عبد الرحمن الشرقاوي.. الكلمة نور

د. أيمن منصور ندا

قدم الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي مسرحية “الحسين ثائرا” في الستينات من القرن الماضي وفي مشهد من أهم مشاهد المسرحية يصور لنا الشرقاوي هذا المشهد:
كانت حياة ومصير أل بيت الرسول الكريم محمد” صلى الله عليه وسلم”، تتعلق بكلمة واحدة ينطق بها سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب، معترفا ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان بالخلافة كلمة ربما تكون في عرف الكثيرين بسيطة.
مجرد كلمة تنهى الشقاق بين الأمة، التي كانت لا تزال تحبو في العالم، لتنشر الرسالة الخاتمة والأكمل لسعادة البشرية.
هذه الكلمة قد يراها البعض هينة بسيطة “لا تفرق” ولكن الحسين رضي الله عنه وأرضاه، رآها محور حياة وكيان أمة، وفارقة بين الحق كما يراه آل بيت الرسول وآخرون.
هي كلمة تماثل كلمة عمر بن الخطاب، حينما أعلن للجميع في مكة إسلامه، فكان الفاروق رضي الله عنه الذي فرق بين الحق والباطل.
كلمة علي بن أبي طالب حينما أصر على الخلافة واستشهد في سبيلها.
هكذا صور الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، المشهد في مسرحيته الخالدة ” الحسين ثائرا”.
ما معنى الكلمة؟
وأنشد الشرقاوي في معني الكلمة قصيدة رائعة يقول فيها:
أتدري ما معنى الكلمة
مفتاح الجنة في كلمة
ودخول النار على كلمة
وقضاء الله هو الكلمة
…………
الكلمة نور وبعض الكلمات قبور
بعض الكلمات قلاع شامخات يعتصم بها النيل البشري
الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي.
 قصيدة ملهمة وتبين أهمية الكلمة ومدي تأثيرها في مسار البشرية والعالم.
يقول رب العزة في محكم كتابة “وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد” صدق الله العظيم مما يوحي لنا بأهمية الكلمة أيضا وتأثيرها.
 الكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي صاحب روايات “الأرض ” قلوب خالية ” “الشوارع الخلفية” و”الفلاح ” صاحب مسرحيات “الحسين ثائرا” الحسين شهيدا ” و”مأساة جميلة” “الفتى مهران”، وصاحب التراجم “محمد رسول الحرية”، “علي إمام المتقين” و”الفاروق عمر”.

مأساة أستاذ الاعلام

عندما طالعت صورة الدكتور أيمن منصور ندا، رئيس قسم الإذاعة والتليفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وبيديه الحديد (الكلابشات) في النيابة العامة، وصورته وهو يجلس بين أرباب السوابق والمتهمين من تجار المخدرات وسارقي قوت الشعب، كانت كل الأمور قد غامت أمام عيني، أهكذا نتعامل مع العلماء وأصحاب الرسالة والعلم؟
أوصلت لنا هذه الصور الرسالة واضحة، هناك من يحاول أن يضع الكلمة في كلابشات، ويدخلها سجنا شديدة الحراسة، فما جرائم أيمن ندا، عبد المنعم أبو الفتوح، حسام مؤنس، علاء عبد الفتاح، محمد القصاص، هشام فؤاد، شادي الغزالي حرب، وهيثم محمدين سوى الكلمة؟
هكذا تصل الرسالة واضحة ممن يديرون الوطن، الكلمة جرم يعاقب عليه بالكلبشات والسجن.
هم سيحاكمون كل الكلمات ويسجنونها، في غياهب طره شديد الحراسة، حتى لو وصل الأمر أن نحبس مصر، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
وهنا تلاحقني كلمات شاعر العامية المصري صلاح جاهين حينما يصف الكلمة فيقول:
الكلمة إيد
الكلمة رجل
الكلمة باب
الكلمة نجمة كهربية في الظلام
الكلمة كوبري صلب فوق بحر العباب
الجن يا أحباب ما يقدر بهزمه
فاتكلموا.

المصير

المخرج السينمائي المصري يوسف شاهين، في فيلمه ” المصير” بطولة الفنان نور الشريف إنتاج ١٩٩٧، عن حياة المفكر العربي الأندلسي ابن رشد..  الفيلسوف الذي كان قاضي قرطبة في الأندلس، وعندما تم حرق كتب ابن رشد في صراعه مع المتشددين، رفع شاهين شعار ” الأفكار لها أجنحة ” فقد بقيت عبر الزمان أفكار عبد الرحمن بن رشد ولم تفت فيها النار.
أما جريمة أيمن ندا أستاذ الإعلام، الثانية أن كلماته جاءت محملة بوثائق فساد وحمل بنفسه وثائقه إلى مكتب النائب العام ليثبت هذا الفساد.
هل تناسى أستاذ الإعلام أن الكلمة أصبحت جريمة، ما بالك يا زميلي إن كانت هذه الكلمات محملة بالفساد؟!
ما جريمة المستشار هشام جنينة، سوى إنه كشف فسادا ومؤسسات فاسدة، وإن حجم الفساد في مصر تجاوز 600 مليار جنيه.
وها هو رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي تجاوز الستين من عمره، يقبع في زنزانة مظلمة في سجن شديد الحراسة أيضا.
أما الدكتور يحيى حسين عبد الهادي، العميد السابق بالقوات المسلحة، ومدير مركز إعداد القادة، والمتحدث الرسمي للحركة المدنية المصرية، فهو مسجون في زنزانة أخرى بجوار المستشار هشام جنينة…
رغم أن التهمة الموجهة ليحيى حسين، كانت الكلمة إذ يحاسب على مجموعة مقالات نشرها في بعض الجرائد أو المواقع أو على فيس بوك.
إلا أن من يدير المنظومة في مصر، لم ينس ليحيى حسين عبد الهادي، معركته أيضا ضد الفساد الشهيرة في منتصف العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين حول فساد صفقة بيع شركة “عمر أفندي”.
لم يشفع لأيمن منصور ندا وثائقه، ولا بلاغاته ولا كلماته، التي كتبها في صدر مقالاته ولا نهايتها، حول ثقته في أجهزة الدولة، وفي وجود شخصيات لا ترضى بالفساد، ولا المحسوبية.
عرض أستاذ الإعلام نفسه، لمصير أصحاب الكلمة، التي يظن من يدير الدولة، أن باستطاعته حبسها وكلبشتها وتصويرها بجوار أصحاب جرائم، ظنا منه أنه يحاصر الكلمة، ويخرس الأفواه تحت شعار ” كلبش لكل فم”!
وأخيرا يأتي صوت صلاح عبد الصبور، الشاعر المصري الكبير، في مسرحية ” ليلي والمجنون “، وفي قصيدة طويلة، على لسان سعيد بطل مسرحيته، بعنوان ” يوميات نبي مهزوم يحمل قلما.. ينتظر نبيا يحمل سيفا ” يقول عبد الصبور:
لا أملك أن أتكلم
فلتتكلم عني الريح
لا يمسكها جدران الكون
لا أملك أن أتكلم
فليتكلم عني موج البحر
لا يمسكه إلا الموت على حبات الرمل
لا أملك أن أتكلم
فلتتكلم عني الأشجار
لا يحني هاماتها إلا ميلاد الأثمار
لا أملك أن أتكلم
فليتكلم عني الصمت المفعم.
…………
وفي الجزء الأخير يقول
لا.. لا أملك إلا أن أتكلم
يا أهل مدينتنا
هذا قولي:
انفجروا أو موتوا.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة