مقالات

خطر الضم .. وفتور الرد الفلسطيني

المسن الفلسطيني وهو يحمل علم فلسطين أمام قوات الاحتلال
المسن الفلسطيني وهو يحمل علم فلسطين أمام قوات الاحتلال

على الرَّغم من خطورة المرحلة التي يمرُّ بها الفلسطينيون والقضية الفلسطينية، وفلسطين، أو ما تبقّى منها، على أعتاب ابتلاع احتلاليٍّ حاسم، يتمثَّل في ضمِّ الأغوار، وشماليّ البحر الميت

 ليصل القضم إلى ما يزيد عن 30% من مساحة الضفة الغربية، وفرض سيادة الاحتلال على المستوطنات فيها، والإطباق على القدس، وتهويدها، بما يعنيه ذلك من حسم أُحاديِّ الجانب، لما سُمّي بقضايا الحلِّ النهائي، بما فيها، قضية القدس والمستوطنات واللاجئين، والحدود، والموارد، وبما يعنيه ذلك من استلابِ الوجود الفلسطيني، وحرمان الفلسطينيين من حقِّهم في تقرير مصيرهم، وما ينتجه ذلك من آثار مباشرة وخطيرة على إمكانيات الصمود، لفلسطينيي اليوم، ولأجيالهم المقبلة.

على الرَّغم من مصيرية هذه المرحلة، إلا أننا لا نلحظ، ردة فعل فلسطينية تتناسب مع هذه المخططات الاحتلالية المعلنة، ولا سيما في أوساط الشعب نفسه، ردّة فعل، تعوّض، أو يُفترَض أن تعوِّض ما تسبِّبه القيود المثقِلة التي أضحت السلطة الفلسطينية مرتهَنة لها.
ولا يريد كاتب هذه السطور هنا، البحث في الأسباب الدولية والمناخ الإقليمي والعربي، وهي بلا ريب، تلقي بأثرها السلبي، بشكل مباشر، أو غير مباشر، على معطيات الحالة الفلسطينية، وعلى المزاج الشعبي العام. وإن لم تكن، بالطبع، بقوَّة العوامل الداخلية الذاتية، ذلك أن الهبّات والانتفاضات الفلسطينية كانت في كثير من الأحيان، ٍتدير الظهر لتلك العوامل الخارجية، بل كثيرًا ما كانت تعاكسها، وتفاجئها.
وفي مختصر التشخيص لهذه الحالة، يمكن القول إن السلطة الفلسطينية امتصَّت العمل السياسي النضالي، وكان ذلك لأسباب وظروف، ولم يقتصر الكبح السياسي والنضالي فيها على حركات وفصائل تعارض السلطة، أو تنافسها، من أمثال حركة حماس والجهاد الإسلامي، ومن فصائل منظمة التحرير الجبهة الشعبية، مثلا، بل امتدّ إلى حركات تناصر مشروعها، وأهمها وأقربها حركة فتح. وغيرها.
هذا مع العلم بأن حيوية أيّ شعب، أو أمة، تتمظهر في علامات، لعل من أهمِّها ذلك الانخراط والتفاعُل الحقيقي في حماية كيانه السياسي، وفي رعاية مشروعه الوطني، أو القومي، أما حالة العزل، أو شبهه، فهي فوق كونها علامة اعتلال، في العلاقة بين الشعب وقيادته، فإنها أيضًا وصفةٌ شبه مؤكَّدة للخسارات الكبرى؛ ذلك أن أيّ خطر عام، لا يمكن أن يواجَه، دون استنفار الطاقات الشعبية، والنخبوية.

السلطة الفلسطينية امتصَّت العمل السياسي النضالي، وكان ذلك لأسباب وظروف، ولم يقتصر الكبح السياسي والنضالي على حركات وفصائل تعارض السلطة، أو تنافسها، من أمثال حركة حماس والجهاد الإسلامي، ومن فصائل منظمة التحرير والجبهة الشعبية، مثلا، بل امتدّ إلى حركات تناصر مشروعها، وأهمها وأقربها حركة فتح. وغيرها.

بالطبع كانت هناك معيقات حالت دون هذه الحالة المأمولة؛ من الالتحام بين الشعب والسلطة، أو بين فصائل من الشعب، لها تمثيلها الذي لا يمكن تجاهله، من السلطة، أو من غيرها، ومنها التنافُس السياسي الذي احتدم، ودخل حالة مرَضية، بعد الانقسام بين قطاع غزة  الذي تديره حركة حماس، والضفة الغربية، والوجود الفلسطيني فيها يتمثَّل في السلطة الفلسطينية.
كما أن اتفاقات أوسلو، والاشتراطات الأمريكية والإسرائيلية الاحتلالية كان له دور كبير في كبح الفلسطينيين عن المشاركة الفاعلة في العمل النضالي والسياسي، صحيح أن تلك الاتفاقات لا توجب منع أيّ نشاط سياسي نضالي، وإنما تشترط منع الأعمال النضالية العسكرية، أو شبه العسكرية.

الاحتلال الإسرائيلي يواصل هدم منازل الفلسطينيين

لكن الطاقة الشعبية والتي تستمدُّ منها الفصائل زخمها وحيويتها، لا تتوافق طبيعتها مع خطوط مرسومة، ومن شأن تحديد دوائر محدَّدة للنضال أن يؤثر سلبًا على تلك الاندفاعة الذاتية العفوية، في كثير من الحالات، وليس هنا مجال للبحث في صوابية ما أقدمت عليه منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، فيما بعد من التزامات بخصوص أشكال النضال، بقدر ما أننا نحاول تفسير أسباب الفتور الذي يعتري الحالة الشعبية.
وأَمارةُ ذلك أنّنا لا نلحظ، حتى في الدائرة المسموح بها، وهي الاحتجاجات السلمية، نشاطًا لافتًا، من شأنه أن يربك المخطَّطات الاحتلالية، بقدر ما هي صوت للإعلام، عن وجود رفض فلسطيني شعبي لتلك المخطَّطات العدوانية.  
وكان من الأسباب الكابحة للطاقة الشعبية هذا التحوُّل في نمط الحياة الاقتصادية.

وهو النمط الاستهلاكي المتسارع، مع محدودية الموارد الذاتية، وطنيًّا، وفرديًّا، ومضى هذا المسار الفردي، حثيثًا، بوعي أو بغير وعي، وكأنه تعويض عن ضعف العمل الوطني، وضعف الكيانية الفلسطينية، هذا الضعف في الكيانية الفلسطينية أصيب إصابة غير هيّنة بأداء السلطة الفلسطينية التي لم تثبت للمواطن الفلسطيني العادي، 

أتها تضع بالفعل احتياجاته وهمومه ومخاوفه في الموضع الذي تستحق، فلوحظت حالات فساد متعيّنة، وبقيت المحسوبيات، و(الوسائط)، ونال كثيرون امتيازات واحتكارات أثّرت على الروح الوطنية والمعنوية، سلبًا.   

النمط الاستهلاكي المتسارع، مع محدودية الموارد الذاتية، وطنيًّا، وفرديًّا، ومضى هذا المسار الفردي، حثيثًا، بوعي أو بغير وعي، وكأنه تعويض عن ضعف العمل الوطني، وضعف الكيانية الفلسطينية، هذا الضعف في الكيانية الفلسطينية

 وفي المحصِّلة يمكن إجمال أسباب هذه الحالة غير الطبيعية، والتي قد تثبت الأيام القريبة أنها عابرة؛ في أسباب عائدة إلى قيادة السلطة؛ تمثّلت في تعويلها الكبير، حتى لا نقول التام، على خيار التفاوُض، وعلى الوعود الدولية والضمانات الأمريكية التي أثبتت الوقائع والأيام أنها استدراجية وخادعة.

وفي خضمّ هذا التعويل أظهرت السلطة الفلسطينية حالة ضبط صارمة؛ وفي هاجسها إثباتُ جدارتها بالاستحقاقات المؤجَّلة، إلى ما بعد المرحلة الانتقالية، ولذلك لم تكتفِ بمنع الفصائل المنافِسة، بل حجّمت نشاطات حركة فتح، والتي لها تأثير كبير، ولعله الأكبر تثوير الجماهير الفلسطينية، والشبابية، والطلابية.

حين صارت فتح أقرب إلى التماهي مع السلطة. وقطعت السلطة شوطًا، لا بأس به في تشذيب الحالة النضالية، وتجفيف مغذّياتها الثورية، تحت بند منع التحريض.
وكان بالطبع لشخصية الرئيس محمود عباس انعكاس كبير على مجمل الحالة الفلسطينية، شعبًا، وفصائل، وهي الشخصية التي لا تؤمن بالعنف، والتي لا تحبِّذ الشعارات التثويرية، مستندة إلى رؤية، في مدى جدواها، وفي نتائجها على الأرواح والمقدَّرات.

وهي بذلك جاءت بمثابة نقلة مغايرة تمامًا، في أسلوب المواجهة، مع ياسر عرفات نهجًا، وخطابًا، إذ لم يكن مكتفيًا بالسِّلْمية المحضة، (وإن لم يصل إلى التنصل من اتفاق أوسلو) وكان بذلك أقدر على استبقاء الروح الوطنية، تأجيجها وقت الحاجة، ولم يكن التكيُّف الشعبي والفصائلي أن يثمر، بعد تلك النقلة، على نحو مضمون.  

وعلى الرَّغم من كلِّ هذا الكلام النظري، فإن قيادة الاحتلال لا يمكنها، (وهي توشك، على تنفيذ مخطَّطاتها بالضمّ وفرض السيادة)، أن لا تتحسِّب، وتحذر، وأن تضع السيناريوهات المحتملة لردّة فعل شعبية غير معروفة الحدود، في مداها المكاني والزماني، فكثيرًا ما تسبق الشعوب، (ومنها الفلسطيني) قياداتها، حتى أحزابها ونخبها، مع أنها حينئذ تكون بلسان الحال، إن لم تكن بلسان المقال، ترفع علامات استفهام ثقيلة عن أسباب ذلك القصور والتلكُّؤ.  

واستدراكًا، فإنّ الوضع الفلسطيني محتاجٌ، بشكل ملحّ، إلى إعادة صياغة شاملة في منطلقاته، وآليّات العمل، في ضوء هذه المتغيِّرات؛ من الراعي الأمريكي نفسه، حيث التنصُّل الصريح من أيّ مرجعيَّات متفق عليها، دوليًّا، ومن الأطراف المتفاوضة، وفي ظلِّ هذا الانحياز غير المسبوق، ليس لإسرائيل فقط، بل لجناح متهوّر ومتعجِّل فيها، وذلك بعد الجنوح الواضح نحو اليمينية الدينية، والاستيطان المدفوع بروح توراتية منغلقة.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة