الجذور التاريخية لطبق المعكرونة.. “الصديق وقت الضيق”!

اخترعه العرب.. وانتقل إلى الصين وايطاليا.. ولهذا قدسوه في اليابان!

مشاركون في مهرجان المعكرونة بايطاليا

تعودت وأنا طفلة في المرحلة الابتدائية العودة مع أمي التي تعمل فى مكان قريب من مدرستي، كانت تهرول بي في الشارع حتى تتمكن من إعداد طعام الغداء قبل عودة والدي من عمله، تسألني ماذا سنأكل اليوم لقد تأخرنا؟ كنت بالطبع أسرح بخيالي بعيداً في أصناف طعام كثيرة، أحبها من يدها مثل الرقاق باللحم المفروم، تزدهر الدنيا لو معه قطعة دجاج محمرة، الملوخية، المحشي، لكنها تبتسم قائلة: “باقي ساعة ويأتي والدك، يوم الجمعة إن شاء الله، سوف أحضر لك ماتريدين، لكن الآن يجب إنقاذ الموقف.
ثم تتبع ذلك بالتنفيذ الفوري، حيث تتوقف أمام عم حسن البقال لتشتري كيسا طويلا عليه صورة لملكة فرعونية، تأخذه وتجري لتفتح باب الشقة، وتهرول فوراً على المطبخ، لتغلي الماء وتسقط تلك العيدان الطويلة المتناسقة في الماء المغلي، وتخرج من المبرد قطعا من صدور الدجاج، وبعد ساعة بالضبط، نكون قد جلسنا حول مائدة طعام فاخرة، نأكل ونضحك، ونتداول أخبار اليوم وما حدث لنا من صعاب هونتها تلك الجلسة الحانية حول طبق المعكرونة اللذيذ.

لقد تناولت المعكرونة بعدها كثيراً وفي بلدان مختلفة من العالم، لكنني أحن إلى معكرونة أمي، على غرار قصيدة الشاعر الكبير محمود درويش  أحن إلى خبز أمي ” .. اعتقد أنني لست وحدي، فكل ذكرياتنا تشاركنا فيها المعكرونة، تلك العلبة التي كانت تصاحبنا إلى الشاطئ، وفي النادي، وفي الأزمات الاقتصادية، فالمعكرونة هي عشق العالم بأسره.

وقد يعتقد الكثيرون، أن المعكرونة أكله إيطالية وأن الايطاليين هم أول من عرفوها ونقلوها إلى البلدان الأخرى، لكن المدهش أن الايطاليين ليسوا أول من عرفوها!

طريق المعكرونة

هناك العديد من الأقوال المتضاربة حول أصل المعكرونة ومن اخترعها؟! وأرجح الأقوال إن العرب هم أول من قدموها للعالم، ذلك لأن زراعة القمح والشعير قد بدأت في الألفية الثامنة قبل الميلاد في بلاد الشام والعراق، حيث كان التجار العرب يشكلون عجائن من الدقيق على شكل أصابع صغيرة ورفيعه يحملونها معهم في حقائبهم ليتناولوها أثناء رحلاتهم بعد غليها في الماء، وقد نقلوا هذه الوجبة إلى الصين عبر طريق الحرير الذي يمر بآسيا الوسطي والصين والبحر المتوسط والذي كانت تسلكه القوافل والسفن، حتى أنهم أطلقوا عليه مجازًا “طريق المعكرونة” بسبب هذه الوجبة الفريدة التى انفرد بها العرب.

ومن هنا انتشرت المعكرونة التي عُرفت في الصين باسم النودلز(الشعرية او المعكرونة) ، ومن الصين انتقلت إلى باقي البلاد الآسيوية . وكان أول من نشر ثقافة تناول النودلز في الصين هم أسرة “هان”، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 4000 عام بعد وقت طويل من انتشارها، ومنذ هذا الوقت احتلت النودلز مكانة خاصة في الثقافة الصينية، وأصبحت جزءًا مهمًا من النظام الغذائي للشعوب الآسيوية وتقدم علي مدار اليوم  فهي مناسبة للفطور والغذاء والعشاء. ويرجع ذلك لسهولة تحضيرها ونكهاتها المتنوعة، وسهولة تخزينها وتناسبها مع الوتيرة السريعة للحياة. وللنودلز رمزية في الصين فهي ترمز لطول العمر، وعادة ما تقدم الشعرية طويلة غير منكسرة. لذلك، خلال الاحتفالات بأعياد الميلاد، يقدم الناس “نودلز طويلة ” أملاً في حياة طويلة.

متحف “كوب النودلز”

وفي اليابان فإنهم يعدون النودلز وتحديداً “الرامن نودلز”- المكرونه الفورية أعظم اختراع بالنسبة لهم والتي يعود الفضل في اختراعها إلى رجل الأعمال الياباني من أصل تايواني”موموفوكو أندو”، فهذا المنتج الذي يبدو بسيطًا لكنه ساعد الشعب الياباني في الأوقات الصعبة وكان حلا لأزمة الطعام في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. وفي محاولة من “موموفوكو أندرو” لإعادة تراث أكل النودلز بعد الحرب العالمية الذي كان على وشك الاندثار بعد أن شجعت الحكومة اليابانية المواطنين على أكل المعجنات التي كانت تقدمها الولايات المتحده الأمريكية، فقام بإنشاء متحف يحمل اسم ” كوب النودلز ” في أوساكا باليابان ليكون متحفًا تفاعليًا يُعرف الزائر بتاريخ النودلز من خلال 800 عبوة مختلفة من المعكرونه سريعة التحضير من أجزاء مختلفة من العالم، كما أنه يمكن الزائر من صنع كوب المعكرونة الخاص به .

اليوم العالمي للمعكرونة

أما في إيطاليا فأغلب الأقوال ترجح أنها عرفت من خلال ماركو لولو الذي أحضر المعكرونة من الصين إلى إيطاليا مع نهاية القرن الـ 13، كما ورد في مذكراته. وأصبحت منذ ذلك الحين غداءً أساسياً في ايطاليا.  ورغم أن المعكرونة قد عرفت منذ مئات السنين، إلا أن الاحتفال باليوم العالمي بها بدأ في 25 أكتوبر من عام 1995، بفضل 40 من منتجي المكرونة الذين قرروا إرساء هذا اليوم أثناء اجتماعهم في العاصمة الإيطالية روما، ليكون يوما عالميًا لمحبي المعكرونه.

أتذكر ذلك وأنا أرى اطفال المدارس اليوم وهم يتناولون تلك الأكواب الكبيرة من الأندومي في كل مكان يرتادونه مثل النوادي والمدارس، على الرغم من تحذير كل التربويين من خطورة هذه الأنواع الخطيرة من النودلز وماتسببه إضافاتها الحريفة من تأثير ضار على صحة الاطفال ، لكنهم لا يبالون بذلك ويصرون على تناولها ، لأنها الأفضل والأطيب لهم.

كلما رأيت ذلك الطبق السريع من المعكرونة، أتذكر ذلك الطبق اللذيذ الذي أكلته من يد أمي في عصر يوم هانئ في يوم أيام الطفولة.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة