاف رغبتهم.

دخل النبيّ صلى الله عليه وسلّم على امرأته أمّ المؤمنين (أمّ سلمة) هند بنت أبي أميّة رضي الله عنها وقد علاه الهمّ يحدّثها بما جرى.

في صحيح البخاريّ: “فَلَمَّا فَرَغَ مِن قَضِيَّةِ الكِتَابِ، قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، قالَ: فَوَاللَّهِ ما قَامَ منهمْ رَجُلٌ حتَّى قالَ ذلكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ منهمْ أحَدٌ دَخَلَ علَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا ما لَقِيَ مِنَ النَّاسِ”

وفي رواية أبي المليح: “فاشتدَّ ذلك عليه فدخلَ على أمّ سلمة، فقال: هلكَ المسلمون أمرتُهم أن يحلقوا وينحروا فلم يفعلوا؛ قال: فجلّى الله عنهم يومئذٍ بأمّ سلمة”

نعم؛ لقد جلّى الله عنهم بأمّ سلمة، وكان حلّ هذه الأزمة الشرعيّة والسياسيّة التي عصفت بالمسلمين عند هذه المرأة.

وقبل أن نتعرّف الحلّ الذي أشارت به أمّ سلمة رضي الله عنها؛ فلا بدّ من تسليط الضّوء على ثلاث نقاط من أهمّ ما في هذا المقطع حتّى الآن:

الأولى: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم عندما اشتدّ عليه الأمر وحزَبه الخطب وجدَ في امرأته أمّ سلمة موضعًا موثوقًا وصالحًا لبثّ الشّكوى فتكلّم معها بكلّ إقبالٍ وثقةٍ في أنّه سيجد عندها راحة نفسه وقلبه.

الثّانية: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم تحدّث مع امرأته بوصفها مستشارةً يستمع رأيها وموقفها في قضيّة مفصليّة تتعلّق بمصير المسلمين عمومًا.

الثّالثة: أنّ أمّ سلمة رضي الله عنها كانت ترى في نفسها الأهليّة لذلك فلم تتعامل بسلبيّة أو اعتذاريّةٍ مع الموقف بل بادرت إلى تقديم الحلول بكلّ مسؤوليّة وكفاءة.

في صحيح البخاريّ: “فَقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أتُحِبُّ ذلكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا منهمْ كَلِمَةً، حتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدًا منهمْ حتَّى فَعَلَ ذلكَ؛ نَحَرَ بُدْنَهُ، ودَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذلكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا، وجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا”

بل أكثرَ من ذلك فقد سعت إلى التماس العذر وتفسير رفض الصّحابة رضي الله عنهم تنفيذ الأوامر بما يطيّب نفس النبيّ صلى الله عليه وسلّم على أصحابه، وقد بيّن ابن حجر العسقلاني بعض تفاصيل الحوار فقال في “فتح الباري”:

“زاد ابن إسحاق قالت أم سلمة: يا رسول الله لا تكلّمهم، فإنّهم قد دخَلَهم أمرٌ عظيم ممّا أدخلتَ على نفسك من المشقّة في أمر الصّلح، ورجوعهم بغير فتح.

ويحتمل أنّها فهمت عن الصّحابة أنّه احتمل عندهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتّحلل أخذًا بالرّخصة في حقّهم وأنّه هو يستمرّ على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حقّ نفسه، فأشارت عليه أن يتحلّل لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم صواب ما أشارت به ففعله فلما رأى الصّحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به إذ لم يبق بعد ذلك غاية تُنتَظر .
وفيه فضل المشورة، وأنّ الفعل إذا انضمّ إلى القول كان أبلغَ من القول المجرّد، وليس فيه أنّ الفعل مطلقًا أبلغ من القول، وجواز مشاورة المرأة الفاضلة، وفضل أمّ سلمة ووفور عقلها”

تمثّل أمّ سلمة رضي الله عنها في هذا المشهد “المستشار السّياسيّ” لحاكم الدّولة المسلمة التي يستشيرُها في مسألة مفصليّة ويأخذ برأيها ويطبّقه دون الشّعور بأدنى حرجٍ في تطبيق رأيٍ أشارت به امرأةٌ على الحاكم الذي هو أيضًا سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد صلى الله عليه وسلّم.

 مشاركة تفاصيل الوقائع السّياسيّة ومعايشةُ مِحَن الرّجال

في السّنة التّاسعة من الهجرة عقب عودة النبيّ صلى الله عليه وسلّم من غزوة تبوك وقعت محنة الثّلاثة الذين خلّفوا، وهم كعب بن مالك وهلال بن أميّة ومرارة بن الرّبيع رضي الله عنهم، إذ أمرَ النبيّ صلى الله عليه وسلّم المجتمع بالامتناع عن الكلام مع أيّ واحدٍ من هؤلاء الثّلاثة وعندما بلغوا أربعين يومًا أمر نساءهم باعتزالهم واللّحوق بأهليهنّ، وخلال هذه العقوبة المجتمعيّة عانى هؤلاء الثّلاثة من الألم النّفسيّ حتّى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم.

وهذه الحادثة ذاتُ بعدٍ سياسيّ واضح فهي متعلقة بشأنٍ من شؤون السياسة وهو التخلف عن المعركة، وقد كانت أمّ سلمةَ رضي الله عنها متابعةً لتفاصيل هذه المحنة متعاطفةً مع أصحابها معنيّةً بشأنهم.

فقد جاء في صحيحي البخاريّ ومسلم عن أحد هؤلاء الثّلاثة وهو كعب بن مالك رضي الله عنه:

“ونَهَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن كَلَامِي، وكَلَامِ صَاحِبَيَّ، ولَمْ يَنْهَ عن كَلَامِ أحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غيرِنَا، فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا، فَلَبِثْتُ كَذلكَ حتَّى طَالَ عَلَيَّ الأمْرُ، وما مِن شيءٍ أهَمُّ إلَيَّ مِن أنْ أمُوتَ فلا يُصَلِّي عَلَيَّ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أوْ يَمُوتَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأكُونَ مِنَ النَّاسِ بتِلْكَ المَنْزِلَةِ فلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ منهمْ، ولَا يُصَلِّي ولَا يُسَلِّمُ عَلَيَّ فأنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا علَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، ورَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، وكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً في شَأْنِي مَعْنِيَّةً في أمْرِي”

فهنا يذكرُ كعب بن مالك في سياق الامتنان لأمّ المؤمنين أمّ سلمة رضي الله عنها أنّها كانت محسنةً في شأنه، ومعنيّةً في أمره، وفيه بيانٌ واضحٌ بأنّ المرأة المسلمة التي كانت مستشارةً سياسيّة للنبيّ صلى الله عليه وسلّم؛ كانت أيضًا مهتمّةً بالشّأن العام، متابعةً تفاصيل الأحداث، وتعلنُ تعاطفها مع أصحاب المحن والشّدائد، وكلّ ذلك على مرأى وإقرارٍ من النبيّ صلى الله عليه وسلّم فيغدو هذا تشريعًا لا محضَ تعاطف عابر.

بل أكثر من ذلك فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم كان يتابع اهتمام أمّ سلمة رضي الله عنها بهذه القضيّة فكانت أوّل شخصٍ يخبره رسول الله صلى الله عليه وسلّم بأنّ الله تعالى تاب على هؤلاء الثّلاثة، بل نصّ على أنّ الله تاب على كعب بن مالك لما كان يرى من اهتمام زوجته أمّ سلمة رضي الله عنها بشأنه واهتمامها بقضيّته وشعورها بعظيم محنته.

جاء في صحيحي البخاريّ ومسلم:

“فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ علَى كَعْبٍ قالَتْ: أفلا أُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قالَ: إذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ حتَّى إذَا صَلَّى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَاةَ الفَجْرِ آذَنَ بتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا”

فهنا بيانٌ واضحٌ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم أخبر أمّ سلمة بتوبة الله تعالى على كعب بن مالك وكان الوقت في الثّلث الأخير من الليل، ولم تجد أمّ سلمة أيّة غضاضة في أن تخبر النبيّ صلى الله عليه وسلّم رغبتها في أن ترسل إلى كعب بن مالك على الفور تبشّره بتوبة الله عليه، ولم ينكر النبيّ صلى الله عليه وسلّم الفكرة بل أشفق على أمّ سلمة مبيّنًا لها أنّ النّاس سيزدحمون على بابها ويمنعونها من النّوم هذه الليلة وهذا مُرهِق لها، فبيّن لها أنّه سيفعل ذلك أي يبشّر النّاس بتوبة الله على كعبٍ وأصحابه في صلاة الفجر.

ما أرقى هذا الحوار، ما أرقى اهتمام النبيّ صلى الله عليه وسلّم بما تهتمّ به زوجته من الشّؤون والأحداث العامّة ووضعها في صورة التفاصيل والتّطورات، وما أرقى رغبةَ أمّ سلمة رضي الله عنها في رفع أثقال الهمّ والمحنة عن أحد أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم، وما أرقى حرص النبيّ صلى الله عليه وسلّم على راحة زوجته وعدم تعريضها لما يرهقها من ازدحام النّاس ببابها.

هذه هي أمّ سلمةَ رضي الله عنه؛ المستشار السياسيّ والمتابع الدؤوب لتفاصيل الأحداث المجتمعيّة والمهتمّة بشؤون النّاس رجالًا ونساءً، وهي نموذجٌ لما يربّي عليه الإسلام المرأة لتكون فاعلةً في واقعها، قائمةً بمهمّتها في إعمار الكون والاستخلاف في الأرض؛ “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ”.

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة