مقالات

إثيوبيا ليست الخطر الأكبر على النيل

 

في خطابها أمام مجلس الأمن أعلنت الحكومة الإثيوبية في شهر يونيو/حزيران الماضي عن أنها لا تعترف بالحصص المائية وإستخدامات المياه الراهنة لمصر والسودان، وأنها لا تعترف بالاتفاقيات والمعاهدات المبرمة بين الدول الثلاث والمتعلقة بحقوق مصر والسودان في مياه النيل. وزعمت أن الحصص المائية نتجت عن اتفاق مصري سوداني لا تعترف به، وأن استخدام مصر الحالي لنهر النيل يستند إلى معاهدات استعمارية، وأنها ترفض تمسك مصر بمبدأ الإستهلاكات الراهنة للمياه.

الإدعاءات الإثيوبية تتعارض مع مبدأ التوارث الدولي للمعاهدات، وهو مبدأ معروف في القانون الدولي ومنصوص عليه في الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاقية فيينا عام 1978. وكذلك مبدأ الحق التاريخي المكتسب، أو الإستخدامات الراهنة، وهو أحد المبادئ المستوحاة من اتفاقية فيينا عام 1966 واتفاقية معاهدة استخدام الأنهار الدولية في الأغراض غير الملاحية الذي أقرته الأمم المتحدة في سنة 1997. أضف إلى ذلك أن اتفاقيات المياه الوقعة بين الدول الثلاث، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، معاهدة سنة 1902، وإتفاقية 1929، و1993 جميعها وقعت عليها إثيوبيا وهي كاملة الأهلية ومتحررة من أي استعمار.

تفريط مصري

رغم سذاجة الإدعاءات الإثيوبية، فرطت الحكومة المصرية في الرد عليها وتفنيدها، تماما كما فرطت في المطالبة بوقف البناء في السد أو تصغير حجمه. وأدى ذلك إلى أن أحدا من مندوبي الدول الأعضاء في مجلس الأمن لم يتعاطف مع القضية في مجلس الأمن رغم عدالتها، ولم يتطوع بتفنيد الإدعاءات الإثيوبية المغلوطة وتوضيح المبادئ القانونية الصحيحة بالنيابة عن المندوب المصري الغلبان.

وهذا أمر معلوم من العلاقات الدولية بالضرورة. فهي تقوم على المصالح المتبادلة والخدمات المدفوعة، ولا تمت للمرؤة ونصرة المستضعفين بصلة. ولا تبادر دولة بالمطالبة بحق دولة آخرى دون طلب من الدولة صاحبة الحق، وإلا أصبح تدخل سافر في شؤون الدولة الثالثة. ويمتنع التدخل بامتناع الدولة صاحبة الحق في المطالبة بحقها أو تنازلها عنه أو تفريطها فيه، وهو ما ينطبق على الحالة المصرية بكل أسف.

تفريط النظام المصري أغرى الحكومة الإثيوبية بالكلء المباح والحق المستباح فأعلنت من طرفها منفردة عن ملء خزان السد. ولرعونة التصرف، استدركت بنفي الخبر، فأثبتت ملء الخزان، ولكنها عزته إلى الطرف الثالث، وهو الأمطار الغزيرة. ولما رأت النظام في مصر يتحلى بأخلاق النعام في مواجهة الأزمة ودفن الرأس في رمال الصحراء الليبية، خرج رئيس الوزراء الإثيوبي بشجاعة يهنئ شعبه بنجاح عملية الملء التي بدأت وانتهت على خير.

التحلي بأخلاق النعام

لم يحتج رأس النظام المصري، الجنرال عبد الفتاح السيسي، بشطر كلمة على تجاوز رئيس وزراء إثيوبيا بقطع المياه عن مصر وملء السد رغم استمرار المفاوضات وقبل التوصل لإتفاق، بل التزم ضبط النفس في مواجهة التصرف الإثيوبي الذي يعتبر إعلان حرب بمفهوم الأمن القومي، ثم أعلن تمسكه بالمفاوضات السلمية. وما كان لآبي أحمد أن يقدم على هذا التصرف المتهور إلا بعد أن تحسس رد الفعل المصري عندما هدد بشن الحرب على مصر فلم يجد رد فعل، بل وجد الجنرال يدفن رأسه في الرمال ويلوز بالصمت، فانتفخ السياسي الغر أمام الجنرال الرعديد.

ولما جمعهما اللقاء في سوتشي الروسية، بادر السيسي أحمد بالتحية وأثنى على حكمته ورجولته. ولو أنصف القائمون على نوبل لكان الجنرال هو الأجدر بها من السياسي الأهوج، فقد إلتزم ضبط النفس أمام وتمسك بخيار السلمية وهو الجنرال العسكري الحاصل على أرفع الرتب العسكرية، والقادر على أن "يشيله من على وش الأرض" ولكنه كظم غيظه وغمد سيفه وجنب وادي النيل الحرب والدمار، ولكن ما تقول في المعايير المزدوجة والحظ القليل؟!.

وفي ظل هذا الإنبطاح جاء دور وزير الخارجية، غيدو أندارجاشيو، ليضع قواعد المنتصر ويقنن الوقع الجديد فيعلن للجميع أن النهر الذي كان متنازعا عليه كان هو نهر النيل الذي يعرفه التاريخ والجغرافيا، ولكنه النهر أصبح بحيرة خالصة الملكية لإثيوبيا، وأن ملكية النهر نزعت وصار "النيل ملك لنا". ورغم العبث المصري والطيش الإثيوبي الذي يلف المشهد، لم يكترث النظام المصري، ولم يرد سامح شكري، قاهر ميكروفون الجزيرة، كما لم يحفل الإعلام المصري باحتفاء الإعلام الإثيوبيا وانشغل أو تشاغل عن الحدث الأخطر على الحياة في مصر بتحويل الحكومة التركية العثمانية آية صوفيا إلى مسجد.

زود التعبئة يا مهندس طارق

بدلا من الصراخ والعويل والتنديد بخطورة قطع المياه على الحياة في مصر، قدت وزارة الري المصرية فاصل من الكوميديا السوداء. فادعت على لسان متحدثها الرسمي أن مصر "لم تتأثر بالتعبئة الأولية لسد النهضة الإثيوبي لأنها تعتمد على مخزون احتياطي في بحيرة ناصر!" وتخيلت أن الجنرال السيسي سيضحك بعد هذا التصريح وتنتفخ أوداجه وهو ينادي على "المهندس طارق" مسؤول السد الإثيوبي ويقول له "يا مهندس طارق.. زود التعبئة متقلقش".

إن مصر تعاني بالفعل من السد منذ سنوات. تعديل قانون الزراعة في 2018 لتجريم زراعة محصول الأرز والحكم بالسجن 6 شهور وغرامة 20 ألف جنيه على المخالفين وتجويل مصر من دولة مصدرة إلى مستوردة، وارتفاع سعر الكيلو من جنيه ونصف في البطاقات التموينية إلى 10 جنيهات، ثم إلغاءه من منظومة البطاقات التموينية، أليست هذه معاناة يا مهندس طارق؟!

إنفاق 200 مليار جنيه في إنشاء محطات لتحلية مياه البحر، وإقتطاعها من موازنة الصحة وظهور أثرها في العجز عن مواجهة فيروس كورونا المستجد وموت الأطباء بسبب نفاد الأدوات الطبية، وسوف يزيد المبلغ إلى 900 مليار في السنوات القادمة رغم عدم جدواها في حل الأزمة، أليست هذه معاناة يا مهندس طارق؟!

ولم يضيع النظام المستأسد على شعبه حقه في الرد على النظام الإثيوبي. فأصدار قرار "تغليظ عقوبة الإسراف في استخدام المياه"!. لقد ضيعت المياه وتعلق فشلك على شماعة المواطن. أين المياه حتى يسرف المواطن في استخدامها؟، ومن الذي يستحق تغليظ العقوبة، الذي ضيع المياه أم الذي أسرف في استخدامها؟!

إنجاز الدراسات الفنية

في خطابه أمام مجلس الأمن، قال وزير الخارجية سامح شكري أن لجنة الخبراء الدولية أصدرت تقريرها في 31 مايو/آيار 2013. وقال أن النتائج التي توصلت إليها اللجنة "مثيرة للقلق الشديد". وأعربت عن قلقها حيال عدم كفاية الدراسات التي أجرتها اثيوبيا بشأن السد، بما في ذلك السلامة الإنشائية وأمان السد، وخصائص تصميمه، والنماذج الهيدرولوجية والجيولوجية المتبعة في خطط تشييده، وإفتقار إلى تقارير عن التقييم البيئي ودراسات الآثار الإجتماعية والإقتصادية للسد على دولتي المصب.

وقال شكري أن المادة 5 من اتفاق اعلان المبادئ تلزم بـ "تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية حول الدراسات الموصى بها خلال المراحل المختلفة للمشروع، على أن تستخدم البلدان الثلاثة المخرجات النهائية لتقرير الدراسات الفنية بغرض:

(أ) الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول لسد النهضة التي ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد.

(ب) الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، التي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت لآخر. وحدد الإتفاق الإطار الزمني لتنفيذ العملية المشار إليها أعلاه يستغرق خمسة عشر شهراً منذ بداية إعداد الدراستين الموصى بهما من جانب لجنة الخبراء الدولية".

وعملًا بهذه الأحكام، يقول شكري، فإن اثيوبيا ملزمة بموجب اتفاق اعلان المبادئ ألا تبدأ عملية الملء الأول للسد دون إنجاز الدراسات التي أوصت بها لجنة الخبراء الدولية والتوصل إلى اتفاق وقواعد تنظم عملية الملء الأول. واعترف شكري بأن اثيوبيا بررت إعلان البدء في ملء خزان السد من طرفها منفردة دون التوصل إلى اتفاق مع دولتي المصب، بأن المادة 5 من اعلان المبادئ يعطيها هذا الحق.

والسؤال هنا، كيف وقع الجنرال السيسي على إعلان المبادئ وتنازل عن المطالبة بوقف البناء في السد حتى انجاز دراسات تقييم الأثار الإقتصادية والإجتماعية على مصر ومن ثم تحديد الحجم المناسب للسد وسنوات الملء وقواعد التشغيل بناءا على نتائج الدراسات؟! وما جدوى هذه الدراسات إذا كشفت عن أضرار جسيمة تستلزم تخفيض حجم السد وزيادة سنوات الملء أو شككت في أمان السد وقد انتهت إثيوبيا من تشييده بالكامل؟!

الخروج من المأزق

رغم عدالة قضية النيل، فإن المحامي العربي مشكوك في ولائه، عكس المحامي الإثيوبي المجتهد في قضيته الخاسرة. وأمام تفريط الحكومة في مصر والسودان، نظم مجموعة من الخبراء في البلدين "الحملة الدولية لحماية مصر والسودان من العطش" مؤتمرا في يوم 25 يوليو/ تموز بعنوان "صرخة شعبي مصر والسودان، لا للعطش.. لا للغرق.. لا للدمار". وأوصى بيان المؤتمر الذي تناقلته وسائل الإعلام الحكومة في البلدين بإيقاف المفاوضات فورا، حتي لا يشكل الأمر "سابقة قانونية " لأن أي استمرار للمفاوضات بعد بدء الملء بإجراء منفرد  يعني ضمنيا "تقنين وشرعنة" ذلك الملء الانفرادي غير المشروع.

وكذلك سحب التوقيع علي اعلان المبادئ فورا، حيث إن الملء بإجراء منفرد هو انتهاك إثيوبي لإعلان المبادئ. وإرجاع الأمر لمجلس الأمن فورا  لاستصدار قرار بموجب الفصل السابع، لالزام إثيوبيا بوقف الملء الأول، وعدم اتخاذ أي إجراء إلا بعد وصول إثيوبيا إلي اتفاق ملزم، مع مصر والسودان، يحدد حقوق والتزامات كل دولة، وقد سبق لمجلس الأمن أن طلب من إثيوبيا عدم الملء بإجراء منفرد. وقد قطعت إثيوبيا المياه عن مصر، وهو إعلان حرب بمفهوم الأمن القومي، وهدد رئيس وزراء إثيوبيا بالحرب ضد مصر صراحة!.

وأوصى المؤتمر بالمطالبة بتنفيذ توصيات تقرير اللجنة الدولية لدراسة آثار سد النهضة على دولتي المصب، ومراجعة سلامة وأمان السد. ثم التفاوض من جديد على حجم السد وعدد سنوات الملء في ضوء ما تظهره الدراسات الفنية حول آثار السد وأمانه، فهل يصغي المسؤولون في الدولتين لصوت الخبرء؟!.

إن الحق في الحياة مقدم على حق التنمية، وإن إقامة تنمية محتملة في إثيوبيا لا يكون بهدم تنمية قائمة بالفعل، وتهديد حياة شعوب بأكملها، سيما أن بدائل سد النهضة كثيرة وأكثر جدوى من السد الحالي، أما نهر النيل فليس له بديل.

تقديري أن حكومات اليوم إن فرطت في حق شعوبها في المياه، واستغلت إثيوبيا ضعف هذه الحكومات وأمعنت في ابتزازها وفرض الأمر الواقع، فإن الجيل القادم لن يُقر لها بما اغتصبته من حقوق، ولن يَقر حتى تعود المياه لمجاريها والحقوق لأصحابها، سلما أو حربا. والأجدر بالحكومات في الدول الثلاث أن تقف أمام مسؤوليتها وتعلي مصالح الشعوب على مصالحة الضيقة وتتفق فيما بينها على حل عادل للأزمة لحفظ السلام والأمن في حوض النيل.

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة