جمعية تعدد الزّوجات

على جدار الخيمة!

أثارت سيدة من كفرنبل تقيم في الخيمة “2050” في مخيم باريشا اهتمام النّاشطين على مواقع التّواصل الاجتماعي بعد نشرها مقطع فيديو صوّرت فيه ملابس للأطفال خاطتها بنفسها وعلّقتها على جدار الخيمة بهدف الدّعاية لبيعها وإعالة أسرتها.

إلى هنا والأمر عادي لم يلفت انتباه أحد، ولم يتبرع رواد مواقع التّواصل بمشاركة الفيديو ومساعدة السّيدة على بيع بضاعتها التي تصدّ عنها الحاجة ومدّ يدها إلى الآخرين.

ما أثار موضوع الفيديو والسّيدة من جديد هو الإعلان عن تأسيس جمعية خاصة مهمتها العمل على مساعدة الأزواج على الزّواج ثانية وتحقيقاً للنصّ (مثنى وثلاث ورباع) في مدينة إعزاز الواقعة تحت سيطرة ما يسمى بالجيش الوطني.  ومعروف أنّ الجيش الوطني ثوري جداً بدليل أنّ السّيدة التي ظهرت في صورة الإعلان تتوشح علم الثّورة وتضع علماً بجانبها وآخر أمامها مع ابتسامة تفاؤل عريضة.

تعدد الزّوجات

الموضوع بحدّ ذاته – من دون اقترانه بمكتب للتسويق وخطّابة عصرية تجلس وراء مكتب، وأمامها علم للثورة وعلم بجانبها وعلم على ملابسها – مثيرٌ للجدل وللاختلاف في الرّأي.

مؤيدو الظاهرة يستشهدون بالنّص القرآني، وأنّ الزّواج مثنى وثلاث ورباع هو خير من الفاحشة، وأيضاً يقضي على ظاهرة العنوسة، “يلم” اليتامى من الشّوارع، أولاد المطلقات والأرامل اللواتي فقدن أزواجهنّ في الحرب أو تزوجن سابقاً من “جهاديين” تركوهنّ وعادوا إلى بلادهم أو قتلوا أثناء المعارك.

المعارضون أيضاً اعتمدوا على النّقاط ذاتها بتفنيد حجج الفئة الأولى؛ لأنّ ما جاء في القرآن مشروطٌ ومرتبط بما قبله؛ ولأنّ الوضع الاقتصادي المتدهور لا يساعد على التّعدد.

وهناك فئة ثالثة هاجمت المتنورين واتّهمتهم بالانفصام؛ لأنهم يروّجون للحريّة الشّخصية والنّسوية والمثلية الجنسية باعتبارها حريّة شخصية وفي الوقت ذاته يحاولون إخراس من يخالفهم الرّأي بدعوى التّخلف.

الشّيء المثير للانتباه هو المقدرة العجيبة عند السّوريين لربط كلّ شيء بالسّياسة وتحويل كلّ شأن حتّى لو كان عائلياً إلى قضية سياسية.

التّساؤلات بشأن الصّورة كثيرة بعضها اختصّ بتفسير اللوغو، وذهب إلى وصفه بأنّه دعوة صريحة للعودة إلى عصر الجواري. فقد بدا الرّجل (رمزياً) في الأعلى وأربعة نساء في الأسفل كأنّه شمس وكأنّهنّ كواكب يدرن في فلكه ولا يتجاوزن في ارتفاعهن وسطه، في تلميح ذكوري صارخ.

والبعض الآخر تناول رئيسة الجمعية أو “الخطّابة” ولماذا وضعت أمامها كلّ هذه الأعلام الثّورية؟ ما الغاية من التّخفي وراء العلم؟ من هو الدّاعم لهذه الجمعية؟  ولماذا أُعطيَ هذا الموضوع تحديداً كلّ هذه الأهمية في وقت يتواجد فيه مئات الآلاف من الأطفال بحاجة إلى المدارس والتّعليم ومئات آلاف الأسر التي تحتاج للمشاريع الإنمائية الصّغيرة التي تساعدهم في هذه المحنة.

هذا يجعلنا نضع مئة إشارة استفهام عن القائمين على هذا المكتب وما هي الأرباح التي سيحقّقونها لحساباتهم الخاصة، إذ أصبح من السّهل جداً اليوم أن تتستر بالدّين لتتاجر به وتحقّق أرباحاً هائلة دون أن يجرؤ أحدٌ على محاسبتك، فأنت تتوكأ على آيات وأحاديث حتّى وإن كانت مجتزأة من سياق مختلف. ثمّ إنّ هذا الموضوع تحديداً ليس غريباً عن مجتمعاتنا فالنّسق الثّقافي السّائد يدعمه دينياً وعرفياً ويكاد يُشكّل أحد أهم بدهياتنا. وكذلك أصبح من السّهل جداً المتاجرة بعلم الثّورة وبإمكانك أن تخترع ما تشاء من منظمات عمل إنساني تستدر الدّعم من جهات خارجية بعد أن تقدّم لهم البيانات المطلوبة والتي سهرت عليها أياماً لجمعها وتلفيقها، وبمجرد الحصول على الدّعم ستقوم بتوظيف زوجتك وأبنائك كمجلس إدارة ولن يمضِ كثيرٌ من الوقت حتّى تبدأ حساباتك المصرفية بالارتفاع..

من جانب ثانٍ يمكن لنا أن نتساءل عن المهمة الرّئيسة لهذه السّيدة؟  هل هو جمع رأسين بالحلال؟ وهل توجد حاجة في عصر وسائل التّواصل إلى “خطّابة” تقوم بواسطة بين الرّجل الذي يريد الزّواج والمرأة التي تحولت إلى سلعة تعرض في المكاتب على الرّاغبين! في السّابق كانت الخطّابة تحمل صور الفتيات ليراهن الشّباب ويختاروا من بينهنّ ما يوافق أمزجتهم.  ترى ما هي الوسيلة التي ستستخدم في هذه الجمعية بعد التّقدم التّكنولوجي الهائل الذي نعيشه؟ وهل سيقبل المتزوج (الورع التقي) بأيّ امرأة تحتاج إلى السّتر والرّعاية؟ أم أنّه سيفاضل بين هذه وتلك ثمّ يختار الأصغر والأجمل؟

عودة للخيمة 2050

تساءل بعض الناشطين عن أهمية تلك الجمعية حتّى تخطف الأبصار والعقول وتنشط الأقلام في مدحها وهجائها وتقييمها، ولا أحد يلتفت لمشروع السّيدة ختام؟

لا شكّ في أنّ مشروعاً بسيطاً يهدف إلى العيش الكريم لا يعني أحداً فهو لا يثير الجدل ولا يتيح الفرصة للتراشق بالاتّهامات بين الأطراف المختلفة ولا يعطي مجالاً للسخرية التي يفرّج بها السّوريون عن أنفسهم وسط الضّغوطات التي يعيشونها. ثمّ إنّ هذه المرأة (ختام) صاحبة كرامة عفيفة النّفس وهاتان الصّفتان لم يعد لهما أهمية تذكر عند لصوص الثّورة المتحكّمين بأقدار النّاس وأرزاقهم، وأمثالها من النّاس تحاربهم كلّ سلطات الأمر الواقع؛ لأنّ عناصر هذه السّلطات في واقع الأمر يفتقرون إلى العفة والكرامة وذلك ما يُشكّل لديهم عقدة نقص تؤرق مضاجعهم.

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة