كورونا و”الشدة السيساوية”

لا يُمارَى الآن في أن وباء كورونا بات خطرا يهدد الحياة العامة بالشلل، أكثر مما يهدد حياة البشر، ولابد أن يكون لأهل الاختصاص كلمتهم في كيفية التوازن بين المحافظة على حياة الأفراد ومكافحة انتشار المرض، وبين الحفاظ على دوران عجلة الحياة بأقل الخسائر.

وكما ينبغي وضع موضوع كورونا في مقدمة سلم الأولويات، لا يجوز إهمال باقي الملفات، التي قد يترتب على بعضها كوارث أعلى كلفة، وأعظم أثرا وخطرا من هذا الفيروس، وأوضح مثال على ذلك قضية سد النهضة الذي تقيمه إثيوبيا على نهر النيل، حيث تعامل السيسي ونظامه مع هذا الملف الخطير بسياسة التخدير، وصنع زعامة موهومة بالتصفيق والتصوير، وأخذ مشاهد تذكارية تجسد سياسة “اللقطة” التي أصبحت الهدف الأصيل، وما سواها جزئيات لا داعي للخوض فيها من باب أن الشيطان يكمن في التفاصيل!

إن المشهد العبثي الذي ظهر فيه السيسي وهو يطلب من رئيس وزراء إثيوبيا (المسيحي) أن يقسم له بالله العظيم ثلاثا، أنه لن يقوم بأي عمل من شأنه الإضرار بمصالح مصر، ورضى من الغنيمة بهذا الحلف، مع أن الإثيوبي حانث من قبل أن يقسم!

التهريج الرخيص

لا يوضع هذا الفعل في ميزان مصالح الدول وملفاتها الاستراتيجية إلا في كفة التهريج الرخيص، والعبث الذي مبعثه العته الواضح، والجهل الفاضح، وما زاد الطين بلة والمرارة علقما أنهم عندما أدركوا فداحة الأمر، وخطورة الوضع، بدلا من وضع خطة لتدراك ما فات، واتخاذ التدابير المساعدة على ذلك، هرول القوم إلى الأب ترمب يطلبون تدخله، وكعادة الأمريكان تمت الدعوة إلى مائدة مفاوضات، أعلنت إثيوبيا مؤخرا أنها لن تشارك فيها، وأعلن عباس المصري تمسكه بها إلى آخر رمق على عادة عباس الفلسطيني! 

إن توقيع السيسي على التنازل عن حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، والتي نصت عليها الاتفاقيات الدولية، لو فعلها حاكم في صورة التابعين، ومنتخب من الشعب، ومختار من أهل الحل والعقد، لوجب عزله ومحاكمته بتهمة الخيانة العظمى.

كورونا طوق النجاة:

لكن كورونا كان للسيسي طوق نجاة، فاستغله في التغطية والتعمية على ملف مياه النيل، مع أن الثابت تاريخيا أنه لا خطر ولا مرض، أضر على المصريين من الجفاف، وهو واقع لا محالة مع فترة التخزين التي سرعت إثيوبيا وتيرتها، مستغلة هي أيضا إنشغال الجميع بكورونا لصالح مصالحها العليا وأهدافها الكبرى.

حفلت مصادر التاريخ وكتب المؤرخين كابن تغري بردي والقلانسي وغيرهما بذكر آثار “الشدة المستنصرية” أو “الشدة العظمى” التي عمت الديار المصرية في زمن المستنصر بالله الخليفة الخامس من خلفاء الدولة العبيدية الشيعية “الفاطمية” التي احتلت مصر، وفصلتها عن الخلافة العباسية أكثر من مئتي سنة، واستمرت هذه المجاعة والخراب الذى حل بمصر مدة سبع سنوات عجاف (457هـ – 464هـ / 1065م – 1071م) حتى أكل الناس الميتة والكلاب والقطط، وكان الكلب يباع بخمسة دنانير، والقط بثلاثة، ومع تعاظم شدتها أكل الناس لحوم البشر، واتخذ بعضهم الكلاليب والخطاطيف التي يصيدون بها المارة من الشوارع ليأكلوهم، بل حفلت كتب التاريخ بما هو أشد من ذلك وأنكى، مما تعاف الفطر السليمة كتابته أو سماعه، ناهيك عن فعله واستساغته !

وكان في مقدمة أسباب هذه البلاء الشديد والكرب العظيم عدم فيضان النيل، وقلة مياهه، مع الظلم العام، والفساد المستشري، والاستبداد الذي ألفه الناس خوفا على لقمة العيش حتى فقدوها وماتوا جوعا، حتى قيل إن عدد أهل مصر نقص الثلث من هذه الشدة، جراء الجوع، أو في قوافل الهجرة التي قصدت البلاد الأخرى.

جائحة أخرى

سد النهضة جائحة ماحقة تمتد آثارها للأجيال اللاحقة، وهو بداية لبناء سلسلة سدود أخرى في دول المنبع ستقضي على مظاهر الحياة وليس الزراعة فقط .

تَعامُل النظام مع كورونا بداية بالإنكار، ثم بالاستهتار جعلني لا أتوقع منهم خيرا مع إثيوبيا المستأسدة، التي تتعامل بعنجهية مفرطة، وتلوح باستخدام القوة ضد الجنرال الذي يراهن على ورقة التفاوض!

هل لأنها تشعر بهشاشة النظام وأنه لا يملك شيئا من وسائل الضغط، أم مازال السيسي يملك الانسحاب من اتفاق المبادئ الذي وقع عليه؟

وهل في إحالة الملف إلى البرلمان ورفض الاتفاق برمته ما يمثل مخرجا من الأزمة؟

هل النظام عاجز أم متواطئ؟

أم هي فاتورة البقاء في الحكم إلى 2030 وتحقيق أحلام إسرائيل؟

الإجابة الوحيدة المعروفة الآن أن العالم قبل كورونا لن يبقى على صورته بعد انكشاف غمتها.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة