مصر: خطأ السير في طريق الديون!

ومن أهم أسباب انطلاق الاقتصاد المصري، خروج الجيش من الحياة الاقتصادية المدنية، ومراجعة قرارات شراء السلاح، وكذلك مراجعة كافة العقود الخارجية لمصر، وبخاصة في قطاع الغاز والنفط.

 

من المؤشرات الاقتصادية، التي تحقق فيها حكومة السيسي، معدلات أكبر من المستهدف، مؤشر المديونية العامة، وهو أمر سلبي للأسف، وعادة ما يتم الهروب من مواجهة المجتمع بشأن الأسئلة الخاصة بتفاقم المديونية العامة، بذكر الحديث عن نمو الناتج المحلي أو معدل النمو.

في حين أن الناتج المحلي ليس ملكًا للحكومة وحدها، بل هو مشاركة مع القطاعين الخاص والعائلي، بينما المديونية العامة تخص الحكومة وحدها، والوحدات الأخرى التابعة لها. أو تلجأ الحكومة إلى الحديث عن نسبة الدين العام للناتج المحلي، وهو مؤشر تنتابه العديد من السلبيات في الحالة المصرية، حيث يعتمد الناتج المحلي على الاستهلاك كمكون رئيسي، كما يقوم الناتج المحلي في مكونه الخارجي على المصادر الريعية بشكل كبير.

وتستحوذ خدمة الدين على غالبية الإيرادات العامة للدولة، فأرقام البيان التمهيدي لموازنة 2020/2021، تبين أن إجمالي الإيرادات العامة نحو 1.28 تريليون جنيه، بينما أقساط الدين العام كما توقع البيان بحدود 555 مليار جنيه، وفوائد الدين العام 566 مليار جنيه، أي أن خدمة الدين العام تمثل 1.12 تريليون جنيه، بما يعادل نسبة 87% من إجمالي الإيرادات العامة.

مزيد من الديون

في الوقت الذي أعلن فيه البنك الدولي بلوغ الدين العام الخارجي المصري 112 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2019، وافق صندوق النقد الدولي على منح مصر قرضين بمبلغ يتوقع أن يصل إلى 8.4 مليار دولار، لمواجهة التداعيات السلبية لأزمة كورونا على ميزان المدفوعات، وكذلك دعم السياسات الاقتصادية الكلية.

وتعد ديون مصر، هي البداية والنهاية كآلية تمويل لدى الحكومة، مما أدى إلى تداعيات سلبية، تظهر بشكل رئيسي في سيطرة أعباء الديون من أقساط وفوائد على النسبة الأكبر من الإيرادات والنفقات العامة بموازنة الدولة، مما شل يد صانع السياسة الاقتصادية في توجيه الإنفاق العام إلى المتطلبات الحقيقية للمجتمع.

والديون في مصر بعد انقلاب 3 يوليو 2013، مستمرة ولا تعرف التراجع، على الصعيدين المحلي والخارجي، وحتى بعد الدخول فيما سُمى برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد، اتجهت مصر لمزيد من المديونية، بل كان اتفاق الصندوق وبالًا على مصر، حيث إنه كان بمثابة الرخصة التي انطلقت بها حكومة السيسي لتحصل على المزيد من الديون الخارجية.

ففي يونيو حزيران 2014، وحسب بيانات وزارة المالية المصرية، كان الدين العام المحلي 1.6 تريليون جنيه، بينما تستهدف الحكومة في موازنة 2020/2021، أن يصل هذا الدين إلى 4.8 تريليون جنيه، وبلا شك أن هذه الأرقام قابلة للتعديل بالزيادة، نظرًا لتوسع الحكومة خيرا  في إصدار شهادات الاستثمار عبر البنوك الحكومية، للحصول على القروض بسعر فائدة وصل إلى 15%.

أما الدين العام الخارجي، فكان في يونيو حزيران  2014، في حدود 46 مليار دولار، ووصل في ديسمبر  كانون أول 2019 إلى 112 مليار، وبعد الدخول في برنامج جديد للمديونية مع صندوق النقد الدولي، سوف يتجاوز هذا الدين سقف الـ 120 مليار دولار.

أما فوائد الديون فقد شهدت قفزة كبيرة، ففي يونيو حزيران 2014 كانت بحدود 173 مليار جنيه، ووصلت في موازنة 2019/2020 إلى 569 مليار، وكان البيان التمهيدي لموازنة 2020/2021، قد تضمن تخفيض الفوائد إلى 566 مليار جنيه، أي تخفيض نحو 3 مليارات جنيه، وهو بلا شك أمر غير قابل للتحقيق، في ظل التوسع في الديون، وتجاوز الحكومة سقف الفائدة المحدد من قبل البنك المركزي في بعض عمليات الاقتراض التي تمت في السوق المحلي، عبر شهادات الـ 15%.

ديون لا تمول الاستثمارات

من الدلالات البارزة على خطى مصر في المسار الخطأ فيما يتعلق بالمديونية العامة، أن الدين يوجه بشكل كبير إلى تمويل عجز الموازنة، وسداد فوائد الديون، بينما قواعد الاقتصاد تسمح بالتوجه للديون في شأن الدولة، إذا ما كانت هذه الديون ستمول استثمارات إنتاجية أو خدمية، تكون قادرة على سداد التزاماتها.

والغريب أنه بعد أن تخففت حكومة السيسي كثيرا من بنود الدعم، وتقديم كافة السلع والخدمات العامة للجمهور بسعر السوق، بل في بعض الأحيان تفوق سعر السوق (كما هو حاصل الآن في شأن سعر الوقود)، فلازال العجز في الموازنة في تصاعد مستمر، والديون لا تعرف التوقف!

حتى إن مشروعات البنية الأساسية التي اتجهت لها حكومة السيسي منذ فترة، مثل الطرق والكباري أو الأنفاق، هي مشروعات تحت بند ما يعرف باسترداد التكاليف، أي أنها من المفترض أن تقوم بسداد تكاليفها بالكامل من خلال الرسوم التي تحصل من قبل المواطن.

شماعة كورونا

تأثرت معظم اقتصادات العالم بالتداعيات السلبية لأزمة كورونا، وبلا شك فإن أثر أزمة كورونا على الاقتصاد المصري كبير، نظرًا لاعتماد الاقتصاد المصري على موارده من النقد الأجنبي على المصادر الريعية الخارجية، فتضررت قطاعات السياحة وقناة السويس والنفط والصادرات السلعية وتحويلات العاملين بالخارج بشكل كبير، كما تضررت الأنشطة الاقتصادية المحلية في مختلف القطاعات.

ولكن كشفت الأزمة عن هشاشة هيكل الاقتصاد المصري بشكل كبير، حيث تراجع احتياطي النقد الأجنبي بنهاية فبراير شباط 2020 بنحو 5 مليارات دولار، وبما يعادل نسبة 11%، ويتوقع أن يشهد المزيد من التراجع بنهاية مارس آذار  وأبريل نيسان 2020، وإن كانت وسائل الإعلام قد نشرت أن مصر ستحصل على 2.8 مليار دولار قرضا أولىا من صندوق النقد الدولي.

كما أن الحكومة المصرية، كانت ستتجه لاستكمال طريقها في المديونية العامة، بدون أزمة كورونا، لأن الفجوة التمويلية التي تفرضها الموازنة المصرية، تجعل الحكومة مضطرة كل عام إلى اقتراض نحو 30 مليار دولار، ولكن كورونا، مجرد أنها ستعمل على زيادة القروض بنسبة ما ولتكن 20% تقريبًا.

المخرج من الأزمة

الاتجاه الصحيح يبدأ، بأن تتبني الحكومة آلية جديدة غير الديون لتمويل احتياجاتها التمويلية، فيكون هناك التمويل بالمشاركة، للبعد عن أعباء خدمة الدين من فوائد وأقساط، وقد يكون ذلك صعب تنفيذه دفعة واحدة، ولكن يمكن الانتقال إليه تدريجيًا، بحيث خلال 5 سنوات تكون هناك نقلة نوعية في التمويل بالمشاركة.

الأمر الثاني، لابد من وقف دوامة الفساد في القطاع الضريبي بشكل خاص، وفي الجهاز الإداري الحكومي بشكل عام، ووجود ترشيد حقيقي للإنفاق العام، كما يلزم أن توقف الحكومة كافة مشروعات البنية الأساسية التي لا تحتاجها مصر خلال السنوات العشر المقبلة، وأن يقتصر تنفيذ مشروعات البنية الأساسية على العاجل منها، والأجل المتوسط لمتطلبات التنمية.

من الضروري أن يقتصر الدين العام على متطلبات الاستثمار، وعدم اللجوء إلى الدين من أجل الإنفاق الجاري، أو سد عجز الموازنة ما أمكن ذلك. كما يفرض الأمر توحيد الموارد العامة، ولا داعي لأن تكون الصناديق الخاصة التي لا يعرف لها عدد، بعيدًا عن الرقابة والموازنة العامة للدولة.

وتجدر الإشارة إلى أهمية أن تتم السيطرة الرقابية والمالية على صندوق تحيا مصر، وكذلك صندوق مصر السيادي، ليكونا ضمن خطة الدولة للتخلص من أعباء المديونية العامة، حتى تصل مصر إلى معدلات مقبولة أقل من نسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن أهم أسباب انطلاق الاقتصاد المصري، خروج الجيش من الحياة الاقتصادية المدنية، ومرجعة قرارات شراء السلاح، وكذلك مراجعة كافة العقود الخارجية لمصر، وبخاصة في قطاع الغاز والنفط.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة