مقالات

كلمة السر “ليبيا”: جوهر الخلاف بين تركيا وفرنسا!

يمكننا فهم دوافع الطلب الذي تقدم به ماكرون للرئيس التونسي قيس سعيد، خلال أول زيارة رسمية له لباريس، لإقامة قاعدة عسكرية فرنسية على الأراضي التونسية

رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سقف انتقاداته الحادة الموجهة إلى تركيا، واتهاماته المستمرة لها بأنها تلعب لعبة خطيرة في ليبيا، لبسط نفوذها والسيطرة على ثروات الشعب الليبي، مؤكدا أنه لن يتهاون مع هذا الدور التركي، وسيقف له بالمرصاد.

اتهامات ماكرون التي اتخذت من التطورات على الساحة الليبية عنوانا لها، تأتي في الأساس على خلفية الصراع القائم منذ فترة بين تركيا وفرنسا في العديد من الملفات خاصة تلك المرتبطة بمناطق النفوذ الفرنسي القديم في الشرق الأوسط، إلى جانب عدد من القضايا السياسية الأخرى.

مجازر الأرمن واستفزاز الشعب التركي

فعلى صعيد العلاقات الثنائية، تشهد علاقات البلدين توترا منذ العام 2016 عقب تبني البرلمان الفرنسي لمشروع قانون يسمى ” مجازر إبادة الأرمن ” وهو القانون الذي يُحمل تركيا رسميا مسؤولية ما يسمي بإبادة الأرمن زمن الدولة العثمانية، ورغم النفي التركي لتلك الادعاءات، ووجود غالبية فرنسية ترى أن فتح هذا الملف من جانب الحكومة الفرنسية، والذي جاء لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، يعد عملا طائشا غير محسوب العواقب، سيؤثر سلبيا على العلاقات الثنائية بين فرنسا وتركيا، وعلى علاقتهما المرتبطة بملفات مشتركة كالملف السوري والليبي والإيراني، أو فيما يختص بقضايا إقليمية ودولية مثل قضية اللاجئين وتقاسم ثروات شرق المتوسط، إلا أن النهج الذي اتبعه الرئيس الفرنسي أثار غضب تركيا على كافة المستويات السياسية والحزبية والبرلمانية، وعلى مستوى الرأي العام التركي، الذي رأى في تصدره للمشهد واحتفاله شخصيا بإحياء تلك الذكرى استفزازا لتركيا الدولة والشعب.

أما على صعيد الملف السوري، ورغم إدراك فرنسا الأهمية التي ينضوي عليها وجود دور لتركيا سواء استراتيجيا أو جيو – سياسي فيها، وأن التعاون معها في هذا المجال من شأنه أن يؤمن لها مكانة لائقة، ويحفظ لها جزءا من كعكة التعمير المتنظرة في سوريا بعد بشار الأسد، إلا أن باريس ضربت عرض الحائط بما يمكن أن تحققه من مكاسب بتعاونها مع تركيا في الملف السوري، وسعت إلى إقامة علاقات مع التنظيمات المسلحة على الأرض في الشمال السوري، الساعية إلى تمزيق الوحدة الجغرافية للدولة السورية مثل وحدات حماية الشعب التي تعتبرها تركيا الذراع العسكري لحزب العمال الكردستاني، الذي يقود حربا انفصالية ضد الدولة التركية، بل واستقبل الرئيس ماكرون بنفسه عددا من قادة هذه التنظيمات في  قصر الاليزيه.

التشكيك في احترام تركيا لقرارات الاتحاد الأوربي

وبينما تنتهج فرنسا سياسة حازمة ضد ايران، الجارة المباشرة لتركيا، وتقود مع بريطانيا موقفا أوربيا رادعا لوضع حد للسياسة الإيرانية، بما في ذلك فرض عقوبات قاسية، مثل مقاطعة الصادرات النفطية الإيرانية، ووقف التعامل مع المصرف المركزي الإيراني، بهدف شل قدرة النظام الإيراني على الصمود، فإن رفض أنقرة الالتزام بتلك العقوبات واصرارها على المضي قدما في تعاونها الاقتصادي والسياسي مع طهران، بل والسعي إلى تطوير المنافذ البرية التي تؤمن الرواج التجاري بين البدين، زاد من حدة الازمة الدبلوماسية مع باريس على وجه الخصوص، والتي سعت بدورها إلى التشكيك في احترام وولاء تركيا للاتحاد الأوربي الذي ترغب في الانضمام إليه.

وتأكيدا لوقوفها ضد تركيا، أعلنت فرنسا دعمها المطلق لكل من اليونان وجنوب قبرص في سيادتهما على حدودهما البحرية، منددة باتفاق ترسيم الحدود البحرية بين انقرة وطرابلس، بل وشككت في قانونيته، رغم اعتراف الأمم المتحدة به وبحكومة الوفاق الموقعة عليه.

تفنيد أنقرة لجميع الاتهامات الفرنسية، وإعلانها أن الأخيرة تدعم الإرهابيين أينما وجدوا، وأنها تقف في الجبهة المضادة لدول الربيع العربي، مستشهدة في ذلك بتعاونها مع النظام المصري، وتحالفها مع التنظيمات الانفصالية في سوريا، وكذلك بدعمها للمتمرد خليفة حفتر، دفع ماكرون إلى زيادة حدة التصعيد، حيث قرر فتح النار عليها في ثلاثة محاور رئيسية، علها تحقق له ما لم يستطع تحقيقه من الهجوم المكثف عليها، إذ سعى لتأليب الاتحاد الأوربي على تركيا، عبر تصريحاته باتخاذ دول الاتحاد سياسة ” ضعيفة وملتبسة” تجاه التحركات التركية في البحر المتوسط، واتهامه لتركيا باستخدام ملف اللاجئين لابتزاز الدول الأوربية، وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من ورائه، محذرا من أن سياسة تركيا في ليبيا تُعد تهديدا مباشرا لمصالح الاتحاد الاوربي فيما يخص ملفي الهجرة ومحاربة الإرهاب.

أما الجبهة الثانية فتتمثل في حلف الأطلسي، الذي قرر فتح تحقيقا تحت الضغط الفرنسي في ادعائه بواقعة اعتداء سفينة شحن تركية على فرقاطة فرنسية خلال محاولة تفتيشها بعد الاشتباه في نقلها أسلحة إلى ليبيا. ورغم النفي التركي، ومحاولات الأمين العام لحلف الأطلسي لرأب الصدع، على اعتبار انه خلاف بين حليفين، خصوصا وأن تركيا أكدت في ردها أن الرواية الفرنسية تفتقر إلى شرح حقيقة ما جرى، إلا أن تأييد ثماني دول أوربية لطلب باريس، تقرر فتح تحقيق حول الواقعة لتوضيح ملابسات ما حدث.

بينما الجبهة الثالثة فهي الأمم المتحدة حيث عمد ماكرون إلى توجيه اتهامات لتركيا في مجلس الامن قبيل الاجتماع لمناقشة الوضع في ليبيا، مشيرا إلى انه يملك ادلة ووثائق تدين تركيا وممارساتها في ليبيا.

البحث عن قاعدة عسكرية 

الغضب الفرنسي الممزوج بكراهية واضحة لتركيا يعني أن باريس أصبحت تدرك أن السياسة الخارجية التركية الرامية لتوسيع نطاق علاقات انقرة  بالكثير من الدول الافريقية والاسيوية، تهدد بشكل مباشرة وصريح مصالحها، وتقف حجر عثرة أمام رغبتها في القيام بدور دبلوماسي وسياسي هام في تلك المناطق، يعيد إليها نفوذها القديم ويمنحها الفرصة للاستفادة المباشرة من ثرواتها، وهو الأمر الذي يقف وراء تلك الحملات الشرسة التي تقودها حاليا على عدة جبهات متباينة بهدف عرقلة تركيا وتحجيم دورها.

ومن هذا المنطلق يمكننا فهم دوافع الطلب الذي تقدم به ماكرون إلى الرئيس التونسي قيس سعيد، خلال أول زيارة رسمية له لباريس، لإقامة قاعدة عسكرية فرنسية على الأراضي التونسية، وبالتحديد على الحدود المشتركة مع ليبيا، في مقابل التعهد بضمان استمرار الدعم الفرنسي الاقتصادي والسياسي للحكومة التونسية.

المقايضة الفرنسية لتونس هدفت إلى تحقيق أمرين:

1 – إيجاد موطئ قدم لها في المغرب العربي، يمنحها القدرة العسكرية اللازمة – إذا ما اقتضت الظروف – لوقف التمدد التركي الذي أصبح يهدد نفوذها القديم في تلك المنطقة.

2 – الاقتراب قدر المستطاع من الداخل الليبي وتحديدا من أماكن سيطرة حكومة الوفاق الوطني، لمراقبة التطورات على الأرض بدقة، ومحاولة رصد أي تحرك عسكري تركي يخالف مقررات مؤتمر برلين، لاستخدامها ضد تركيا في المحافل الدولية دليلا على ادعاءات ماكرون.

سعي ماكرون اقامة قاعدة عسكرية فرنسية على الحدو التونسية – الليبية، في مواجهة خطط تركيا الرامية لاستخدام قاعدتي ” الوطية ” و ” مصراته ” داخل ليبيا، اعتبره المراقبون مؤشرا قويا على أن فرنسا قررت الانتقال من مرحلة التلميح وتوجيه الانتقادات إلى بدء معركة مفتوحة ضد تركيا.

موقف فرنسا على الارض

إلا أن هؤلاء يتجاهلون عدة حقائق هامة حول ذلك الأمر، تتلخص فيما يلي:

1 – الموقف الضعيف لفرنسا على الأرض سواء في ليبيا حيث دعمت المتمرد خليفة حفتر الذي لم يعد له وجود في العملية السياسية داخل ليبيا، كما راهنت على التنظيمات و المجموعات المسلحة في الشمال السوري، وهؤلاء أخرجتهم تركيا من هناك خلال عملياتها العسكرية، التي كان اخرها عملية “نبع السلام”.

2 – تفتقر فرنسا إلى الآليات الحقيقية التي تُمكنُها من تخطي مرحلة التصريحات والاتهامات والتحول إلى مرحلة اللاعب الفاعل الذي بمقدوره إحداث تغييرات في مسار الأمور، خصوصا مع الوجود الروسي القوي، والدعم الأوربي للسياسة التركية في ملفي سوريا وليبيا سواء من جانب ألمانيا أو إيطاليا.

3 – قدرة الدبلوماسية التركية على الوقوف في وجه كافة تلك الادعاءات، وفي تفنيد جميع الاتهامات، وكشف الحقائق التي تقف وراء الموقف الفرنسي المعارض للسياسة الخارجية التركية.

 

 

 

 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة