في ذكرى ثورة يناير: الإخوان والحكم

الثورة المصرية
الثورة المصرية

لا يزال بعض من يمارس حقه في التعبير والتحليل متناولا الإخوان والحكم، وأنهم يعانون تدنيًّا في الأداء السياسي، وأنهم أخطأوا خلال الثورة وما بعدها، وأيضا في الحكم بل وبعد الانقلاب، ملاحظات أو مآخذ يعتبرها الخصوم جرائم، ويعتبرها الأبناء الغاضبون كبائر، ويعتبرها الأبناء الحالمون وكأنها لم تكن. على الخطوط الفاصلة بين هؤلاء جميعًا يراها آخرون أخطاء طبيعية لممارسات واقعية في أجواء تفتقد لكل معايير الدولة المدنية والممارسات السياسية، ويغلب عليها أجواء الصراعات العسكرية. والسؤال الأهم، بفرض صحة كل ما سبق وغيره من الأفكار والممارسات والمواقف، هل هو مبرر لانقلاب عسكري دموي يجهض ثورة شعب، ويقتل المسار الديمقراطي، ويعسكّر الدولة ويحكمها بالقبضة الحديدية، ويفسد مؤسساتها البرلمانية والقضائية والإعلامية، ويهدر ثروات الشعب، ويفرّط في التراب الوطني والسيادة الوطنية؟

والوصول للحكم لن يحققه سوى صنفين لا ثالث لهما؛ أولهما العسكر بالانقلابات العسكرية

بفرض أن الإخوان أخطأوا سياسيًّا وأخلاقيًّا لمن أراد أن يزايد، أليست الممارسة السياسية فعل بشر يصيبون ويخطئون وتبقى إرادة الشعب هي الحكم يُبقِي من يشاء ويزيح من يشاء عبر الآليات الديمقراطية والممارسات السلمية؟ أخطاء الإخوان وغير الإخوان تبقى في مربع السياسة والتنافس بعيدًا عن مربع السلاح والدم، أخطاء الإخوان وغير الإخوان طبيعية للغاية في ظل حكم عسكري لأكثر من نصف قرن جرَّف الأرض الخصبة حتى صارت بورًا، الخطأ والصواب وجهان لعملة حركة الإنسان والحياة، والسلاح والدم وجهان لعملة الفناء والدمار، إياك أن تظن أو تبرر الانقلاب بحجة تدني أداء الإخوان أو أخطاء الإخوان وغير الإخوان، هذا وهم بل وتضليل للانقلاب على الإخوان وغير الإخوان ممن يرفضون الانصياع والتبعية

والوصول للحكم لن يحققه سوى صنفيْن لا ثالث لهما، أولهما العسكر بالانقلابات العسكرية في جمهوريات الموز العربية، ثم الدخول طوعًا أو كرهًا في بيت الطاعة الصهيوني، وثانيهما أي تيار مدني إسلامي أو ليبرالي بالتنسيق مع العسكر ثم الدخول أيضًا في بيت الطاعة الصهيوني.

إياكم وإعادة تدوير البضائع القديمة، التكرار استنزاف وإهدار، وهذا في صالح وكلاء الاستعمار.

أزمة المنطقة العربية وبعض الدول الافريقية، هي الخضوع التام للنظام العالمي الذي تقوده أمريكا قبل الحرب العالمية الأولى بالتزامن مع ظهور البترول واعتبار المنطقة المخزون الاستراتيجي للطاقة، بالإضافة لزرع الكيان الصهيوني كدولة حاجزة وقاعدة عسكرية ناجزة، أنظمة الحكم في المنطقة تحتمي بأمريكا من غدر بعضها  البعض، وأيضًا الاحتماء من غضبة الشعوب، لذا كانت ثورات الربيع العربي فرصة ذهبية للخروج من عباءة هذا النظام والحصول على الاستقلال الحقيقي لا المزعوم الذي عشناه منذ خمسينيات القرن الماضي.

لكن الوكلاء من العسكر والملوك والأمراء بدعم صهيوني ورضا غربي حوّلت ساحات السياسة إلى ساحات حروب استنزاف، وعندما فشلت في إجهاض الثورات حوّلت الساحات إلى نزيف دم لمئات الآلاف في سوريا ومصر واليمن وليبيا وغيرهم. ساعدهم في ذلك عدم وقوف شعوب الربيع العربي في مربع واحد؛ فكان التشرذم والانقسام بين شعب الدولة الواحدة، بل داخل مربع شركاء الثورة الذين تحوّلوا إلى فرقاء السياسة، ولا يزال التشرذم والانقسام حتى اللحظة داخل الشعوب ومربعات المعارضة، بل داخل الكيان الواحد من كيانات المعارضة إسلامية كانت أو مدنية، الحكم والسلطة حقوق دستورية، نعم، لكننا لسنا في دول بمفهومها القانوني والإنساني.

دعكم من علوم السياسة؛ لأن واقع الساسة والسياسة مختلف، واقع دول المنطقة يمكِّنك أحيانًا من ممارسة السياسة، لكن وفقًا لقواعد يحددها نظام الحكم في فتح المساحات والساحات أو إغلاقها، والمساحات والساحات كلها في الشوارع الجانبية للقصور الرئاسية، هذا هو المسموح به، وأي تفكير أو تدبير للاقتراب من السلطة يسقط كل الحقوق حتى الحق في الحياة، هذا واقعنا حتى اللحظة، وهو ما يستوجب إعادة النظر حتى لا نسوق خير رجالات الشعوب إلى المذابح والسلخانات أمام مؤسسات عسكرية لا ترقب في مواطن إلا ولا ذمة. واقع دول المنطقة يحتاج مشروعًا وطنيًّا متكاملًا وليس مشروعات فصائلية، المنشود هو التحرر والاستقلال من ورثة الاستعمار، الذين لا يزالون يحكمون ويتحكمون، وهؤلاء لن تُزيحهم الممارسات السياسية ولا حتى الانتخابات الرئاسية، وقد عشنا التجارب، مشروع وطني يناسب حجم التحديات ومستوى الحقوق والطموحات، حتى ننتزع مصر المخطوفة قسرًا، وبعدها نمارس السياسة والتنافس والتداول.

إياكم وإعادة تدوير البضائع القديمة، التكرار استنزاف وإهدار، وهذا في صالح وكلاء الاستعمار.

 

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة