تونس في عين العاصفة ..هل تنتكس الديمقراطية العربية الوحيدة؟

 

المنطقة العربية، من دون جغرافيا العالم، تستعصي على التطويع الديمقراطي، وطاردة لكل أفكار الإصلاح، وكارهة للحكم الرشيد.

 وحتى القبول بمستبد ناضج أو عادل، ليس مضموناً، وعلاوة على صعوبة العثور عليه، فلا ضمان ألا يتحول إلى مستبد فاشٍ.

 وكل المستبدين يبدؤون بوجه لطيف، وشعارات رنانة، ثم يتحولون تدريجياً إلى طغاة، بوجوه عابسة كئيبة، وأوامر شبه إلهية، باعتبارهم اختيار السماء لأهل الأرض من العرب.

وتونس الديمقراطية العربية الوحيدة التي تتشكل وتتحرك للأمام، يبدو أن الحديث بشأنها متفاءل أكثر من اللازم، فليس مستبعداً في لحظة أن ينهدم المعبد الذي يتم بناؤه منذ ثورتها في عام 2011 على رؤوس كل من فيه، وتعود البلاد إلى حكم سلطوي أمني، كما كان أيام زين العابدين بن علي.

 الدعوات للاحتجاج في ساحة (باردو)، والاعتصام أمام البرلمان، والمطالبة بحل الكيان التشريعي المنتخب، وإقالة رئيسه راشد الغنوشي، وإعادة صياغة نظام سياسي جديد يقلص دور السلطة التشريعية، ويزيد سلطات رئيس الجمهورية، والرغبة الدفينة بسحق الإسلاميين، وعنوانهم الرئيسي حزب حركة النهضة الذي يقوده الغنوشي. هذا الحراك يثير قلقاً حقيقياً على ديمقراطية تونس الناشئة، ويضع التجربة العربية الوحيدة ذات الملامح المحددة في عين العاصفة.

هذه الديمقراطية، التي تتمنى شعوب العرب مثلها، تتسع للشريحة الغاضبة أو المتواطئة من التوانسة، إذ بمقدورهم تنفيذ كل أهدافهم من داخلها عبر الفوز بها، وليس بالحركات الظاهرية لإصلاحها، بينما هى في حقيقتها تهيئة الأجواء لمنح القوى المضادة الفرصة للانقضاض عليها.

المحتجون أقلية، ولا يمثلون شريحة ذات وزن شعبي، وظاهرياً لا يمثلون خطورة على النظام الديمقراطي القائم، لكن الأقلية قابلة للزيادة، وأساليب ترجمة ذلك لواقع عملي ليست صعبة، والإغراءات قادرة على شراء ذمم سياسية، وتحريك المواطنين الشرفاء.

ففي كل بلد عربي مواطنون شرفاء مستعدون دوماً للانضمام لأي حشد تحت شعارات جاذبة خادعة، والخبرة متوفرة في العواصم العربية لدفع الناس للمظاهرات لخدمة أهداف خبيثة، وهى في النهاية لن تصب في صالح مواطنين شرفاء سذجاً، أو جماعات سياسية انتهازية تهفو للسلطة بأي ثمن، كما تعصف معهم بالمواطنين والنخب والقوى الراغبة حقاً في الإصلاح وحكم الدستور والقانون.

وسائل الإغراء:

 الإطاحة بالحكم الديمقراطي خارج آلياته المعروفة، وهو الانتخابات الحرة، يعني إهدار إرادة الشعب، وإقصاء الطبقة السياسية خارج المجال العام، وانفراد من يسطو على السلطة بمكوناتها وحده.

رأيت سيدة تونسية، ضمن العدد القليل من المتظاهرين، ترفع لافتة ضد البرلمان وحركة النهضة، ومن هيئتها يستحيل الاقتناع أنها تعي ما هو مكتوب، أو لماذا هى موجودة في هذه الساحة؟ المال أحد وسائل الإغراء لتحريك الناس واستخدامهم في الحشد للتصوير وحساب الأعداد والمتاجرة بهم في سوق النخاسة السياسي.

 مصر شهدت تجارب متنوعة وثرية في مثل هذه الممارسات المدفوعة  بعد ثورة يناير عندما بدأ تيار الثورة المضادة يخترق تيار الثورة المتصارعة حتى وصل التياران، ودون اتفاق بينهما، إلى إزاحة يناير، والحكم بالإعدام عليها، وإحلال يونيو مكانها.

استفادت ثورة تونس من الأحداث الدرامية بمصر خلال العام 2013، ونجحت في تفادي مخاطر تغيير مماثل آنذاك، وكانت القوى السياسية؛ مدنية وإسلامية، ومؤسسات دولة، على قدر المسؤولية، ولكن اليوم في العام 2020، هناك من يحاولون العودة للماضي سبع سنوات، وإعادة كتابة المشهد الذي تم تجاوزه بذكاء لتبديد المنجز الثوري والديمقراطي والوطني، ولا يشفع للمحتجين، ولو كانوا أفراداً قلائل، أن نواياهم ربما تكون حسنة، هدفها إصلاح سلبيات النظام السياسي الحالي بعد دخوله مرحلة الاختبار لسنوات. 

جبهة الإنقاذ:

الأقلية التونسية التي تخطط للإطاحة بالنظام السياسي شكلت ما تسميه (جبهة الإنقاذ)، وهو نفس المسمى وبنفس الخطوات والأهداف التي جرت في مصر، وكان في مصر من يسخرون من (جبهة الإنقاذ)، ومن خليط مكوناتها المتنافر، وغير القابل للتفاهم أو التعايش، والضعف العام للتيارات المدنية في الشارع الذي يهيمن الإسلاميون عليه، لكن كل هذا تم التغلب عليه وحصل التماسك لفسيفساء جبهة الإنقاذ المصرية لهدف مصلحي أساسي، وهو أنهم قادمون للحكم بعد إزاحة الإخوان، ثم رضوا مرغمين من الغنيمة بالإياب.

ربما النائبة التونسية، عبير موسى، رئيس الحزب الدستوري الحر، صاحبة الصوت الهجومي ضد جماعة النهضة، وزعيمها راشد الغنوشي، وضد النظام السياسي الدستوري، تطمح أن تكون برادعي جديد، أو بوعزيزي آخر، لكن دون إشعال النار في نفسها، إنما قد تشعلها في البلد كله دون أن تكون منتبهة لذلك.

 البرادعي المصري لم يمكث في الحكم غير أسابيع قلائل، وهو يعيش في المنفى منذ سنوات، وانحصر نشاطه في التغريد على تويتر أحياناً، وقد تجاوزته الأحداث، واحترق سياسياً وشعبياً.

عبير موسى في وضع أفضل منه، فهى رئيسة حزب ونائبة، ومتحدثة جيدة، ويمكن لها من خلال عمل سياسي إيجابي، وليس صفرياً، أن تكرس زعامة، وتضاعف أعداد مقاعد حزبها، وتصبح مؤثرة في قرارات البرلمان، وتشكيل الحكومة، وتوجيه السياسة، أما غير ذلك، فهى ومن معها، إما يساهمون دون علم، أو برغبة منهم، في إرباك تونس، وتعريض ديمقراطيتها واستقرارها وكل ما تم بناؤه لخطر فعلي، وحديث الرئيس التونسي قيس سعيد يجب استقباله باهتمام كبير عندما يؤكد بوضوح أن هناك مؤشرات حول تدخّلات خارجية تحاول إعادة تونس إلى الوراء، وهناك من أراد أن يتواطأ ‏معها من الداخل.

ومن يمشون على هذا الطريق مواطنون من الشعب الذي نصفه بأنه مثقف ومُسيّس وواعٍ ويستلهم انفتاحه من أوربا بديمقراطيتها وقيمها في الحوار والتسامح، ويتفوق في النضج السياسي على شعوب عربية نجحت ثوراتها، ثم تسببت نفس الشعوب في انتكاسات هذه الثورات، أو عسكرتها وتحويلها لاحتراب أهلي.

يخربون بيوتهم:

التوانسة الذين عاشوا تسع سنوات من الديمقراطية والاختيار الحر والتداول السلمي للسلطة يخرج من بينهم من يخربون بيوتهم بأياديهم، وكأنهم لا يريدون أن يكونوا أفضل من جميع العرب، بل إثبات أنهم عرب مثل بقية العرب الذين يخضعون لحكم الفرد.

نجاح الثورة التونسية، والحفاظ على أهدافها حتى اليوم، الميزة الوحيدة لهذا البلد، بدون ذلك ستكون مثل أي بلد عربي، لن تجد عنواناً إيجابياً مميزاً لها.

لكن هل يمكن لوم الطرف الخارجي المتدخل في كل بلدان الربيع ؟.

 لا ألومه كثيراً، فهو لا يرسل مواطنيه ليتظاهروا ويرفعوا مطالب، ولا يحشد قواته لتدفع باتجاه التغيير وإزاحة كل مسؤول غير مرغوب فيه بالقوة الخشنة، ولم يطلق الرصاصة الأولى في ليبيا واليمن وسوريا، إنما الأدوات محلية ووطنية كاملة، لا أجنبي واحد فيها.

 والشعب الذي يرفض السقوط في بئر الارتهان للخارج، ويتشدد في الحفاظ على سيادته وصلابة وحدته الوطنية ويصد أي تدخلات خارجية في شؤونه يستحيل تعريضه للاهتزاز وشق صفوفه وتحطيم تجربته حتى لو تحالف العالم كله ضده، وقدم له مغريات هائلة.

نعم، الخارج المتآمر يوفر وسائل المساعدة السخية، لكنها لا تنفع إذا لم تجد من ينحني ويأخذها، أو من يكون مثل العبد الذي يركع أمام سيده الأجنبي، أعزه الله بامتلاك إرادته وحريته واختيار من يشاء ليحكمه، لكنه يريد إذلال نفسه، والخضوع للسيد الغريب الكاره لحريته والحاقد على ديمقراطيته ويريد سلبه هذه القيم وإعادته إلى حظيرة الاستبداد حتى لا تكون هناك دولة في الجغرافيا العربية لها علو شأن.

الديمقراطية لا أرض خصبة لها في بلاد العرب، ولا جمهور حقيقي واسع مؤمن بها من النخب والمواطنين، وهى ليست الجانب الإجرائي من صناديق وتصويت، الثقافة الديمقراطية والإيمان بقيمها ومبادئها وقواعدها ونتائجها هى الأهم من الجانب الإجرائي الشكلي فيها.

مصر شهدت استحقاقات انتخابية مثيرة للاعجاب، لكن في لحظة تبين أنها كانت ديمقراطية إجرائية خالية من ثقافة وجوهر التمسك بها، من صنعوا مشاهد الثورة ثم الانتخابات التي أذهلت العالم هم من انقلبوا سياسياً على إفرازاتها، بغض النظر عن طبيعة هذه الإفرازات.

هل طبقة الحكم في تونس لا تستحق النقد؟

 يصعب أن تكون على الطريق الصحيح تماماً، فالثقوب في ثوب الحكم تسمح للمتربصين في الخارج والداخل بالنفاذ منها، وإرباك الأوضاع، وقد يحدث ما لا يُحمد عقباه، كما جرى في مصر خلال العام الذي حكم فيه الإخوان، فالثغرات والثقوب الإخوانية سهلت للمتربصين بالثورة وفكرتها وأهدافها المرور عبرها والقضاء على الحلم في التغيير.

الإخوان كانوا مجرد هامش في كتاب يناير وحلم الدولة الجديدة، وهم ساهموا بنصيب وافر في قتل الحلم.

هذا يفرض على أركان الحكم في تونس، وعلى جميع القوى الفاعلة، العودة إلى روح التوافق الوطني الرائع خلال عام 2013 لإصلاح ما تعرض للإعوجاج، لتمرير عاصفة هادئة اليوم، قد تتحول إلى إعصار مدمر غداً.

تأتي النيران من مستصغر الشرر.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة