“عصام العريان”.. من قريب

 

التقيت بالدكتور عصام العريان – رحمه الله وتقبله في الشهداء – على مدار ٤ سنوات بدءا من عام ١٩٩٦ حيث قررت الالتحاق بكلية الآداب جامعة القاهرة قسم التاريخ عقب حصولي على ليسانس دار العلوم ١٩٩٢

وحيث أنني كنت معتقلا حينها في سجن استقبال طرة فقد كانت لجنة الامتحانات في ليمان طرة، فكنا نذهب يوميا لأداء الامتحان ونعود آخر النهار، وفي أول امتحان فوجئت بالدكتور عصام – الذي كان مسجونا في سجن ملحق المزرعة بعد الحكم عليه من محكمة عسكرية بخمس سنوات – يؤدي الامتحان معي في نفس القسم ونفس السنة حيث قرر الالتحاق به رغم أنه كان يدرس في كلية الشريعة في نفس الوقت علما بأنه سبق له الحصول على ليسانس الحقوق من قبل بجوار عمله الأصلي كإخصائي تحاليل

الود:

كنا ننهي الامتحانات ونجلس لساعات طويلة نتحدث لحين مجيء عربة الترحيلات فوجدته ودودا حلو الحديث يتمتع بأخلاق القرية الأصيلة يعتز بانتمائه لقرية ناهيا بالجيزة

كان يحمل ودا لقادة الجماعة الإسلامية والجهاد المحبوسين في سجن الليمان حينها بحكم الزمالة التي جمعت بينهم في العمل الطلابي في السبعينات، فكنت أرى سعادة حقيقية في وجهه إذا لمح أحدهم يسير من بعيد وذات مرة لمح الشيخ عبود الزمر من بعيد وكان متجها إلى مكتب رئيس مباحث السجن ففوجئت بالدكتور عصام ينادي عليه بصوت عالٍ في مجازفة حينها كانت من الممكن أن تجلب عليه بلاء لكن الشيخ لم يسمعه ومضى في طريقه.

ثم تقرر بعد ثلاثة تيرمات تحويل الامتحانات إلى سجن العقرب الذي كان مغلقا حينها بالضبة والمفتاح تسبقه سمعته بالغة السوء مثل الآن وربما أشد

ورغم ذلك:

وفي سجن العقرب تغير الحال فالمخبرون يعدون عليك الأنفاس والالتفاتات والحركات والضباط مستعدون للبطش بك بسبب أو بدون سبب وهدف الجميع منع التواصل بين القادمين من سجون أخرى لأداء الامتحانات وبين نزلاء سجن العقرب الأصليين الممنوع عنهم الزيارة والمعزولين عن العالم الخارجي تماما.

ورغم ذلك وجدت دعصام رحمه الله ينتهز أي فرصة ولو لثوان للحديث مع سجناء العقرب ومعرفة طلباتهم من أدوية وخلافه أو أخذ أرقام تليفونات ذويهم ليطمئنهم أن أولادهم لا يزالون على قيد الحياة في سجن العقرب.

وفي الامتحان التالي أراه آتيا محملا بالطعام والأدوية على اعتبار أنها له بسبب طول الفترة التي يقضيها بالعقرب لحين عودته لسجن ملحق المزرعة آخر النهار ثم يبدأ خلسة في توزيع الطعام والدواء على الأخوة الموجودين في العقرب الذين كانوا في حالة صحية مزرية للغاية.

واليوم يموت د. عصام فاللهم كما سعى إلى تفريج كربات المسلمين فرج كربه ووسع له في قبره واجعل هذا اليوم أسعد أيامه

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة