مقالات

انهيار الاقتصاد التركي: هذا ما تتمنونه؟!

وكيف لها أن تخفي أية معلومة حول ذلك الوباء، في ظل وجود أطباء يعملون في كافة المستشفيات، ينتمون إلى المعارضة؟

 

مع استمرار تفاقم أزمة وباء كورونا، أصبحت مقولة الرئيس الصيني” العالم قبل كورونا لن يكون كما كان قبلها”، هي الأكثر استخداما وتداولا في وسائل الاعلام، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، استشرافا للتغيرات المحتملة جراء هذا الوباء سياسيا واقتصاديا، وتأثيراته المنتظرة على خارطة العالم، إيجابا وسلبا.

إذ يتنبأ الخبراء بحدوث تغيير هائل في النظامين السياسي والاقتصادي للعالم، وترشيح الصين للصعود قوة سياسية واقتصادية عظمى تشاركها  تلك المكانة، بدرجات متفاوتة، كل من روسيا وعدد محدود من الدول الأوربية وتركيا.

درع الاستقرار الاقتصادي

ظهور اسم تركيا كإحدى الدول المتوقع لها أن تلعب دورا محوريا في تلك التجمعات والمنظمات الاقتصادية الجديدة، دفع العديد من الدول المعادية لها إلى استباق الأحداث، والقفز على توقعات المحللين السياسيين والاقتصاديين، والسعي لتشويه صورة تركيا اقتصاديا، عبر إشاعة حدوث انهيار تام لاقتصادها بسبب فيروس كورونا، نتيجة السياسات التي وصفت بالخاطئة التي تنتهجها الحكومة التركية.

الغريب أنه في وسط تلك التقارير المزيفة، والشائعات المغرضة، قامت الحكومة التركية، ومنذ بداية أزمة انتشار فيروس كورونا بإقرار حزمة اقتصادية بلغت 100 مليار ليرة تركية، أي ما يعادل 15.4 مليار دولار، تحت اسم ” درع الاستقرار الاقتصادي”. ولا أعرف كيف لدولة منهارة اقتصاديا وعلى وشك الإفلاس – كما يُشاع – أن تقرر تخصيص مثل هذا المبلغ لحماية قطاعها الاقتصادي، ومن أين لها بكل تلك الأموال، وهي لم تتقدم لصندوق النقد الدولي بطلب للحصول على مساعدة مالية لمواجهة التداعيات الاقتصادية لتفشي وباء كورونا مثلما فعلت 13 دولة شرق أوسطية، وفق ما صرح به بول تومسون مدير القسم الأوربي بصندوق النقد الدولي؟

صرف مساعدات للأسر الفقيرة وكبار السن

وبنظرة سريعة على حزمة الإجراءات الاقتصادية التي أعلنتها الحكومة التركية، سنجد أنها قامت على سبيل المثال بتأجيل الرسوم الضريبية، والفواتير، واقساط التأمينات الاجتماعية لجميع الشركات العاملة في كافة المجالات، بما في ذلك دور السينما والمسارح والفنادق، إلى جانب تقديم الدعم المالي لشركات التصدير، ودعم عمليات التوظيف لتجنب تفاقم أزمة البطالة لديها.

كما تمت مضاعفة مخصصات صندوق الائتمان لحماية البنوك الخاصة، وطُلب من جميع المؤسسات المالية في الدولة عدم إلغاء القروض الحالية، وتيسير قروض جديدة لمن يرغب من الشركات والمؤسسات والافراد، بالإضافة إلى إنشاء صندوق جديد يهدف إلى مساعدة العائلات الفقيرة، ومحدودي الدخل، وكبار السن على مواجهة التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا على ظروفهم المعيشية.  

الاقتصاد التركي وتوقعات وكالات التصنيف الائتماني

وفي الوقت الذي يدعي فيه البعض انهيار الاقتصاد التركي، ودخوله غرفة الإنعاش، فإن العديد من المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية أكدت في نشراتها الدورية على توقعاتها الإيجابية للاقتصاد التركي، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي معدلات نمو تبلغ 3% للاقتصاد التركي، بينما أكد دوغلاس وينسلو مدير وكالة ” فيتش الدولية للتصنيف الائتماني” ثقته الكبيرة في قدرة الاقتصاد التركي على تحقيق نسبة نمو مرتفعة قد تصل إلى 3.9% في المنظور القريب، بعد تخفيض سعر الفائدة الذي قام به البنك المركزي مؤخرا.  مؤكدا عدم وجود تأثيرات كبيرة على نمو الاقتصاد التركي بسبب فيروس كورونا.

وتوقعت وكالات التصنيف الائتماني الدولية أن ترتفع نسبة نمو الاقتصاد التركي خلال العام الجاري من 3,1% إلى 3,9% بينما ارتفعت التوقعات المرتبطة بالعام المقبل من 3.4% إلى 4%.

فهل تُجامل وكالات التصنيف الائتماني الدولية تركيا رغم كراهيتها لها! أم أن خبراءها خانهم التوفيق في تصريحاتهم تلك؟ وماذا عن باقي المحللين والخبراء والاكاديميين الاقتصاديين الذين يؤكدون أن تركيا ستجتاز أزمة كورونا، وستخرج منها أقوى من ذي قبل، وأنها مؤهلة لمنافسة الصين والدول الأوربية الكبرى في مجالي الإنتاج والتصدير، وأنها قد تكون من أكثر المستفيدين من هذه المحنة العالمية، خصوصا بعد أن أدى الحظر الذي فرضته الصين خلال صراعها مع كورونا إلى توجه كثير من الدول للاستيراد من تركيا بدلا من الصين، وبخاصة مستلزمات الوقاية الطبية والمستلزمات الصحية، إلى جانب الكثير من الصناعات الصغيرة والمتوسطة مثل المنسوجات المنزلية والاقمشة والملابس الجاهزة؟

زيادة ثقة الأسواق الخارجية ومضاعفة منافذها

انخفاض أسعار البترول والطاقة، وهبوط سعر صرف الليرة التركية مقابل العملات الدولية الرئيسية خلال أزمة كورونا حولا تركيا إلى قبلة رئيسية للتعويض عن غياب المنتجات الصينية، كما أن تفاقم الازمة على الصعيد الأوربي أدى إلى زيادة الطلب على المنتجات والبضائع التركية.

وللحفاظ على كل تلك المكاسب وترسيخ موقعها في السوق العالمي، حرصت تركيا على التعاطي بكل شفافية في تعاملها مع الأزمة، بهدف زيادة ثقة الأسواق الخارجية ومضاعفة حجم المتعاملين معها.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحكومة التركية تعاملت، ولاتزال بشفافية تامة مع أزمة كورونا، فلم تتلجأ إلى إخفاء أية معلومة حول الفيروس، بل يتم إطلاع الرأي العام على آخر التطورات والأرقام والإحصائيات والقرارات التي تتخذ بشكل يومي.

 وكيف لها أن تخفي أية معلومة حول ذلك الوباء، في ظل وجود أطباء يعملون في كافة المستشفيات، ينتمون إلى المعارضة، كما أن وسائل الإعلام التركية، والمعارضة منها على وجه الخصوص، لن تتردد لحظة في نشر أية إصابة أو معلومة تتعلق بالفيروس لم تعلنها الحكومة بهدف إحراجها أمام الرأي العام.

العالم بعد كورونا لن يكون كما كان قبلها

تركيا وبشهادة الخبراء والأكاديميين تنتهج إذا النهج الصحيح، وتسير بخطى ثابته باتجاه المستقبل، ولا تلقي بالا لادعاءاتكم ولا لشائعاتكم، فهلا احترمتم عقول قُرائكم ومشاهديكم! فالعالم اليوم أمام أزمة خانقة، ووباء قاتل، ولا أحد يمكنه التنبؤ بشكل قطعي متى وكيف يمكن أن تنتهي هذه الأزمة، التي تدمر صحة الإنسان والحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الدولي ككل، وهو أمر يجب أن يحفز الدول العاقلة على تبني سياسات واستراتيجيات واضحة المعالم، تعتمد الشفافية الكاملة، وتضع سيناريوهات مواجهة الأزمة على المدى القريب والمتوسط وحتى البعيد، لآن العالم بعد كورونا بالفعل لن يكون كما كان قبلها.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة