لماذا تفشى الوباء يا سيادة الوزيرة؟

وبينما الوباء يتفشى لم أعد أستغرب في الصباح وسمعت أنه تم إلغاء الحظر الشكلي المفروض حاليا بدلا من جعله حظرا كاملا للتجوال لمجابهة تفشي الوباء.

 

لم أستغرب أبدا – على العكس من كثيرين – من تصريح وزيرة الصحة المصرية حينما أحالت ارتفاع نسب تفشى الاصابات بوباء كورونا في مصر إلى تراجع وعي الشعب وعدم التزامه بتنفيذ إجراءات الوقاية المتبعة.

فوزيرة الصحة هي في الحقيقة تتبع نظام حكم دأب منذ أن  تولى الحكم قبل سبع سنوات على الفشل، ثم الهروب بسهولة من عواقب النتيجة بتحميل الشعب المسؤولية باعتباره “الحيطة الواطية”.

تختلج في صدور المصريين ردود كثيرة جدا على هذا الادعاء الباطل، لكن “الأسلم لنا” القول بأن تعامل السلطة المصرية مع الوباء كان يشوبه إهمال معتاد في دولة عتيدة البيروقراطية، وأن قلة الخبرة في مثل هذه الجائحة غير المسبوقة هي من أربكت التعامل معها فجاءت كما لو كانت مؤامرة.

دعنا نكن ممن يحسنون الظن ونرفض القول بأن هناك أيادي آثمة تعمدت التلكؤ والتباطؤ في مكافحة تفشي الفيروس في البلاد، بل وإنها تعمدت عبر لجانها الإلكترونية وأبواقها الإعلامية التقليل من خطره الجسيم على أجساد الشعب المصري.

ودعنا أيضا نعتبر أن الاعلام المصري المعروف للقاصي والداني بأنه لا ينطق إلا بأمر من يأمره في كل صغيرة وكبيرة، كان هذه المرة ينطق عن الهوى الشخصي فهون من الوباء بدعاياته الساذجة كقوله إن معدة المصري الذي يفطر على “الفول والطعمية” ويتناول الغداء “ملوحة” و”فسيخ”و”شلولو” تهضم الزلط، وصولا لترويج إعلامك لمن يطالبون بعلاج الوباء بعصير البرسيم.

وعلى منوال هذه المبادرات الشخصية – وهي غير معهودة في مصر منذ 2013 – أطلق فنانون وصحفيون وسياسيون مقربون من السلطة حملات دعائية تهون من خطر الفيروس وتساوي بين “كورونا” و”المكرونة”، وترفض أي إجراءات حمائية بخصوصها.

تربح سياسي

تعالي يا سيادة الوزيرة نتكلم من البداية، فقد كان أول ظهور معروف لفيروس كورونا في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2019 في مدينة ووهان الصينية، وما هى إلا أسابيع حتى ضرب دولا عدة في العالم من بينها دول عربية كثيرة يوجد فيها ملايين العمال المصريين.

وبالتالي فإن انتقال الوباء لمصر كان أمرا متوقعا بل وبديهيا مع فتح مطارات وموانئ البلاد على مصاريعها لكل القادمين من دول العالم بما فيها تلك الدول التي تفشي فيها الوباء.

وبكل تباه استقبلت مصر مئات السائحين من الصين وإيطاليا – في عز تفشي الوباء في بلادهما – بل وتم زيادة حجم الواردات من الصين رغم إعلان الصحة العالمية أن الفيروس ينتقل أيضا عبر الأسطح المختلفة ومن ضمنها لا شك أسطح تلك “المنتجات”.

لعلك يا سيادة الوزيرة أكثر مني دراية بأن النظام حاول التربح اقتصاديا وسياسيا من تفشي الفيروس عبر إرساله مساعدات طبية لدول ذات نفوذ واقتصادات عملاقة، لا يذكر اقتصادنا بجوارها، رغم أن الداخل المصري وبالأخص المستشفيات في أمس الحاجة لها، وشاهدنا نزيف الطواقم الطبية النادرة والمدربة جراء عدم وجود كمامة أو مطهر.

ونحن هنا لا نلقي بالا لما يتردد من أن المساعدات المقدمة لإيطاليا كانت في الاصل عربونا لدور منتظر لها في دعم الجنرال حفتر أو كـ “دية” لردم قضية ريجيني، وإلا كانوا قدموها لمن هم في حاجة أكثر إلحاحا إليها من المصريين المصابين بالفيروس، وإن كان لابد من الخارج فالجار المحاصر في غزة أولى بالمعروف.

لابد أنك تعرفين يا سيادة الوزيرة أن المعتمرين العائدين من الأراضي المقدسة لم يوقع على أغلبهم الكشف الطبي، وتم الاكتفاء بتقديم النصح والارشاد لهم بالمكوث في البيوت، وبالطبع فإن التزامهم بمضمون النصح مشكوك في حدوثه.

إهمال أم مؤامرة

لكن هل يمكننا يا سيادة الوزيرة تصنيف إصراركم على عدم وجود مصابين بكورونا في مصر حتى 9 من مارس/آذار الماضي حين وفاة السائح الالماني على أنه مجرد “إهمال”، في حين تطاردون من ينشر خبرا عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي عن وجود إصابات بالوباء وتتهمونه بأنه يردد شائعات، بدلا من شكره لخوفه على صحة الناس؟

ثم تلا السائح الالماني ظهور وفيات من المصريين ما يؤكد أن الوباء كان داخل البلاد بينما كنتم تنكرون وجوده.

ألم يلفت انتباهك يا سيادة الوزيرة أن الصحف الصينية والأمريكية والكندية ومن دول أخرى نشرت تباعا – قبل الاعتراف الرسمي بأكثر من شهر – أخبارا عن اكتشاف عشرات الإصابات بكورونا من مسافرين قدموا لها من مصر، فلماذا كان الإنكار الرسمي المصري؟

إجراءات متأخرة

دعينا نتفق يا سيادة الوزيرة أنه في بعض الأحيان يتحول الإجراء الملح إلى إجراء عديم الفائدة ما لم يتخذ في الوقت المناسب، وهذا ما حدث.

فبعد ارتباك وقرارات متضاربة أوقفت الدراسة، ولكن بعد فوات الأوان والمرض ينتشر في ربوع الوطن، وحتى هذا الإيقاف كان للطلاب فقط، وكأن المدرسين والإداريين محصنون من الوباء.

ثم فُرض حظر للتجوال من المغرب للصباح تُرك خلاله كل شيء يعمل بطبيعته، الأفراح والمقاهي والنوادي، ثم بعد انتقادات للتهاون في الحظر فرضت غرامة على المخالفين، وكأن المرض ينام في باقي اليوم، وهو ما تسبب في زيادة التكدس في المترو والقطارات وغيرها وبالطبع صنع بيئة مناسبة لانتشار الفيروس.

أنتم المسؤولون يا سيادة الوزيرة عن تفشي الوباء، فالهدف من الحظر لم يؤدِ وظيفته، والتجمعات التي يمنعها بالليل موجودة بالنهار في مقار الحكومة وفي وسائل النقل كافة والمحاكم والشهر العقاري وغيرها.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة