حول مشروع الإمام البنا

هل بتمام القرن انتهت مرحلة البنا ومشروعه كما انتهت قبل ذلك مراحل ومشروعات لزعماء وقادة وأئمة عظام ؟

سؤال مزعج بل وصادم للبعض لكنه مطروح، فلا توجد أسئلة ممنوعة، فالبشر كل البشر والأفكار كل الأفكار مطروحة على مائدة التقييم والنقد .. الإمام البنا بمشروعه هو مجدد القرن الماضي، فهل بتمام القرن انتهت مرحلة الإمام البنا ومشروعه كما انتهت قبل ذلك مراحل ومشروعات لزعماء وقادة وأئمة عظام؟
باعتبار أن الفكر البشرى بصفة عامة إن لم يتقدم يتقادم وإن لم يجدد يتأخر، سنن كونية غالبة لا ترتبط بالأشخاص مهما عظموا ولا الأفكار مهما علت.

مشروع الإمام حسن البنا فكرة والأفكار باقية، لكن السؤال أين يبقى؟ وبأى نسبة؟ وهل يبقى لمجرد البقاء وفقا لقانون الاستاتكية أم يبقى فاعل متحرك متجدد ؟
أليس لكل مشروع مدى زمني قل أم قصر ثم يقيم ويُنظر ماذا حقق ثم يعاد النظر فيه ويطور ويجدد والا تجاوزه الزمن؟
أليس من الطبيعي أن ينضم الإمام البنا ومشروعه لتاريخ ورصيد الإصلاح شأن كل الحركات الإصلاحية السابقة خاصة أن جماعة الإخوان في مصر بصفة خاصة لم تقدم النسخ الفكرية المتجددة كامتداد لمشروع البنا رحمه الله؟

نعم مشروع الإمام البنا قدم الكثير والمميز، في مجال الدعوة، بكونها فريضة شرعية وضرورة بشرية وحاجة واقعية، وفى مجال الفكر والفهم قدم الشمولية، شمولية الشرائع والشعائر والمشاعر، وفي مجال العلاقات قدم نموذج الإخوة الإسلامية وقد تحقق بصورة عالمية غير مسبوقة، وفى مجال الدولة قدم الإصلاح ضد المستبد الفاسد وكذلك التحرر من المحتل الغاصب.

مشروع الإمام البنا لم ينته في مصر بعد، وعلى جماعة الإخوان قيادات وقواعد أن يتمثلوا ما قامت به فروع الجماعة في بعض البلدان، من التجديد والتطوير والتحديث ليبقى مشروع البنا صالح لحاجات الشعوب وطموحاتها.

الثابت هو التغيير

مشروع الإمام البنا فكرة، والأفكار لا تموت لكنها تحتاج إلى إعادة إنتاج متكرر ومستمر، فالتجديد والتطوير وإجراء المراجعات من وقت لآخر يعدّ أحد أهم استمرار البناء في أي مؤسسة أو كيان أو تنظيم؛ فكما يقولون: “الشيء الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير المستمر”.
وبالتالي بات من الواجب علينا جميعا الوقوف مع الذات من فترة لأخرى من أجل تقييم ما فات، واستشراف ما هو آت؛ فكل شيء من حولنا يتغير ويتبدل ولا ينبغي أن نعيش بمعزل عن تلك المتغيرات المتوالية التي لا تتوقف، ولسنا بحاجة للتأكيد على أن هناك مبادئ وأسس ثابتة نسعى جميعا للحفاظ عليها بعيدا عن تلك المتغيرات.
أما التنظيم: أى تنظيم فله دورة حياة ينتهى عندها، ثم تبدا دورة حياة لتنظيم جديد على الأفكار الجديدة، لكن التتابع ليس شرطا فمن الممكن أن تكون هناك فجوة زمنية، وفق الظروف والتحديات والتطوير والمراجعات، رحم الله الإمام البنا وجعلة في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

نعم مات البنا حسن، والهضيبي حسن، والتلمساني عمر، وحامد أبو النصر، ومصطفى مشهور، والمأمون الهضيبي، و مهدى عاكف، ومات محمد مرسي “الرئيس الشهيد”، وبقى جملة من المراجعات في المفاهيم والمصطلحات مطلوبة ومهمه، على سبيل المثال: (بدون شك هناك فرق شاسع بين قضايا الكفر والإيمان التي تستحق التضحية بالنفس والمال والأهل والولد رغم ما فيها من رخص، وبين وجهات النظر في إدارة شؤون السياسة والحكم وكيفية التعامل معها بالحدود الدنيا من التضحيات لأن الأصل فيها الرخص، بل العزيمة فيها هي المحافظة على الأرواح والأعراض والدماء والأموال لمواصلة مسيرة النضال والإصلاح وعدم إخلاء الساحة للمستبد الفاسد، وأيضا إعمالا للقواعد الخمس المعمول بها في تغيير المنكر وهى تأخذ نفس الأحكام التكليفية الخمسة من الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام)..
نحن بحاجة لإعادة النظر من أهل العلم والتخصص في بعض ما تعلمناه من مصطلحات على غرار الحاكمية، والبيعة ولوازمها، والعزلة الشعورية، واستعلاء الإيمان، وأسلمة المجتمع، والحكم والتمكين، والثقة وإشتراطاتها، ووجوب العمل الجماعي، وغير ذلك.

أكرر، إعادة النظر، باعتبارها آراء واجتهادات فقهية لزمن وظروف خاصة طرحها فضلاء من أكارم الدعاة، لكنها كانت اجتهادات الآحاد، نحن بحاجة إلى إعادة النظر فيها من المجامع العلمية المتخصصة المستقلة، بعيدة عن هوى الحكام أو حماسة خصومهم.

أيضاً نحن الآن أمام أزمة، تتعلق بالفكرة نفسها: “فكرة نبيلة بدون شك”، لكن هي فقط تمثل الكيان وطموحاته، ولا تمثل المجتمع لأنه لم يكن شريكا فى وضعها لذلك تأتى الأهداف غير واقعية أحيانًا، بل مهددة للأخر الفكري والعقدي والعالمي أحياناً أخرى، فما بالك وقد مضى عليها أكثر من تسعين عاما، ازدادت فيها الأزمة بسبب الاستبداد المعطل لإمكانيات الأفراد والأحزاب والجماعات والدول.

الخلاصة

  • تجربة الحركات الإسلامية وفى القلب منها جماعة الاخوان المسلمون خلال 100 عام الأخيرة تؤكد أنهم مصرون على الدخول من باب مغلق غير قابل للفتح.
  • نعم النضال السياسي للتغيير والإصلاح واجب وطني وفرض شرعي، لكن مراجعة الأهداف والأفكار والأساليب والوسائل والإجراءات لها نفس الموقف الوطني والواجب الشرعي.
المصدر : الجزيرة مباشر