انقلاب ترمب الفاشل.. وأسوأ الدروس!

ترمب
ترمب

لم يكن أحد يتخيل هذا السيناريو الرديء في تسليم السلطة الأمريكية، الرئيس الأمريكي رونالد ترمب ضرب بكل البروتوكولات الرئاسية السلمية المتعارف عليها في أمريكا عرض الحائط، وعرض أمن البلاد القومي للخطر من خلال خطبته المثيرة أمس، والتي رفض فيها نتيجة الانتخابات، وطالب مؤيديه بالتجمع، وحرضهم على عدم الإذعان لفوز بايدن، بينما انطلقت الحشود المؤيدة له لاقتحام مبني الكونغرس واحتلال مكاتبه وردهاته.

ترمب لم يكن أبدا أكثر من وجه بائس لديكتاتور من ديكتاتوريات العالم الثالث

وكما أذاق ترمب العالم صنوفا من جنونه وظلمه الكثير، فقد أبى أن يترك مكانه دون أن يلطخ وجه الديمقراطية الأمريكية التي كانت مضرب الأمثال في تداول السلطة منذ تأسيسها سنة 1776، هذا الرئيس تسبب في فوضى غير مسبوقة في أمريكا والعالم، لقد اتهم كل شيء حوله بالزيف والتزوير، وهو الوحيد الملهم، الانتخابات مزورة، الصحافة فاسدة، حكام الولايات منافقون ويناصبونه العداء.
إن هذه الشخصية الأنانية النرجسية التي لاتهتم إلا بمصالحها، هي جديدة على الساحة السياسية الأمريكية، فمهما كان الحاكم سلطويا لا يسلك أبدا مسلك ديكتاتوريات جمهوريات الموز التي لا تهتم بسمعة البلاد، ولا مصداقيتها أمام الرأي العالمي.
ترمب لم يكن أبدا أكثر من وجه بائس لديكتاتور من ديكتاتوريات العالم الثالث، التي تذيق مواطنيها الويلات، لقد وضع بصمته العنصرية في كل مكان منذ اليوم الأول لتوليه السلطة، وجدنا تضاؤلا كبيرا في حقوق الإنسان حول العالم، واتسعت رقعة الفواصل بين أجناس البشر، وقويت الأحزاب اليمنية الأوربية، وو صل المتطرفون إلى سدة الحكم في العديد من الأقطار،  وقبل هذا وذاك تم سحق الباحثين عن فرص للعيش في أوربا أو أمريكا.
إن ما وصل إليه ترمب من عبث كان متوقعاً

منذ أن وجهت أمريكا أولوية عدائها إلى أعداء افتراضيين حاربتهم بسبب العقيدة، وافترضت فيهم الخطر الداهم الذي يهدد الحضارة الغربية، بينما كان اليمين والشعبويون الذين يبنون شعبيتهم علي كراهيتهم للآخرين بسبب العرق والدين يتكاثرون بسرعة، حتى أصبحوا كالسوس ينخر في أعمدة النظام الديمقراطي لتلك الدول حتى وصلنا إلى ما رأيناه اليوم من اقتحام للكونغرس، وإطلاق رصاص مات علي إثره رجل أمن وامرأة.
منذ أن ترشح ترمب للرئاسة تغير المشهد العام الذي كان سائدا من قبل وبدا هذا الرئيس مختلفا، يذكرك بكل ما هو سيء، لاسيما تلك الحقبة النازية الكئيبة في ألمانيا، التي سبقت وصول هتلر للسلطة ، وهو الذي كان يركز في كل خطاباته علي الجنس الآري وتفوق العرق الألماني، وهو بالضبط ما فعله ترمب الذي ركز على أمريكا العظيمة وتفوق الرجل الأبيض، وهو ما منحه شعبية كبيرة أوصلته للحكم بالشكل الديمقراطي الذي وصل به هتلر للحكم أيضا.

لقد حدث نفس الاقتحام في روسيا سنة 1993، ولكن في شكل آخر

شيء غريب أن تتبدل مشاهد اقتحام البرلمان بين القوى العظمى، وفي نفس الأزمات السياسية، لقد حدث نفس الاقتحام في روسيا سنة 1993، ولكن في شكل آخر، فمازلت أتذكر اقتحام قوات الأمن الروسية الموالية للرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين المدعوم من الولايات المتحدة آنذاك لفض الاعتصام الذي نظمه البرلمانيون المعارضون لحكومة يلتسين أثناء الأزمة الدستورية التي بدأت برفض الأعضاء قرار يلتسين بحل المجلس بسبب رفض تعديلاته السياسية والاقتصادية التي لم تكن تحظى بأي شعبية، وعلى إثر احتدام الأزمة أصدر يلتسين أوامره باقتحام البرلمان واعتقال من فيه دون أي معارضة غربية، إذ تمكن بعدها يلتسين من فرض سيطرته على الأمور تماما وبدأت البلاد تنفتح انفتاحا غير مسبوق تجاه الغرب حتى جاء بوتين الذي أعاد تنظيم البلاد مرة أخرى وأصبح ندا للغرب.

إن أسوأ الدروس المستخلصة من فترة حكم ترمب هي أنه أصبح نموذجا يُحتذى في الديمقراطيات الهشة خصوصا في أفريقيا والشرق الأوسط، فهو دعم بشكل مباشر أو غير مباشر القادة المستبدين الذين سيستشهدون به كحاكم لأقوى دولة في العالم لتبرير محاولاتهم التشبث بالسلطة وتبرير قمع السلطات للمتظاهرين المطالبين بالحرية والديمقراطية.
مما لا شك فيه أن ترمب أعطى اليوم المثل لحكام العالم المستبدين، وأصبح لهم في الولايات المتحدة الأمريكية الأسوة في الاستبداد.
بالتأكيد لا يمكن اعتبار الديمقراطية الأمريكية النموذج الأفضل في العالم، فالانتخابات الأمريكية اتسمت في كثير من الأحيان بالفوضوية وإثارة الجدل خصوصا في عام 2000 عندما فاز جورج بوش في ولاية فلوريدا بأغلبية قليلة سمحت بوصوله إلى البيت الأبيض.
وفي عام 1960 زعم الجمهوريون وقتها بحدوث مخالفات ساهمت في فوز جون كينيدي، لكن المرشح ريتشارد نيكسون لم يطالب بإعادة فرز الأصوات كما يحدث الآن، وأهم ما يحسب له وقتها أنه قال إنه لا يمكنه التفكير في أن يعطي مثالا سيئا للدول الأخرى من أن يقول إن الرئاسة قد سرقت من خلال صناديق الاقتراع. . وهو ما لم يستطيع ترمب أن يدركه باعتباره رجلا مسؤولا.
لا أحد في هذا العالم يستطيع أن يتفاءل بمستقبل هذا العالم في ظل جنون هؤلاء الحكام الذين يتزايدون يوما بعد آخر في الإمساك بحكمه، ولا نملك نحن الشعوب إلا الانتظار والترقب.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة