بعد عام من مقاطعة فرنسا.. هل ملأ أردوغان فراغ الحكام العرب؟

عدد من العلماء والاعلاميين الذين شاركوا في المؤتمر

منذ أيام قليلة خلت أقامت الهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام، صلى الله عليه وسلم مؤتمراً في مدينة إسطنبول التركية.

الهيئة التى أسسها عدد من علماء المسلمين حول العالم، لمناصرة نبي الإسلام بعد حملة الإساءة الغربية وخاصة ماحدث منذ عام في فرنسا وما صرح به الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، وكانت تبعيتها استمرار حملات المقاطعة للمنتجات الفرنسية من المسلمين حول العالم.

الهيئة التي تبنت خيار المقاطعة للمنتجات لمدة عام متواصل نجحت في نزع اعتراف فرنسي وغربي بجدوى هذا السلاح الشعبي البسيط، إذ دفعت كل من الرئاسة والخارجية في فرنسا إلى مطالبة المسلمين بعدم الاستجابة لدعوات المقاطعة وضرورة الحوار، وأن هذا الخيار مضر أيضًا بمصالح الاقتصاد في دولهم.

البضائع العابرة

اقتصاديا لم تتبن الحكومات العربية وكثيراً من الحكومات الإسلامية هذا الخيار، وتركت المجال للبضائع الفرنسية بالعبور خلال موانيها، لكن على الصعيد الشعبي لاسيما في الأشهر الأولى حققت المقاطعة نتائج مبهرة جعلت الحكومة الفرنسية تستنجد بالحكومات العربية والإسلامية لمساعدتها في رفع ما أطلقت عليه حصاراً شعبياً يضر مصالح البلدان.

على الصعيد السياسي فإننا نستذكر موقف حكومات وقادة الدول العربية والتى لم تنطق ببنت شفه في هذا الأمر، ولم تكن على مستوى الهبة الشعبية باستثاء بيانات شجب تقليدية، ذراً للرماد في العيون، بل استقبلت دول عربية على رأسها مصر وزير الخارجية الفرنسي الذي حاول تلطيف الأجواء في بلد الأزهر، مع ما أثبته شيخ الأزهر من موقف اعتبر شديداً على المستوى الدبلوماسي أثناء زيارة الوزير لمصر فيما استقبلت باريس السيسي بعدها بشهر واحد وسط انتقاد اسلامي وعربي على المستوى الشعبي.

في مؤتمر نصرة النبي تم اختيار تركيا بلدًا مستضيفاً، وكان لافتاً أن الإعلام العربي الرسمي لم يتعرض لهذا المؤتمر الحاشد والذي مثل نخبًا إسلامية من أقطار عدة ورمز وشخصيات سياسية ودعوية بارزة، وكان الحضور العربي الرسمي باهتًا لتحل دول غير عربية وعلى رأسها تركيا، واندونيسا، وماليزيا، وباكستان، في مقدمة الدول التى دعمت الحشد الشعبي لهذه الحملة التى مكثت عامًا من الزخم الشعبي الإسلامي حتى قامت وسائل إعلام غربية وعلى رأسها فرنس 24 ودوتش فيلة، وبي بي سي  بتدشين حملات إعلامية وتقارير تنتقد فيها ما أسمته استغلال مشاعر المسلمين.

وبالعودة لتركيا التى تصدرت المشهد إعلامياً، فإن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أعلن دعمه المقاطعة واستنكاره لتصريحات ماكرون واحتدت التصريحات بين الحكومتين لدرجة غير مسبوقة ليحظي أردوغان بدعم شعبي عربي وإسلامي وتعاطفا جماهيري غير مسبوق، كما حل رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان ثانيا في تصريحاته ودعمه لموقف الشعب الباكستاني من تلك المقاطعة ومؤيدا للمظاهرات العارمة في البلاد.

إيران وبعيدًا عن دورها السياسي مثلت أيضا ردة فعل تعتبر قوية إذا ما تم مقارنتها بحكومات الدول العربية الصامتة.

من هذا المشهد لنا أن نستخلص الأتي:

أولاً: يبدو أن المزايدات السياسية التى كان يستغلها الحكام العرب لم تعد مطروحة على الطاولة، كما أن إدراك تلك الحكومات لفاعلية القوى الشعبية لم تعد موجودة رغم أن المسلمين يمثلون حاليا عددا ضخماً يقترب من ملياري مسلم، وهم على الصعيد الشعبي والاقتصادي يتعاطفون ويتجاوبون مع من وقف فيهم خطيبًا من القادة أو الزعماء ولوكان على غير لغتهم.

وباستثناء دول عربية وبعض قادتها مثل الكويت وقطر لم يكن هناك مواقف رسمية  يمكن وصفها بالقوية تمثل حجم الدول العربية وشعوبها.

ثانياً: الانتقادات الإعلامية العربية كنت تصب جام غضبها متساءلة لماذ تفرض القيادة التركية نفسها اليوم على الصعيد الشعبي والاسلامي؟ وتستضيف الأقليات المسلمة وتعبر بقوة على المواقف الإسلامية الجامعة؟ وتكون بذلك حاضرة في كل مشهد يخص المسلمين في العالم.

ولماذا ازدات شعبية الحكومة التركية في أفريقيا وفي بؤر الأقليات المسلمة وأصبح الرئيس التركي أردوغان اليوم أحد أبرز الحكام المسلمين شعبية فيما يخص القضايا الإسلامية هناك؟

ولماذا تراجع دور دول عربية كانت حاضرة بقوة علي مر عقود مضت في هذه المناطق؟

لقد مثلت أبسط المواقف والتصريحات للرئيس التركي نبض الشارع العربي والإسلامي وخطبه المترجمة أتت ثمارها لشعوب تعيش حالة ضعف وتبحث عن من يمثلها ولو بالقول لا الفعل.

ثالثاً: لم يقدم أردوغان وحكومته واقعياً سوى الخطاب الرسمي الشعبي وقليل جدا من الأفعال والدعم والمواقف، لكن الشعوب باتت متعطشة ولو بكلمة أو إشارة في زمن الجزر الذي تعيشه الأمة الإسلامية.

رابعاً: لقد عاشت الشعوب العربية في ظل الربيع العربي حلما جميلاً مثلت فيه الإرادة والمواقف وكانت الميادين وكذا المواقف السياسية لمن انتخبهم الشعب معبرة عن صوت الشارع، واليوم يلخص المشهد عند ذكر الرئيس محمد مرسي رحمه الله بالقول “وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”.

خامساً: إن قضايا مصيرية مهمة مثل القضية الفلسطينية تفرض حالها بالأحداث المتتابعة ولا تجد رغم أهميتها الاستراتجية في البعد الجغرافي والأمن القومي لدول عربية مجاورة ثم لا تجد من يتصدر للحديث عنها بلغة أقرب للشارع مثل الرئيس التركي أردوغان وسط غياب للدور العربي بشكل عجيب!

كذلك قضايا الأقليات وعلى رأسها: الإيغور وكشمير وأفريقيا الوسطي، كان الرئيس التركي هو المتفرد بالتصريحات والمواقف الدبلوماسية الدولية.

لقد انتقدت الدول الغربية موقف الرئيس التركي من قضايا المسلمين واعتبرته مزايدة سياسية واستغلال لمشاعر المسلمين، وذلك بالطبع مع صمت عربي ليس له مثيل!

سابعاً: ما يبرهن على ما سبق هو ما حدث منذ أيام حيث قرر الرئيس التركي التصريح بلغة شديدة ضد 10 دول وسفرائها في بلاده، بعد بيان مشترك تدخلوا فيه للإفراج عن احد المتورطين في انقلاب يوليو/تموز 2016 .. التصريحات الرئاسية بدت قاسية ومبالغ فيها إذ صرح بعدم الترحيب بسفراء تلك الدول وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، بعد دقائق قليلة عجت مواقع التواصل الإجتماعي العربية بدعم أردوغان وتصريحاته بشكل ضخم وملحوظ.

وبغض النظر عن مآلات التصريحات وماحدث من نتائج على الصعيد الاقتصادي أو ما ترتب من تراجع الدول عن بيانها مع أن ما حدث من تصريحات وتراجع هو خطوة غير مسبوقة من التصعيد الغربي التركي.

نجاح أردوغان

ولكن الخلاصة تكمن في حقيقة أن أردوغان نجح في إدارة أزمته على المستوي المحلي والدولي، كما نجح في مخاطبة جماهير العرب بلغته التركية، فيما فشل الحكام العرب في مخاطبة ضمائر ومشاعر شعوبهم بلغتهم العربية .. بل إن العجيب أن ترى الإعلام الرسمي العربي ينتقد أردوغان بالقول “إن الرجل يبالغ ويزايد ويلعب على مشاعر الجماهير”، وهذا إن كان صحيحا فهل نجح حكام العرب في إفشال ما يفعل أو بالاقتراب من شعوبهم أكثر، ومخاطبة الوجدان العربي أو إصلاح أحوالهم لتكون حكوماتهم معبرة عن مواطنيها، بدلًا من انتقاد أردوغان بحديثه يُفتح باب المقارنة أمام الشعوب بين مواقفه القوية ومواقف حكام العرب الضعيفة المخزية، والحقيقة أن أردوغان في تصريحاته يتحدث بلغته الشعبية التركية ويخاطب شعبه الذي انتخبه، لكن حديثه بالنسبة للعرب على طريقة “إياك أعنى يا جارة” ..  فعندما يتحدث عن فلسطين يعرف العالم العربي والاسلامي كله الفرق بينه وبين من باعوا وطبعوا  في هذا الزمان، وكلما تحدث عن قضايا المسلمين ظن هؤلاء أنهم المقصودون كما يقول المثل المصري الدارج، “اللي على رأسه بطحة بيحسس عليها!” لتبقى الحقيقة أن الرئيس التركي ما كان ليملأ فراغ نبض الشعوب العربية والإسلامية لو كان لهذه الشعوب من يعبر عنها.

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة