بين سجون مصر والصين.. يا قلبي لا تحزن!

المجمع الجديد للسجون المصرية الذي تم الاحتفال به مؤخراً

احتفلت مصر بافتتاح أكبر مجمع للسجون في الشرق الأوسط الأسبوع الماضي، في زفة إعلامية فريدة من نوعها، على أنغام أغنية ” فرصة للحياة”، بينما دعت وزارة الداخلية البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية ولجان حقوق الانسان في البرلمان لزيارة السجن الجديد، بصحراء وادي النطرون باعتباره إنجازاً تاريخياً، يشهد بقدرة النظام على منح الإنسان فرصة للحياة الراقية في السجون.

لم يكن غريبا أن يُشَبه النظام السجن العملاق بالسجون الأمريكية الحديثة، ولكن المضحك أنه يعتبر هذا السجن أيقونة ستتكرر بإقامة ثمانية سجون أخرى على نفس القدر من الفخامة، رغم أن أمريكا وغيرها من الدول الحرة، تطبق فلسفة جديدة مع السجناء، تعتمد على الرقابة الإلكترونية للأفراد في منازلهم أو محيطهم السكني، وتكليفهم بعمل عام، فلا يعاقب بالسجن إلا القتلة وعتاة المجرمين.

ومن المريب أن يعتبر المسؤولون السجون وسيلة لإعادة التأهيل الديني والثقافي والنفسي والمهني، بما “سيغير مجرى حياة السجناء”. هذه الجملة توقفنا عندها كثيراً، فلم نجد في السنوات الأخيرة دولة تفتخر ببناء سجون فارهة بهذا القدر، وهي غير قادرة على بناء مدارس ومستشفيات. وهناك عشرات السجون، يُحشر فيها النزلاء السياسيون من دون أسناد أي أعمال لهم وتحول دون ممارستهم أنشطة تحافظ على لياقتهم الجسدية والعقلية، ويتقاتل الجنائيون على اقتسام “البرش” بالسنتيمتر، في وقت تتسابق فيه الدول على غلق السجون أو جعلها مفتوحة بلا أسوار كما في هولندا والنرويج، وبعض الولايات بالهند.

حدث في الصين

ذكرنا هذا الاحتفال بما يحدث في الصين، حيث دعت الحكومة عددا من السفراء وقناصل الدول وبعض الإعلاميين المقربين للنظام الشيوعي، بزيارة معسكرات “إعادة التأهيل السياسي، وتطهير عقول الإيغور المسلمين من الأفكار المتطرفة”، في منطقة شينجيانغ، التي يعيش بها نحو 23 مليون مسلم. ذهبت عشرات الوفود في زيارات مخططة سلفا، فلم تجد في الشوارع إلا الأهالي الذين أمروا بعدم الحديث نهائيا مع الغرباء، ويلبسون ثيابا تقليديا زاهية، ويمارسون الرقص والغناء، ويكتفون بالابتسام في وجه الوفود والسائحين. ومرت الوفود في شوارع كاشجر العاصمة التاريخية للإقليم، فلم يلحظوا كيف أزيلت مئات المساجد وتحولت أخرى إلى مسارح ومتاحف ومناطق الوضوء أصبحت دورات مياه سياحية، بينما كثرت المطاعم وأماكن اللهو، والمصانع والتجمعات التجارية التي أقامتها الدولة.

عادت الوفود، وكان منهم دبلوماسيون مصريون وكثير من العرب والدول الإسلامية، فأعلنوا في مؤتمر صحفي عقدوه بالصين في شهر يوليو الماضي، بمناسبة الاحتفال بمرور 100 عام على إنشاء الحزب الشيوعي الحاكم، أن ما يحدث من تطهير عرقي للمسلمين ووضع مليون منهم في معسكرات العمل القسري والاحتجاز مجرد أكذوبة!

هذه الرحلة ظهر أثرها الأسبوع الماضي، حينما أصدرت 62 دولة من بينها دول عربية مثل: مصر والعراق واليمن والسعودية، والصومال والإمارات، بيانا يدافعون فيه عن الانتهاكات التي تمارسها الصين بحق شعب الإيغور المسلمين في شينجيانغ (تركستان الشرقية). لم يأت موقف 14 دولة عربية إلا مجاملة للصين وردا على بيان أصدرته 43 دولة أخرى من بينها دوا عربية وإسلامية أيضا، والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، وغيرهم.

يؤكد البيان، من خلال قصص مصورة وشهود من داخل الإقليم وخارجه، أن بيجين تمارس التطهير العرقي المُمَنهَج على هؤلاء المواطنين ليس بصفتهم مسلمين فقط بل لأنهم جنس مختلف، ترى الصين أنه يتمسك بهويته الثقافية المتفردة بما يشكل تهديدا للانفصال في مرحلة لاحقة.

تغيرت معاملة بيجين للمنطقة التي سيطرت عليها عام 1949 ورغم حكم أهلها بقسوة في عهد ماو تسي تونغ إلا أن شعبها اندمج في الدولة الجديدة، بعد منحها استقلالا ذاتيا، يحافظ على تراثها الثقافي والحضاري والديني. تغير الأمر كثيرا بعد وقوع عدة أعمال إرهابية رفضها أهالي الإقليم وبدلاً من التقارب مع المواطنين آثرت بيجين التعامل بغلظة مع الناس، منذ عام 2014، بعد وصول شي جينبنغ بعدة أشهر، حينما بدل أهداف الحزب، من التغيير عن طريقة التنمية، إلى التعامل مع المواطنين بعنف من أجل تحقيق الاستقرار.

هدمت الصين خلال السنوات الخمس الأولى لهذا البرنامج آلاف المساجد، وألقت بمليون شخص في أكبر سجون العالم، أقيمت على شكل معسكرات ” لإعادة تأهيل وتعليم الشعب” مبادئ الماركسية اللينينية وحفظ مأثورات من أقوال الزعيم ماو تسي تونغ وشي جينبنغ ووضِع الإيغور تحت رقابة تقنية عالية في الشوارع والمنازل وقطعت صلتهم بالعالم الخارجي.

العمل القسري

بعد انتهاء السنوات السوداء نهاية عام 2017، احتفى الصينيون بعدم وقوع أية حوادث إرهابية، في الإقليم اعتقادا بأن سياساتهم القمعية أدت إلى هذه النتيجة، مع ذلك لم ترفع نقاط التفتيش الكثيفة على الطرق، فلا تمنح السلطات المواطنين تصريحا بالخروج من الإقليم إلى باقي مدن الصين، ولا تسمح لهم بتغيير مهنهم ومقر اقامتهم. فالشركات والمحال التجارية الكبرى مملوكة للدولة، كما تحدد الزائرين للإقليم وتتبع الأجانب أينما حلوا وتحظر دخول الإعلاميين إلا المدعوين من الجهات الرسمية بالدولة، وهي التي تحدد جدول الزيارة والمتحدثين معهم. لذلك لا يظهر أمام الغرباء إلا الراقصين والراقصات في الشوارع، والمظاهر المخادعة، بينما الشعب المقهور بعيد في الشوارع الضيقة والحواري، المراقبة بالكاميرات وعيون الجواسيس.

في اتصال مع عدد من الفاريين من الإيغور، يقيم حاليا في أوربا، أخبرنا أحدهم أن العمل القسري عقوبة شائعة فيطلب من الناس العمل في زراعة القطن أو مصانع الغزل حيث تنتج شينجيانغ 20% من احتياجات العالم من القطن. وأكد أن السلطات ألقت القبض مؤخرا على أشهر مغن في الإقليم و400 من كبار المثقفين والإعلاميين بتلفزيون الحكومة، رغم أنهم شاركوا في أغانٍ باللغة الصينية تمجد الحزب الشيوعي وقادته، خلال الاحتفال بالعيد المئوي للحزب، لمجرد خوفهم من ظهور حماسة هؤلاء لثقافة الإيغور وليس بالضرورة أن يكون من بين هؤلاء من هم متحمسون للإسلام.

من المؤكد أن ما يحدث من قهر للمسلمين الإيغور، ليس له علاقة بما يجري في مصر، فنحن لا نتشارك معهم في حملات التطهير العرقي أو الديني وإن كانت مصر قد وقعت اتفاقية أمنية تسلمت الصين بموجبها عشرات من طلاب الإيغور، لكن هناك تشابها في كثير من الأمور المتعلقة بهذا الحفل والأغنية الجديدة.

فمصر والصين لديهما أجهزة تستطيع إدارة مثل هذه الزيارات الرسمية بحفاوة ودقة، لا يعرفها إلا قليل، وفي الوقت ذاته يحتلان المراكز الأولى في القوائم السوداء المتعلقة بسوء أوضاع السجناء، والصين تسبق مصر في قائمة الدول الأكثر ملاحقة للصحفيين والإعلاميين.

كما يتقارب الطرفان في النسب بين الدول الأكثر تطبيقا لحكم الإعدام، وخاصة في القضايا السياسية. هذه الأمور جعلت الرابط العجيب بين افتتاح السجن الجديد في وادي النطرون وما يحدث في الصين أمراً طبيعياً باعتبارها الدولة التي تقيم السجون الأكثر اتساعاً وعنفاً عن أي دولة أخرى. وتنشر الصين ثقافة تجد  صداها في الدول المشابهة لنظامها الديكتاتوري، حيث تروج لها أن الشعوب تريد لقمة العيش وتحقيق الاستقرار وإن جاءت عبر القبضة الأمنية. ولأن الصين حققت إنجازا اقتصاديا مشهودا، يعتقد بعض القادة العرب أن تلك الوسائل يمكن الأخذ بها مع شعوبهم، غير مدركين أن النظم الفاشية الكبرى في العالم كانت الأكثر إنجازا اقتصاديا، ولكن عندما وقعت الواقعة، ذهبت مع الريح.

 

 

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة