لماذا يكرهون ثورة 25 يناير؟!

ثورة يناير

قبل محاولة الإجابة عن السؤال، هناك مثل دارج دال يقول:” لا يبكي على السوق إلا الذي يكسب منه”، والمعنى أن المستفيد من وجود السوق، هو الرابح من البيع أو الشراء فيه، ولهذا يتحسر على غيابه.

وهذا المعنى ينطبق على كثير من الظواهر والمجالات في الحياة؛ بقدر المنفعة يكون الاهتمام، ومع غيابها فلا أي اهتمام، والتعامل مع البشر- وليس الماديات وحدها – تنطبق عليه قاعدة المنافع والمصالح، إذ عندما تجد فائدة بالقرب من شخص ما ستزداد التصاقاً به، وإذا كان العكس، فغالباً لن تعيره اهتماماً كبيراً.

الدولة الوطنية التي تأسست في البلدان العربية عقب الاستقلال عن المحتل الأجنبي – ومنها مصر- لم تكن ديمقراطية رشيدة، وبالتالي لم تكن عادلة مع كل أبنائها وفئاتها وطوائفها المجتمعية، فالشرط اللازم لتحقيق العدالة، هو وجود منظومة الحكم الديمقراطي التي من خلالها تُعرف وتنتظم الحقوق والواجبات لكل مواطن، ويتساوى فيها الجميع، ويختفي التمييز، ذلك أنه ضمن قواعد الحكم الديمقراطي توفر المراقبة والمحاسبة الفعالة لجهة الحكم عبر مؤسسات دولة مستقلة، وعبر من لا يحكم من أحزاب خارج السلطة، وقوى المعارضة، ومؤسسات المجتمع المدني، والإعلام الحر المستقل، والشعب نفسه، والذي يحكم يبلغ مرتبته ومقعده عبر الاختيار الشعبي الحر، والذي يعارض يستعد ويتحفز للحكم في جولة انتخابية جديدة.

أيٌ من هذا لم يحصل في الدولة الجديدة الموصوفة بالوطنية، فلم تنشأ ديمقراطية حكم وإدارة، وبالتالي لم تجد العدالة طريقاً لها في تكريس الحقوق والواجبات بمساواة مطلقة بين كافة المواطنين، الحكم فردي استبدادي، حاكم أوحد، ومعه حزب، أو تنظيم أوحد، أو مهيمن، يديرون الدولة، وينظمون شؤونها، ويرتبون أوضاعها وفق هواهم هم، وليس وفق العدالة التي ينبغي أن تكون، ولهذا نشأت شريحة حكم تالية متماهية مع من يحتكرون السلطة في أهدافهم وتطلعاتهم ومشاريعهم، وهذه الأهداف ليست بالضرورة في صالح كل المواطنين، كما تولدت شرائح حكم أخرى مثل الدوائر، وكلها تدور حول المركز الذي يسيطر عليه ويتحكم فيه الحاكم الفرد، الذي لا يغادر السلطة إلا وفاة طبيعية، أو قتلاً، أو انقلاباً، وفي الحالتين الأخيرتين يكون ذلك من رفاقه المقربين منه، فلا أصول أو قواعد أو قانون أو دستور يحمي الحاكم في مقعده ومخدعه، ولا ظل لدولة القانون والدستور والأخلاق في أنظمة أسست ديكتاتورية تتجذر على مر السنوات في التربة السياسية، ويبدو أن خلخلتها أو طي صفحتها أمر عسير.

حيث توجد سلطة حكم غير ديمقراطية، توجد طبقات وفئات وجماعات مصالح مرتبطة بالسلطة، والطرفان في حاجة لبعضهما بعضاً، الديكتاتور لا يحكم بمفرده، ولا طاقة له على ذلك، وهو بحاجة إلى تابعين مخلصين، وهو يمنحهم المناصب والعطايا والامتيازات ليضمن ولائهم، فالولاء هنا قائم على المنفعة أكثر مما هو قائم على المبدأ والقيمة والأخلاق، فلا شيء من هذه المعاني السامية موجود في أدبيات الحكم الاستبدادي، ولهذا تجد طبقات الانتفاع والانتفاخ للجيوب والبطون تتحول فوراً إلى المستبد الجديد عندما يسقط القديم؛ موتاً، قتلاً، نفياً، انقلاباً، ولن تجد هذه الانتهازية في الحكم الديمقراطي لأن هدفه الخدمة العامة، وولاؤه للمواطن الناخب، وغايته تحقيق أقصى منفعة لهذا المواطن لضمان أن يقوم بتجديد الثقة فيه خلال انتخابات تالية، وولاء الدوائر المحيطة بالحاكم المنتخب للشعب أولاً، ثم تنفيذ برنامج الرئيس أو الحزب الحاكم، فهم كطبقة حكم مساعدة معرضون أيضاً للمحاسبة والمراقبة من المؤسسات المعنية، وهم يدركون أنهم سيغادرون كراسيهم بطريقة سلمية محترمة، لهذا يحرصون على نقاء تاريخهم السياسي والوطني، واستئناف نشاطهم العام في السياسة والحكم مرة أخرى.

هرم السلطة يظل حكراً على جهة معينة ضمن جهات ومؤسسات الدولة

هذا الشرح يستهدف التقديم لقضية كراهية التغيير في المجتمعات التي لم تتنشأ على قاعدة التغيير الديمقراطي، ولم تعرف هذا التغيير الدستوري المؤسسي الرشيد، إلا أحياناً عبر تمثيلية شكلية بجلوس مستبد مكان آخر في إطار نفس النظام والنهج والسياسة والعقل في الحكم، ضمن معادلة ثابتة هى، حضور الديكتاتورية، وغياب الإرادة الشعبية.

وتتضاعف الكراهية للتغيير عندما يحمل شعارات العدالة بين المواطنين حيث المساواة للجميع، والفئات المتنفذة المحتكرة للدولة ومقدراتها تكافح المساواة مع الآخرين المحرومين، وتقاوم فقدان مكاسبها غير الشرعية، أو النزول من عليائها والوقوف على أرض واحدة مع الطيف الغالب في المجتمع، أو وضع نهاية للتمييز الصارخ غير القانوني أو الإنساني.

مع مرور السنوات، ومع تراكم المصالح، وتعاضد المواقع، فإن دوائر السلطة والمنتفعين بها يصلون ليقين، وهو يقين كاذب، بأن هذه حقوقاَ أصيلة لهم، كأنها ملكية خاصة ورثوها، ثم يورثونها لأبنائهم وأحفادهم، وهكذا.

هرم السلطة يظل حكراً على جهة معينة ضمن جهات ومؤسسات الدولة، ومن شريحة معينة داخل هذه الجهة، والدائرة التالية الضيقة في هذا الهرم محجوزة لشرائح معينة أيضاً، ثم يتواصل التسكين لشرائح يتم تمييزها ومنحها مواقع لا تستحقها، وهي ليست جديرة لقيادة المسؤوليات، وهؤلاء غير مستعدين للتخلي عن السلطة ومراكزها وقواعدها وفروعها، ومن يلوونهم ليسوا مستعدين للتخلي عما يتصورون أنه بات حقاً مكتسباً لهم في منظومة المصالح المتشابكة والمتداخلة حيث الهيبة والنفوذ والثراء الفاحش.

في الديمقراطيات لن تجد مثل هذه الآفات التي تفرض نفسها بقوة احتكار السلطة، في الديمقراطيات الملكية العامة للشعب وحده، وهو يفرز باختياره من يدير هذه الملكية لوقت معلوم، وفي الاستبداد تتبلور دولة أقلية الأقلية لتحكم دولة الأغلبية العظمى من الشعب الذي لا حضور له في شيء من مظاهر ومواقع الحكم إلا خدمة دولة الحكم، والموت في سبيل أن تظل هذه الدولة قائمة متحكمة مُنّعّمة مُعزّزّة.

من مثال السوق الذي يبكي على غيابه الرابح منه، إلى واقعة فردية، تعكس حالة عامة تشمل أبناء دولة الخدمة التي تعمل وتضحي من أجل بقاء دولة الحكم، أن شخصاً ما عادياً نجح ابنه بمؤهلاته وكفاءاته في القبول بوظيفة مهمة، وهذا كان حدثاً يستحق الاحتفال رغم بساطته، تم هذا بعد ثورة يناير، وليس قبلها، وليس بعد إزاحتها، ذلك أن المناخ العام الجديد الذي رافق الثورة كفعل تغيير بدأ يفرض واقعاً جديداً في مختلف منافذ ومرافق الحياة والمجتمع والنظام والدولة، صحيح أن التغيير كان بازغاً وعلى استحياء، لكن بدأت بعض ملامح العدالة والمساواة تظهر ولو من بعيد، ولهذا كان كارهو التغيير والأوضاع الجديدة ينشطون بكل قوتهم للخلاص من هذا الكابوس الثوري المهدد لسلطانهم ومصالحهم، إذ كيف سيأخذ أبناء الشعب أماكن أبنائهم أو يزاحمونهم فيها، باعتبارهم الأحق بها، وإذ كيف سيفوز أبناء الشعب في الانتخابات التي لم تعد محكورة على فئات معينة تعيش في دولتها الخاصة وإذ كيف قد يصل لهرم السلطة والقرار من عانوا شظف العيش والتهميش ولم يكونوا يحلمون سوى بالأمان الشخصي وهم يمارسون السياسة داخل حقول من الألغام شديدة الخطورة.

نموذج الضابط علي، ابن الريس عبد الواحد (الجنايني)، كما جسده الفيلم المعروف، كان متاحاً أن يكون واقعياً إذا التزم بالديمقراطية

عقد من الزمن على  ثورة25  يناير 2011، كانت مصر تستعد لتدخل حالة جديدة مختلفة عما سبقها منذ تأسيس الجمهورية عام 1953، وما قبل الجمهورية في ظل الحكم الملكي، ظواهر كثيرة بدأت تشير للتغيير المأمول في الشكل العام للحكم والدولة والمواقع والمناصب والمسؤوليات وعلى مستوى المواطن البسيط الذي بدأ يفهم ويدرك الحقوق والواجبات، ويحلم بدولة جديدة واحدة لا أقلية حاكمة فيها، ولا أغلبية محكومة دائماً، هو وحده السيد المطاع فيها، ومن يحكمون ويأتون عبر الصندوق التنافسي فقط وظيفتهم خدمته، لكن كل هذا تجمد سريعاً، لأن الدولة القديمة محتكرة الحكم والسلطة والنفوذ والثراء لم تكن تسمح بالعدالة والمساواة والديمقراطية والتغيير.

………….

[نموذج الضابط علي، ابن الريس عبد الواحد (الجنايني)، كما جسده الفيلم المعروف، كان متاحاً أن يكون واقعياً إذا التزم بالديمقراطية، عندما أزاح الملك وجلس مكانه، إنما صار ملكاً جديداً، ومعه ملوك شركاء في الحكم ومغانمه، وثورة يناير استهدفت تصحيح الوضع، واستئصال هذا الداء العضال، لكن تم كسرها بحماقة تاريخية من صناعها – للأسف الشديد- ومن كارهيها بغل أشد، وعاد الملوك إلى عرشهم سريعاً].

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة