جماعة الإخوان في مفترق الطرق

إما شهادة وفاة أو شهادة ميلاد جديدة

تشهد جماعة الإخوان هذه الأيام مرحلة فاصلة ودقيقة لم تشهد مثلها عبر تاريخها، نعم وبكل وضوح وبخبرة العمر أقول إن جماعة الإخوان أمام مفترق طرق تاريخي، فإما شهادة وفاة أو شهادة ميلاد جديدة حتى لو كان ميلاداً متعثراً صعباً، ولكن هكذا تكون المواقف الكبرى وقرارات إعادة البناء الحاسمة، وكلا الاحتمالين وارد بالقدر نفسه.

بدون شك إنقاذ جماعة الإخوان وإصلاحها وإعادتها للعمل كأكبر جماعة مصرية مدنية منظمة لتفعيل دور الشعب نحو التحرر والتنمية والنهوض الحضاري واجب وطني لكل من يستطيع على المستويين الفردي والجماعي.

هناك جانب إيجابي (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم)، نعم هناك خلافات واختلافات بل صدام واشتباكات داخل المنصة العليا لجماعة الإخوان، لكنه قد تكون الطريقة الوحيدة لتحريك الماء الراكد والتغيير داخل التنظيمات المغلقة، ما يحدث هو السبيل الوحيد لتحريك الملفات الجامدة والمعلقة وهي كثيرة، هو المحقق لتغيير منصات القيادات وتمكين منصات أخرى تم انتخابها ولم تمكن من مهامها حتى الآن.

كذلك يمكن تفادي الخسائر شرط أن تعي القواعد التنظيمية خاصة في الداخل طبيعة الإشكالية التي يعاني منها التنظيم منذ سنوات والأهمية القصوى الآن لمواجهتها وحلحلتها بحكمة وبمقتضى الضرورة لإنقاذ التنظيم، حتى ولو هناك بعض الخسائر لن تكون بحجم بقاء الوضع على ما هو عليه في ظل الملفات العالقة، الجماعة اليوم مثل ناقلة كبيرة معطلة في الطريق وربما كانت في حاجة لصدام محسوب ما ليحركها من مكانها لأن التنظيمات عموماً لا تحركها إلا التصادمات والتفاعلات الداخلية خاصة لو كانت عن يقين وبصيرة وإخلاص.

أما ما يٌخشى من الجانب السلبي للخلاف والتصادم من دون حسم، فهو خروج جماعة الإخوان تماماً من المعادلة في مصر وترك الساحة خالية للسيسي ونظامه ومن يحركهم للتلاعب بمصر ومستقبلها، وكذلك استمرار التدمير والتخلص الممنهج من خيرة أعضاء وشباب الإخوان المستمر منذ سنوات، خاصة المرجو منهم أن يكون لهم دور مستقبلي في الإصلاح واستئناف الأمة لدورها الحضاري، والأخطر من ذلك أن العوامل الخارجية ستستثمر في هذا الخلاف الداخلي وتفاقمه بوسائل متعددة خفية ومعلنة بغية وصول الجماعة إلى حافة الانهيار، حتى تعالت دعوات في الآونة الأخيرة بحل الجماعة وعدم جدواها، وغيرها من هذه الدعوات.

الابتعاد دون صخب

وفي سياق حديثي عن إصلاح الأوضاع داخل جماعة الإخوان أستدعى بكل فخر واعتزاز هؤلاء النبلاء الشرفاء الذين استشرفوا منذ سنوات ما تعيشه الجماعة الآن فنصحوا ونقدوا وقدموا الحلول والبدائل ولم يُسمَع لهم، ولم يُؤخَذ بما قالوا، بل اتخذت القيادة منهم موقفا عدائيا، فابتعدوا من دون صخب ولا ضجيج ولا إساءة لأحد رغم ما نالهم من الإساءات، غادروا المناصب التنظيمية ولم يغادروا الدعوة، الأهم أن يبقى العمل لدعوة الله بما يتفق وقيم ومبادئ وسلوكيات الدعوة والدعاة، فلهم مني كل التحية والتقدير.

لقد سعينا كمجموعة برلمانيين سابقين إلى لم الشمل ورأب الصدع، وطرحنا مبادرة البرلمانيين الموقعة من 44 نائباً في ديسمبر/كانون الأول 2015، وكذلك في 2018 تقدمت شخصياً بمبادرة دعوت فيها القيادة إلى إلغاء جميع قرارات الفصل والتجميد بحق بعض رموز الجماعة التي صدرت من دون تحقيق والاعتذار عنها، وتشكيل لجنة حكماء وليس لجنة تحقيق، لتصفية ما علق بالنفوس من رواسب، وطالبت بدعوة مؤسسات الجماعة لوضع رؤية شاملة لإدارة المرحلة المقبلة وغيرها من النقاط التي تضمنتها المبادرة.

وأشهد للتاريخ أنه -وللأسف- كلما حاولنا -نحن البرلمانيين وغير البرلمانيين من الحكماء بل والعلماء وفى مقدمتهم شيخنا الجليل الدكتور القرضاوي- طرح أي مبادرات أو أفكار أو حلول لإصلاح الأوضاع داخل الإخوان أو بخصوص الشأن السياسي المصري، كانت مجموعة الدكتور محمود حسين داخل الجماعة لنا بالمرصاد، لم يستمعوا لأي أحد، صموا آذانهم واستكبروا استكبارا، حتي وصل بهم الأمر أخيراً إلى محاولة الانقلاب وعزل القائم بأعمال المرشد الأستاذ إبراهيم منير بزعم أن مجموعتهم تمتلك شرعية من خلال اللوائح، بينما هي شرعية زائفة وغير صحيحة بالمرة، ولا يمكن القول بها، وهنا بدأت أقتنع بما قاله صديقي قديماً وفحواه أن العلاقات التنظيمية هي إحدى ألوان السياسة الخالية من القيم الأخلاقية والتي يحكمها الغاية تبرر الوسيلة.

ثم قاموا بما هو عجيب! فلماذا يعارض انقلابيو الإخوان الانقلابات العسكرية والمدنية ويصفونها بالجرائم والخطايا، وهم أنفسهم يمارسون الجرائم والخطايا ذاتها بالانقلاب على بعضهم البعض؟! فهل فشل من أصر على التمسك بكل إصرار وجمود على صدارة صفوف الإخوان في إسقاط انقلاب السيسي فكان الأسهل هو القيام بانقلاب داخلي؟ أن تفقد كتنظيم قيمك المعلنة ومبادئك الراسخة فلن يبقى لك شيء، وحده الحفاظ الراسخ على قيم جماعة الإخوان وأديباتها ومبادئها هو أقوى أسلحة أبناء الجماعة لمواجهة إشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل.

خرج من خرج

إنَّ جماعة الإخوان على مدى أكثر من 90 عاما مرت بمثل هذه الأزمات، وخرج منها من خرج، وبقي فيها من بقى، وبقيت الجماعة وظلت مؤسساتها بخير وهو ما نأمله، حتى لا تسوء الأوضاع أكثر، لذلك لا بدّ من المضي قدما في الإجراءات الإصلاحية، وأهمها لم الشمل وعودة كل القامات الفكرية من كفاءات وتخصصات في كل المجالات وعلى المستويات كافة إلى صف الجماعة والاعتذار لهم وإزالة ما علق في النفوس خلال الفترة الماضية، كي يسهم الجميع في عمل المراجعات المطلوبة للخروج مما نحن فيه، وبلورة استراتيجية جديدة لإدارة المرحلة الراهنة والمقبلة.

إن عملية الإصلاح والتطوير لا تقتصر على بدائل إصلاحية فقط، بل لا بدّ بالتزامن من وقف نزيف الانحراف والخطأ والفساد وطرد معاول الهدم الداخلية، وإعادة تشكيل موقف إيجابي نحو إصلاح الجماعة، بقيادة علمية قوية منتخبة تمثل فكر الجماعة ورسالتها وتحول الجماعة من الانقسام إلى الوحدة، ومن التفريط في الأعضاء وتجميدهم وطردهم إلى لمّ الشمل الحقيقي، ومن الجمود والموت السريري إلى العودة إلى الحياة واستمرار العمل في طريق التحرير والتحرر من أنظمة الاستبداد والفساد والتبعية التي كرستها حقبة سيكس بيكو ثم الحقبة الأمريكية.

كذلك أرى أن أي جماعة أو مؤسسة لها نظم ولوائح وعلى قدر احترامها لنظمها ولوائحها ولمعايير العدل فيها كان قدر استمرارها وبقائها، لذا وجب التنويه أيضًا إلى العمل من أجل حسم وتطوير اللوائح لتساير الواقع (الزمان والمكان ومراعاة الحال والأحوال)، تأخرنا كثيرا عن مسايرة الأحداث وسرعتها، ولدينا فرص لعرض الأفكار التي تعظم الدعوة وتضع التنظيم في مكانته التي تليق به.

وأخيراً

على قواعد الإخوان أن تعي أن الدعوة هي الباقية فليحافظوا على قيمهم الدعوية بعد أن خسر البعض أعرافهم التنظيمية الخالية من القيم.

وأن الأحداث تمر بنا سريعة وخطيرة وصفحات كتاب الإخوان خارج الخدمة والسياق، وسينجح الإصلاح ولم الشمل ووحدة الكلمة حين ندرك أننا جماعة بشرية كغيرها من الكيانات السياسية والشعبية، والجماعات البشرية ليست منزهة ولا معصومة، يختلفون وينقسمون وينشقون ويتهم بعضهم البعض، بل وقد يكررون تاريخهم القديم، ولنعلم جميعاً أن مجريات الأحداث في الماضي والحاضر بحاجة إلى إعادة تدقيق لتعلم أجيال الإخوان الحقيقة ومن كان ينشد الحق ومن كان على غير ذلك.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة