الحلم الأمريكي

بايدن ونائبته عشية التنصيب
بايدن ونائبته عشية التنصيب

لو كنت مواطناً أمريكياً، فإنه سيكون من دواعي فخري، تمثال الحرية، رمز الحرية في هذا البلد، والكونجرس، والبيت الأبيض، والدستور، والديمقراطية، وهوليوود.

أسباب الفخر الأخرى المادية كثيرة؛ اقتصادية، وصناعية، وتجارية، ومالية، وعسكرية، وغيرها، مما يجعلها القوة الأعظم في العالم، بلا منازع أو منافس، حتى الآن.

الأهم عندي هي الديمقراطية، ذلك أن الموارد والقدرات والإمكانيات الطبيعية والبشرية يمكن أن تتوفر للكثير من بلدان العالم، لكن ليست كل البلدان تحظى بنظام حكم ديمقراطي، ودولة قانون، وتداول سلطة، ودستور جيد متقدم يلقى الاحترام والتنفيذ الأمين، وحريات فردية وعامة تتيح لأي مواطن نقد الرئيس رمز الدولة وهو آمن على نفسه ومصالحه.

والأمثلة دالة، فالاتحاد السوفيتي السابق كان يمتلك مساحات شاسعة من الأراضي، أكبر من مساحة أمريكا، وكتلة سكانية أكثر عدداً من سكان أمريكا، وموارد هائلة تفوق ما تحوزه أمريكا في ولاياتها الخمسين، وقدرات صناعية وإنتاجية وعسكرية تقليدية ونووية عظيمة، لكن هذا الكيان الضخم عندما افتقد نظام الحكم الديمقراطي الدستوري الحر كان مصيره الانهيار والتفكك والأفول.

واليوم، الصين دولة عظمى في الإمكانيات المادية الطبيعية والبشرية، ولديها قاعدة صناعية، ربما أوسع وأضخم مما في داخل أمريكا، وتمتلك قدرات إنتاجية وتجارية وتصديرية هائلة، إنما لا تستطيع مجاراة أمريكا، ولا الوقوف أمامها أو تحديها، ولا امتلاك نفوذها العالمي وتأثيرها في سياسات دول العالم، فهذا البلد القديم العريق المتطور يحرم نفسه، مثل الاتحاد السوفيتي الزائل، من قوة وسحر الحكم الديمقراطي، فهو يقمع شعبه، ويحكمه بقبضة من حديد، عبر حزب وحيد، ويتصدر واجهة السلطة رجل واحد لا يتغير، ولا يعرف الصينيون بديله إلا بعد موته.

ولا يدري العالم هل في الصين انتخابات، أي انتخابات؟، ومهما كانت المنافسة داخل الحزب الشيوعي الحاكم في اختيار وتصعيد قياداته، فلا يتابع ذلك أحد، ولا حتى الصينيين أنفسهم، رغم أن إفرازات الانتخابات الداخلية تحدد من يقود هذه الكيان بقدراته الضخمة، لكن مع هذا يظل تأثير الصين كدولة كبرى داخل حدودها، وحدود بعض جوارها وحلفائها.

كما لا يهتم العالم بالانتخابات في روسيا؛ رئاسية وبرلمانية، رغم أنها تنافسية، لكنها شكلية حيث لا تختلف عن الانتخابات في العالم غير الحر، فالنظام هناك ديمقراطي اسماً فقط، وجوهره لا يزال يحتفظ بالجينات السياسية الاستبدادية للاتحاد السوفيتي المنهار.

لعل أصعب انتخابات رئاسية شهدتها أمريكا، والتي جرت بين ترمب وبايدن

إدارات أمريكية عديدة بوجوه رئاسية مختلفة؛ جمهورية أو ديمقراطية تغيرت، بينما هناك رئيس واحد في الصين هو شي جين بينج، ورئيس واحد في روسيا هو بوتين، وقل ذلك أيضاً في نصف بلدان العالم، أو أكثر.

لكن أمريكا وبفضل ديمقراطيتها الملهمة تظل محط تركيز وحديث العالم، ليس في يوم الانتخابات فقط، إنما منذ بدء الإجراءات، وطوال مرحلة الدعاية قبل أشهر من يوم التصويت، فهي أهم انتخابات يتابعها العالم، وأكثر انتخابات تنتظر الأنظمة والشعوب نتائجها، والفائز فيها أشبه بالقائد العالمي الذي يترقب الجميع من سيكون، وما سيقرره بشأن مختلف القضايا والملفات الدولية، والعلاقات الثنائية والإقليمية.

لعل أصعب انتخابات رئاسية شهدتها أمريكا، والتي جرت بين ترمب وبايدن، تؤكد مدى التغلغل الأمريكي في كل شؤون بلدان العالم، كأن الأنظمة والشعوب على تنوعها واختلافها كانت تشارك في الانتخابات دون تصويت مباشر، وكأنها كانت حاضرة فيما سبقها من فترة دعاية قاسية، وما لحقها من جدل غير مسبوق بشأن نتائجها، ومحاولات ترامب المحمومة لقلب النتائج في خيانة فاضحة للديمقراطية في بلاده، وهذا تأكيد لمدى ارتباط العالم بكل ما يجري داخل الدولة الأمريكية، وأنه بات شريكاً في الصراع السياسي العنيف داخلها، ومترقباً لتداول السلطة فيها وللشخص الذي سيكون سيد البيت الأبيض.

أين يمكن أن يحدث حبس الأنفاس طوال أشهر على خريطة الكرة الأرضية، حتى في دول العالم الحر الديمقراطي نفسه؟.

لا يحصل إلا في أمريكا؛ أرض الحريات الواسعة، والديمقراطية الأهم، التي أثبتت يوم 6 يناير 2021 أن ديمقراطيتها متجذرة، وعصية على الاهتزاز أو الكسر، عندما اقتحم الغوغاء مبنى الكونجرس (بيت الشعب)، لتعطيل جلسة التصديق على بايدن رئيساً، في عدوان صارخ وغير مسبوق على فخر الأمريكان، وهي ديمقراطيتهم العفية، بتحريض من ترامب، الذي دخل البيت الأبيض بالديمقراطية، لكن نوازع الاستبداد كامنة في داخله، وهو في هذا لا يختلف في تركيبته العقلية والسياسية عن نظرائه في العالم المحكوم بالطغاة.

يسعدنا في أمريكا النظام الديمقراطي الليبرالي الذي تعيشه واقعاً منذ أكثر من قرنين من الزمان

في يوم الأربعاء، الذي سحقت فيه الديمقراطية الجنون والتطرف والاستبداد أكدت الولايات المتحدة في أوائل العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، أن هذا القرن سيكون لها أيضاً، حيث ستبقى قائدة للعالم، ومتنفذة في شؤونه، ومتحكمة في توجهاته وقراراته وتسيير حاضره، وأن أي أقطاب صاعدة تستهدف منافستها لن تصل إلى مكانتها إلا إذا أسست لنفسها صرحاً من الديمقراطية والحريات مماثلاً للصرح الأمريكي الذي وضع قواعده الآباء المؤسسون، وظل يرتفع ويتصلب على مدار السنين حتى حصل على تعميد جديد بماء الحياة بالانتصار الذي أزاح الانكسار اللحظي المؤلم وكاد يدمر في لحظة حماقة وعنصرية ونرجسية وغياب للعقل، رمزيات؛ تمثال الحرية، والكابيتول هيل، والبيت الأبيض، والدستور، وهوليوود، والديمقراطية درة التاج.

يسعدنا في أمريكا النظام الديمقراطي الليبرالي الذي تعيشه واقعاً منذ أكثر من قرنين من الزمان، وتعيشه شعوب كثيرة حول العالم حلماً، وهذا الحلم مصدر للتفاؤل والأمل بالقادم يوماً ما، وإلا فقدت الحياة معناها، وقتلها اليأس والإحباط.

 

 

 

المصدر : الجزبرة مباشر + الجزيرة + الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة