مقالات

علمانيو تركيا: حرب على الوزير أم على الاسلام؟!

الموقف الشعبي دفع كثير من المحامين في كل من أنقرة وإزمير وإسطنبول وديار بكر لرفض ما جاء في تلك البيانات التي صدرت عن نقاباتهم، واصفين من قاموا بكتابتها بالعقليات العفنة

الحملة الشرسة التي يتعرض لها رئيس الشؤون الدينية التركية حاليا من جانب حزب الشعب الجمهوري اليساري المعارض، ماهي إلا حلقة جديدة من حلقات المواجهة المستمرة، والحملة بين أنصار علمنة الدولة ضد تعاليم الإسلام!

 المحامون رأس الحربة:

المعركة الجديدة التي يمثل رأس الحربة فيها هذه المرة نقابات المحامين في كل من أنقرة وإزمير وإسطنبول وديار بكر، بدعم كامل من وسائل الاعلام التابعة للحزب، جاءت في أعقاب خطبة ألقاها أخيرا  البروفيسور على أرباش رئيس الشؤون الدينية احتفاءً بشهر رمضان، حذر فيها الأتراك من ارتكاب المعاصي والذنوب؛ والوقوع في المحرمات، التي أصبحت عادة في حياة الكثيرين منهم، دون الانتباه إلى خطورتها على انفسهم والمجتمع، عدا عن مخالفتها الصريحة لنصوص القرآن الكريم، وأحكام الشريعة الإسلامية، كشرب الخمر والزنا واللواط والشذوذ الجنسي، موضحا أن الله سبحانه وتعالى لعن تلك الممارسات لما تجلبه من أمراض، وما تسببه من فرقة في المجتمع، وأن تلك الأفعال تُعد من أكبر أسباب وقوع البلاء وانتشار الامراض والفيروسات.

أثارت نقابةَ المحامين في أنقرة  كلماتُ الرجل الذي استشهد فيها بآيات من القرآن الكريم، وبدأت في شن حملة شرسة عليه، من خلال بيان مكتوب حوى الكثير من الالفاظ التي تقطر كرها واحتقارا للإسلام، ولكل ما يرتبط به من قيم وتعاليم، وما يحيط به من أنماط اجتماعية تخالف في مفهومها وممارساتها النهج الأوربي، الذي يعتنقه ويقدسه هؤلاء.

قال بيان النقابة ” إن ما تناوله وزير الشؤون الدينية من أفكار رجعية تدعو إلى تقييد الحرية الشخصية، وتكبيلها بخرافات تثير السخرية، يعد تحريضا على الكراهية، ودعوة كريهة للعودة إلى عصور الجهل والتخلف والظلام، وهي أفكار تتنافى مع الطبيعة الإنسانية، ولا تتوافق مع القيم الحضارية ولا الأسس المدنية الحديثة التي يعيشها العالم اليوم، ” وطالب الرجل بالاعتذار للشعب التركي، وبإقالته من منصبه، كونه يدعو إلى الحجر على الحرية الشخصية للأتراك، ويتدخل في خصوصيات حياتهم اليومية، مُنصبا نفسه رقيبا على تصرفاتهم.

لتزداد شراسة الهجمة بعد انضمام نقابات المحامين في كل من إزمير وإسطنبول وديار بكر لها، حيث أرتفع سقف المزايدات، وتبارى المهاجمون في توجيه النقد اللاذع لأحكام الشريعة الإسلامية، ليصل بهم الأمر إلى مطالبة الحكومة بإلغاء النصوص التي تتحدث عن تحريم الزنا واللواط من سور القرآن الكريم واستبدالها بنصوص أخرى أكثر تحضرا وتمدنا!!.

ويبدو أن فشل النخبة العلمانية في مسعاها الرامي إلى فك الارتباط الروحي القائم بين الإسلام والأتراك، ومحو كل ماله علاقة من قريب أو بعيد في أذهانهم عنه، رغم مرور مئة عام على قيام الجمهورية التركية، وإجبارهم على تبني النظام العلماني كمنهج حياة، جعلهم يفقدون قدرتهم في السيطرة على أنفسهم، ويكشفون بتصرفاتهم زيف ما يتشدقون به حول احترامهم لحرية المعتقد، وتبجيلهم للإسلام وطقوسه التي تُمارس في الحياة اليومية للأتراك، كلما تزايدت مظاهر عودة الهوية الإسلامية للدولة التركية

ليظهر على الملأ حزب الشعب الجمهوري المعروف بكراهيته لكل مظاهر التدين من سلوكيات أو لباس، وتجاهله للضوابط الأخلاقية والقيم الدينية في التعاملات الاجتماعية، ويبدأ في استثمار الأزمة، التي كان يحركها من خلف الستار، معتبرا ان الهجوم على رئيس الشؤون الدينية حق مشروع، كونه ليس وليا ولا نبياً، وأنه من جلب على نفسه ذلك، حينما قرر التدخل في حياة الآخرين ومحاكمتهم على أفعالهم. معلنا دعمه التام لما يتعرض له الرجل من هجوم، وتضامنه الكامل للمطالب الخاصة بإقالته أو استقالته من منصبه، باعتباره يُسوق لخطاب من العصور الغابرة، عفا عليه الزمن، وأصبح لا يعتد به مع التطور الذي تعيشه البشرية اليوم، في إشارة إلى الآيات القرآنية التي استشهد بها أرباش أثناء حديثه.

علي أرباش لست وحدك

الدعم المطلق الذي أبداه حزب الشعب الجمهوري للانتقادات التي سعت للنيل من مكانة من يعتبر رأس السلطة الدينية في تركيا، والاستهزاء بالآيات القرآنية التي استشهد بها في حديثه، استفز   الكثير من المواطنين وأثار غضبهم، فسارعوا بتدشين هاشتاغ تحت عنوان “علي أرباش لست وحدك”، معلنين رأي الشارع في ذلك الصراع، ودعمهم المطلق للرجل الرافض لممارسات الاجتماعية التي تخالف النصوص القرآنية وتستخف بالشريعة الإسلامية، ورفضهم الهجوم على الدين الإسلامي عبر توجيه سهام مسمومة للشخص الذي يعتلي رأس السلطة الدينية في البلاد.

دفع الموقف الشعبي كثيرا من المحامين في كل من أنقرة وإزمير وإسطنبول وديار بكر لرفض ما جاء في تلك البيانات التي صدرت عن نقاباتهم، واصفين من قاموا بكتابتها بالعقليات العفنة، متبرئين مما حملته من خطاب ينُم عن الحقد والكراهية، ويزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.

مواجهة بين أجنحة العلمانية وقيادات الدولة

ليتحول الأمر إلى مواجهة سياسية بين رموز حزب الشعب الجمهوري المعارض، وقيادات السلطة الحاكمة، بعد أن اعتبر الرئيس أردوغان الهجوم على رئيس الشؤون الدينية هجوم على الدولة التركية، واعلان كل من وزير الداخلية ورئيس دائرة الاتصالات والمتحدث باسم رئاسة الجمهورية دعمهم لأرباش، ومساندتهم له ضد أي محاولة تستهدف الإساءة إلى شخصه أو النيل من مكانته الدينية.

اتخاذ هذه المسألة ذلك المنحى أكد أن الأمر في حقيقته هو فصل جديد من فصول المواجهة بين التيارين الإسلامي والعلماني، وان الزج باسم علي أرباش هو مجرد غطاء ليس إلا، فالرجل لم يتخط حدود وظيفته، وأنه بحكم منصبه، وتقديرا للمسئولية الملقاة على عاتقه، أوضح فقط أحكام الشريعة الإسلامية فيما يخص بعض التصرفات الشخصية، والعلاقات الاجتماعية التي تربط بين أفراد المجتمع التركي الذي يدين 97% منه بالإسلام دون مدارة أو مواربة، مستندا في طرحه إلى صحيح الآيات والنصوص القرآنية التي توضح ذلك، مما يعني أن المستهدف الحقيقي من وراء ذلك الهجوم الخفي ليس شخص أرباش نفسه، وإنما المقصود هو الإسلام نفسه.

محاولات بائسة لنزع الهوية الإسلامية

 انها إذا محاولة بائسة جديدة من جانب هؤلاء الذين لم يقتنعوا حتى الآن أن الشعب التركي استعاد هويته المفقودة، وأنه أصبح أكثر وعيا وقدرة على التمييز، وأشد قوة وصلابة في مواجهة التحديات التي تواجهه في سبيل حماية مكتسباته.

 هؤلاء الذين لا يزالون يأملون في إمكانية نزع رداء الهوية الإسلامية عن جسد الامة التركية، وإلباسها رداء العلمانية رغما عنها، وتصفية حساباتهم مع الإسلام، وإشعال حرب سياسية عبر إثارة جدل ديني بين شرائح المجتمع، خصوصا في تلك المناطق والولايات التي كانت ولا تزال تتمسك بالإسلام كدين ومنهج وأسلوب حياة؛ التي يُنسب لها الفضل في الحفاظ على جوهر الشخصية التركية التي ولدت وترعرعت في كنف الإسلام وعلى صحيح مبادئه، رغم كافة محاولات التغريب التي تعرضت لها.

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة