هكذا عشنا الثورة في ألمانيا

الكاتب أثناء مشاركته في دعم الثورة المصرية بمدينة ميونيخ الألمانية
الكاتب أثناء مشاركته في دعم الثورة المصرية بمدينة ميونيخ الألمانية

وبعد 10 أعوام مازلنا نتذكر ذلك الصباح الذي أعقب الليلة التي تنحى فيها مبارك عن الحكم، عمت الفرحة آنذاك قلوب المصريين إيذانا بنجاح الثورة، وانبلاج فجر جديد.

لم تتوقف فرحة الثورة علي المصريين في الداخل، لكنها امتدت إلى قلوبهم في الخارج.
لقد حل ذلك الصباح مثقلا بفرحة وهم في نفس الوقت،  فقد نجحت الثورة في إزاحة مبارك ووقف حلم التوريث، ثم جاء الهم في الانشغال برسم ملامح المستقبل واختيار من باستطاعته أو قدرته تولي زمام الأمور، خاصة وأن مبارك كان قد نجح تماما في تجريف الحياة السياسة حتى يصبح الطريق ممهدا أمام نجله لاعتلاء سدة الحكم من بعده.

كانت ملهمة للكثيرين من طلاب الجامعات الألمانية على حثهم على الإقبال على تعلم اللغة العربية

كان المشهد بين المصريين في ألمانيا مؤثرا، الكل يحاول أن يفرح بطريقته الخاصة، زملاء العمل الألمان شاركوا المصريين الفرحة في احتفالات رمزية، كانوا فرحين لتحرر شعب من القهر والظلم، وأتذكر أننا احتفلنا جميعا بتناول تورتة كبيرة صنعها الزملاء وكانت مزينة بكلمة “السلام” التي كتبوها علي واجهة التورتة، بعد أن راحوا يبحثون في غوغل عن كلمة عربية توافق الحدث وتكون باللغة العربية التي لا يعرفونها كما حكوا لي فيما بعد.

يوميات الثورة في ألمانيا كانت مثار إعجاب الصحف والكتاب، بل إنها كانت ملهمة للكثيرين من طلاب الجامعات الألمانية على حثهم على الإقبال على تعلم اللغة العربية من أجل فهم ثقافة المصريين الذين قاموا بتلك الثورة السلمية المبهرة.

من أبرز ما لفت النظر وقت الثورة، ومازلت أتذكره جيدا هو أن بعض الصحف الألمانية الكبيرة عنونت صفحاتها الأولى بمانشيتات ضخمة للغاية باللغة العربية مثل “الحرية”،  أو “الثورة”، وكانت تهدف بذلك إلى إبراز الإعجاب الكبير بالثورة السلمية ضد الظلم، ونضال الشباب من أجل الحرية.

في ذلك الوقت كان المصريون في دهشة من اهتمام وسائل الإعلام الألمانية على غير العادة بالحراك في مصر، فقد كان هناك بث حي على كل مواقع المجلات والصحف الشهيرة في الإنترنت، كانوا ينقلون الأحداث دقيقة بدقيقة في نشرات التليفزيون والراديو.

انحازت ألمانيا لخيار الشعب المصري وقتها، ووصفت مراسلة قناة SWR الألمانية التليفزيونية من قلب ميدان التحريرالنساء المشاركات في الثورة بأنهن القوة الدافعة الجبارة لنجاح الثورة.
لقد أعجب الألمان بتظاهرات النساء في كل ربوع مصر بشكل يدعو للدهشة، وتغيرت الصورة التي التصقت بالأذهان هنا عن سلبية المرأة العربية أو المصرية ودورها الذي لايزيد عن كونها ربة منزل، لا تحركه مثل هذه المطالبات التي تنادي بتغير المجتمع.

سيدة مسنة تشارك ابنتها وحفيدها التظاهر تظهر علي شاشة التليفزيون الألماني وهي تقول: كنت في البداية خائفة

أثناء الثورة نقلت قناة تليفزيونية ألمانية وصف إحدى الطالبات المعتصمات في الميدان قولها: إننا لن نترك المكان حتى تتحقق مطالبنا، وكان الاهتمام واسعا من قبل المحطة التليفزيونية، فراحت الكاميرا تنتقل من مجموعة لأخرى، ويقول شاب في ركن آخر من الميدان لن نتحرك من هنا قبل الحصول على ضمانات من الجيش، لابد من تحقيق شيء ملموس على أرض الواقع حتى نشعر بالتغير.
كنا ننتقل من قناة إلى أخرى بحثا عن الجديد، وأتذكر ذلك التقرير الذي تحدث عن الشابات اللواتي يعملن في في وظائف مرموقة، وترتدين الملابس العصرية، وكن بعد انتهاء العمل يسرعن إلى ميدان التحرير للمشاركة في يوميات الثورة، وتقول إحداهن: إن حسنة مبارك الوحيدة أنه استطاع توحيد فئات الشعب المختلفة دون أن يدري.
سيدة مسنة تشارك ابنتها وحفيدها التظاهر تظهر علي شاشة التليفزيون الألماني وهي تقول: كنت في البداية خائفة، أما الآن فأنا أصبحت متأكدة أن ميدان التحرير أصبح هو المنطقة الوحيدة الآمنة في مصر، فالكل هنا يعمل معا ويرفع شعار كلنا أيد واحدة، أما ابنتها فتقول: إنك إذا فقدت حافظة نقودك أو موبايلك فسوف تجدهم مرة أخرى في الميدان.
من أجمل صور التضامن الألماني مع الثورة هو قيام وزير الخارجية السابق غيدو فيسترفله بزيارة المتظاهرين المحتشدين في ميدان التحرير في القاهرة وإعرابه لهم عن تضامن الدولة الألمانية مع مطالبهم المشروعة في الحياة والديمقراطية والحرية، وعندها هتف المتظاهرون: تحيا ألمانيا، تحيا مصر. قال لهم فيستر فيله: إن التغيرات التي تجتاح المنطقة لن تنجح إلا إذا نجحت مصر أولا، وقد وعد حينها بمساعدة الثورة المصرية وفعلا تم الاتفاق على شطب 240 مليون يورو من الديون المصرية لألمانيا كمساهمة وضمان في استمرار المسار الديمقراطي في البلاد.

اهتمت الصحافة الألمانية وقتها بصورة المجتمع المثالي التي تحققت في ميدان التحرير، والتي كان يأمل الشباب المصري في أن تكون نواة وأساسا للدولة الجديدة، فالميدان كان حالة فريدة كل ما فيه كان يقوم على التعاون والتكافل والمشاركة في تأدية الخدمات والمنادية بالعدل والإصلاح ورعاية الفقراء والقضاء على الفساد.

كانت هذه هي أولويات المتظاهرين، لذلك لم تسجل فيه حالة تحرش واحدة بالنساء، كما لم تكن توجد هناك معاكسات، كان الجميع واقعا تحت تأثير حالة من الروحانيات العالية التي سمت بأرواحهم فوحدتهم جنبا إلى جنب، فالفقير بجوار الغني، والجندي بجوار المدني، والشاعر والكاتب والمثقف بجوار بسطاء الناس الذين حتى لا يعرفون القراءة.

الغريب أن الاهتمام الألماني لم يتوقف بالثورة، وفي الذكرى العاشرة هناك كتاب مرتقب سيصدر في 20 فيرير المقبل

في ألمانيا كان يسود اعتقاد جازم بين المصريين المهاجرين بأن مصر تتغير، وأن العودة إلى ما قبل 25 يناير هو أمر مستحيل، كان التفاؤل يعلو الوجوه. الجالية المصرية في اجتماعات مستمرة تبحث عن طريقة لمساعدة مصر وإنجاح الثورة، المصريون يتجمعون في ميادين المدن الكبيرة ويهتفون لمصر. . أحد النشطاء السياسيين المصريين في ألمانيا قال لي وقتها: إن الثورة تفتقر إلى قيادة شابة، وإن وجود مثل هذه القيادة سيكون ضمانة للحفاظ على الخط الشبابي للثورة، الجميع هنا كان يؤمن بأن مصر بها طاقة كبيرة وضخمة من الشباب الذي ينتظر الفرصة والمناخ الملائم لينطلق بالبلاد إلى آفاق التقدم.
كان المصريون في ألمانيا يتسابقون من أجل المساهمة في بناء مصر ما بعد الثورة، أغلبهم يرغب في العودة وقضاء ما تبقي لهم من عمر في بلدهم، أتذكر أثناء مشاركتنا في أحد المظاهرات المؤيدة للثورة في ميونيخ أن أحد الاكاديميين قال لي أثناء المظاهرات: إن مصر دولة غنية بطبيعتها، ففيها أخطر 3 عوامل طبيعية يمكن أن تشكل مصدرا للثراء وهي الشمس، والأراضي الصحراوية، ومياه البحار التي تمتد عليها شواطئ تصل إلى أكثر من 2400 كم ثم قال: إذا فكرت مصر في إقامة مشاريع تحلية مياه البحر من أجل استغلالها في زراعة أراضي الصحراء فسيكون لها شأن آخر!

إذن ونحن في الذكرى العاشرة للثورة التي لم تؤت ثمارها بفضل المكايد والالتفاف عليها وإعادة البلاد للأسف مرة أخرى إلى نقطة الصفر. . نتساءل هنا بدورنا هل بات قدرنا هكذا؟ هل بات قدر البلاد أن تظل دائما في انتظار لحظة الخلاص!!

الغريب أن الاهتمام الألماني لم يتوقف بالثورة، وفي الذكرى العاشرة هناك كتاب مرتقب سيصدر في 20 فيرير القادم تحت عنوان ” الربيع العربي لم ينته بعد” كتبه مراسل التلفزيون الألماني في القاهرة سابقا “يورغ ارمبريستر” وفي مقال نشرته جريدة شتوتغارت عن ملامح الكتاب، ذكرت فيه أن المؤلف يؤمن بأن الثورة مستمرة ، وأنها لن تموت،  كما أنه فند في كتابه الحالة السياسة الراهنة في مصر، وقال إن شيئا لم يتغير، بل إن القمع ازداد،  ثم انتقد تعامل الغرب مع أنظمة الحكم بعد فشل الربيع العربي مما ساهم في زيادة القهر لدى المواطنين العرب، ومن ثم تمادي أنظمة الحكم في انتهاكات حقوق الإنسان، وذكر أن ذلك بسبب مخاوف الغرب علي مصالحه.

بالتأكيد لن تموت الثورة المصرية ويوما ما ستنتصر مطالب الثورة” عيش حرية عدالة اجتماعية” التي هي مطالب إنسانية واقعية صدرت وقتها بشكل عفوي من حناجر الملايين الذين عانوا طويلا من الظلم والقهر الاجتماعي.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة