مقالات

كل شيء يتضاءل في السودان إلا “حميدتي”.. إنه يتمدد!

كل شيء حالياً يتضاءل في السودان، احتمالات رفاهية ما بعد الثورة، ونيل مطلب السلام كاملاً، والنجاة من كورونا بأقل الخسائر، بينما الوحيد الذي يكبر دوره وتتعاظم مطامعه يوماً بعد يوم، هو قائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان حميدتي، الذي تدل كل المؤشرات، بما فيها ولعه الشديد بالسُلطة، إلى أنه يسعى، بتواطؤ داخلي ودعم خارجي، للسيطرة على السودان.

تلميع حميدتي

مطلع هذا الأسبوع أجرى تلفزيون السودان حواراً مع الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش، وقد اقتطع الرجل مساحة مُقدرة من زمن المقابلة خصصها للإشادة بحميدتي ودوره في انجاح الثورة، والتناغم بينهما، لينفي بذلك ما يتردد عن صدامٍ محتملٍ بين طموحات حميدتي والجيش السوداني .  

بدأ ظهور البرهان لأكثر من ساعة كما لو أنه أراد فقط تلميع قائد قوات الدعم السريع، وفرش البساط الأحمر ليمشي فيه صوب القصر الرئاسي، حتى وإن إضطر إلى اساءة استعمال القوة والتعدي على الحكم المدني الذي تنشده الثورة .

لم يعد خافياً أن كل من يعترض طريق حميدتي من ضباط الجيش يحال إلى المعاش، على نحوٍ مفاجئ، أو يوصم بمحاولة تدبير انقلاب عسكري، كما جرى لقائد سلاح المدرعات اللواء نصر الدين عبد الفتاح، وهيئة العمليات بجهاز الأمن، وأخرين تطاردهم مراكز قوى غامضة .

السعي للقوة والمجد

أكثر ما يميز حميدتي أنه يمتلك قوة مقاتلة باتت تنتشر في كل مناطق السودان، وتقاتل أيضاً في اليمن إلى جانب التحالف السعودي الإماراتي، وتخضع له تلك القوة التي تحظى بتسليح وامتيازات هائلة بصورة عجيبة، كما كان الجيش الفرنسي يخضع لنابيلون، وكلاهما جاء بعد ثورة، ويؤمنان بالقوة والمجد، بدلالة أن نابليون حين دخل روما قال له المستشارون إن البابا غاضب، فرد عليهم بسؤال: “كم مدفعًا يملك هذا البابا؟!”.

بصورة مفاجئة لمعت صورة حميدتي، الذي كان في الماضي تاجراً للإبل في دارفور، فأصبح قائدًا لقوات الدعم السريع التي تعددت مهامها، وسرعان ما منحه الرئيس المخلوع عمر البشير ترقيات استثنائية ووضعية قانونية، إلى جانب مهمة القتال في اليمن تحت قيادة التحالف السعودي، وحقوق حصرية في التنقيب عن ذهب جبل عامر، مما حقق له ثروة مالية هائلة تقدر بأكثر من (6) مليار دولار.  

القضاء على الملك

لم يكن حميدتي مشغولًا بالسُلطة، حتى طلبت منه قوى المعارضة التدخل وحمايتها من كتائب الظل، وهى قوات كانت مساندة لنظام البشير، وذلك على اعتبار أن الرجل غير طموح ويمكن الطبطبة عليه والتخلص منه بسهولة، فهو ليس أكثر من رافعة لنيل أحزاب قوى الحرية والتغيير ما يصبون له من وزارات ومناصب رفيعة. وإنه، أي حميدتي، تعوزه الحكمة والكياسة، ويمكن استئجاره لحينٍ أو استخدامه كلاعب في رقة الشطرنح للقضاء على الملك، لكنه للمفارقة، أزاح الملك وجلس في مكانه نسبياً، أو بات هو الأقرب حالياً إلى قيادة الدولة على نحوٍ ما.

استطاع حميدتي أن يفلت من قبضة النخبة السياسية، ومن قدر أمراء الحرب ، ليصبح قائد جيوش ورجل دولة، تسعى المحاور الإقليمة لكسب وده، حتى أنه لعب دور الحليف لأوربا في حربها ضد المهاجرين الأفارقة، من ضاقت بهم بلدانهم، وأصبح بالمقابل رجل المحور السعودي الإماراتي في السودان، يعد على طريقة خليفة حفتر أو السيسي لمهمة مشابهة في بلاد النيلين .

تحالفات ومشاكل

وبالرغم من ذلك لا تبدو تلك المهمة سهلة، إذ بالرغم من أن حميدتي يمتلك القوة والنفوذ حالياً، وقد أصبح رئيساً للآلية الاقتصادية، بصلاحيات وزارية كاملة، وممسكاً بملف التفاوض مع الحركات المسلحة، وحليفاً كذلك لقوى الحرية والتغيير الحاكمة، أي بمثابة المنقذ لها من الفشل الاقتصادي، لكنه يفتقد بالمرة القبول الجماهيري، ويعاني من مشاكل خفية بينه وبعض كبار قادة الجيش، وبصورة أخرى، بينه ومدير جهاز الأمن والمخابرات السابق الفريق صلاح قوش، الذي يُعتبر المنافس الأقوى لحميدتي، فضلاً عن ملفات تطارده مثل اتهامات فض الاعتصام، وتداعيات حرب دارفور، إلى جانب أن حميدتي اختار المشاركة في المرحلة الانتقالية، حيث لا يُسمح لأحد شارك فيها، وفقاً للوثيقة الدستورية، بالترشح في الانتخابات المُقبلة .

لكن ثمة سؤال هنا يصعب تجاهله، هل ستكون هنالك انتخابات بالفعل، أم أن سيناريو الانقلاب العسكري حاضر بالفعل؟ خصوصاً وأن الفريق حميدتي أقرب إلى كرسي الرئاسة، ويحظى بدعم خارجي، ورغبة عارمة في تسيد المشهد، إلى جانب تسخير كل إمكانيات الدوله لخدمه مشروعه الغامض، وبناء تحالفات مع قوى سياسية صغيرة وكبيرة أيضاً، حد تصويره كمخلص للسودانيين من عذاباتهم، أو حماية البلاد من عودة النظام السابق.

 وهى الدعاية التي استثمر فيها حميدتي وأعوانه كثيراً، بحيث ظل يعزف على مخاوف انقلاب قوى إسلامية، على الحكومة الانتقالية، واستعادة النظام السابق، ونتيجة لذلك مكن نفسه في السُلطة، لمواجهة شبح ما يسمى بالدولة العميقة .

سيناريوهات مفتوحة  

الوضع الأن في السودان بات مفتوحاً على كل الاحتمالات، خصوصاً بعد قرار حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي تجميد عضويته في التحالف الحاكم، إلى جانب البعثة الأممية التي طلبها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، بموجب البند السادس، مما أثار ردود فعل كبيرة، على اعتبار أن هذا الطلب يمهد للتدخل الخارجي في شؤون البلاد، ما ينبئ أيضاً بهزات عنيفة تفتح المشهد على سيناريوهات أخرى، ربما تُحطم، على الأرجح، كافة الرهانات الخارجية على حميدتي، أو تمكن له أكثر بالمقابل .

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة